تكثف مصر من حراكها الدبلوماسي بحثاً عن إيجاد مخرج للأزمة السودانية، وذلك عبر تنسيق الجهود مع أطراف إقليمية ودولية فاعلة في محاولة لتنشيط المسار السياسي في شأن هذه الحرب بين الجيش وقوات "الدعم السريع" التي دخلت عامها الرابع وأسفرت إلى الآن عن مقتل عشرات آلاف الأشخاص وتشريد أكثر من 11 مليوناً، وتسببت في أسوأ أزمة نزوح وجوع في العالم، بحسب الأمم المتحدة.
الحراك المصري الذي جاء في الساعات الأخيرة بصيغة ثنائية جمعت وزير الخارجية المصري بدر عبدالعاطي بنظيره السوداني محيي الدين سالم، وأخرى ثلاثية ورباعية جمعت عبدالعاطي بنظرائه في السعودية وتركيا، فضلاً عن المبعوث الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية مسعد بولس عكست مساعي القاهرة للدفع نحو "استعادة الزخم ومحاولة كسر الجمود الذي يخيم على الأزمة السودانية" عبر تنسيق الجهود مع الأطراف الإقليمية والولايات المتحدة لاستكشاف إمكان إيجاد مخرج للحرب، وفق ما ذكرت مصادر دبلوماسية مصرية لـ"اندبندنت عربية".
ويقول مراقبون إن النشاط الدبلوماسي المصري في الملف السوداني يعبر عن إدراك متنامٍ في القاهرة بأن إدارة الأزمة لم تعد ممكنة عبر تحركات منفردة، وأن أي اختراق حقيقي يتطلب توافقاً بين القوى الأكثر تأثيراً في الأزمة، وذلك في وقت تشتد فيه حدة المعارك بين قوات الجيش السوداني بقيادة عبدالفتاح البرهان، وقوات "الدعم السريع" بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، لا سيما في إقليم كردفان وولاية النيل الأزرق قرب الحدود الإثيوبية.
حراك دبلوماسي لحلحلة الأزمة
وفق مصادر دبلوماسية مصرية تحدثت إلينا فإن "الجهود المصرية الراهنة تجاه الأزمة السودانية تنطلق بالأساس من قناعة بأن الصراع في الجارة الجنوبية وصل إلى مستوى عالي الخطورة، ما يستدعي ضرورة التحرك النشط على مستويات إقليمية ودولية عدة لوضع حد لها"، موضحة أن "سياق الانفراج الذي يشهده الملف الإيراني وتوصل طهران وواشنطن إلى مذكرة تفاهم لإنهاء الحرب فيما بينهما عزز من الآمال في شأن إمكان استعادة الزخم السياسي والدبلوماسي للملف السوداني وإمكان التوصل لحل ينهي الحرب الدائرة".
وذكر أحد المصادر الدبلوماسية "لم تدخر القاهرة جهداً سياسياً ودبلوماسياً تجاه السودان طوال الفترة الماضية، إلا أن تعقيد المشهد واستمرار تدفق الدعم العسكري من أطراف خارجية لقوات (الدعم السريع) عمق الأزمة وعقد سبل حلحلتها"، مضيفاً أن الموقف المصري يرتكز على أهمية "التوصل لوقف إطلاق النار بشكل مستدام، وتكثيف الاستجابة الإنسانية بما يخفف معاناة الشعب ويمهد الطريق لإطلاق عملية سياسية تكون سودانية - سودانية للوصول إلى اتفاق شامل يحافظ على وحدة واستقرار السودان".
ومع تأكيد المصدر ذاته انخراط مصر الدائم "في كافة المسارات الرامية إلى إنهاء النزاع الذي يهدد ليس فقط السودان، بل المنطقة بأكملها"، ذكر أن الموقف المصري يرى في الحفاظ على وحدة وسلامة الأراضي السودانية "أمراً لا يخص الخرطوم وحدها، بل يتعلق بالأمن القومي المصري بصورة مباشرة"، وهو ما لن تسمح به القاهرة، وذلك فضلاً عن رفض تشكل أو تأسيس أي "كيان موازٍ يهدف لتقويض مؤسسات الدولة".
وأمس الأول السبت، استقبل وزير الخارجية المصري بدر عبدالعاطي نظيره السوداني محيي الدين سالم، لبحث تطورات الأزمة السودانية، التي كانت على جدول أعمال لقاء ثلاثي لاحقاً ضم وزراء خارجية مصر والسعودية وتركيا، فضلاً عن اجتماع رباعي ضم بجانب البلدان الثلاثة مسعد بولس كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشئون العربية والأفريقية.
وخلال استقباله نظيره السوداني أكد وزير الخارجية المصري بدر عبدالعاطي موقف القاهرة الثابت الداعم لوحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه ومؤسساته الوطنية، ورفض إنشاء أي كيانات موازية، وقال السفير تميم خلاف المتحدث باسم الخارجية المصرية في بيان له إن اللقاء شدد "على أهمية التوصل إلى هدنة إنسانية تمهد لوقف مستدام لإطلاق النار واستئناف العملية السياسية، مع ضمان النفاذ الإنساني إلى المناطق المتضررة، واحترام مبدأ الملكية السودانية للحل السياسي، والتأكيد على أهمية جهود الرباعية الدولية لدعم الاستقرار وإنهاء الصراع".
وفي أعقاب لقائه وزير الخارجية السوداني عقد بدر عبدالعاطي لقاءً ثلاثياً مع نظيريه السعودي الأمير فيصل بن فرحان، والتركي هاكان فيدان، لبحث التطورات الإقليمية، بحسب ما ذكرت وزارة الخارجية المصرية.
وقال السفير تميم خلاف إن اللقاء الذي جاء على هامش اجتماع الأطراف الإقليمية الأربعة الذي تستضيفه القاهرة، شهد تبادلاً للرؤى حول عدد من الملفات الإقليمية، وفي مقدمها تطورات الأوضاع في قطاع غزة، والأوضاع في السودان وليبيا، ومستجدات الملف الإيراني، فضلاً عن التطورات في القرن الإفريقي، حيث أكد الوزراء أهمية مواصلة التنسيق والتشاور المشترك بما يسهم في دعم الأمن والاستقرار الإقليمي وتعزيز الجهود الرامية إلى تسوية الأزمات.
ويعكس الحراك المصري السياسي في شأن السودان، وفق ما يقول مراقبون، حرص القاهرة على تعزيز تنسيقها مع الأطراف الإقليمية والدولية الفاعلة في الأزمة، في محاولة للدفع نحو إيجاد تسوية شاملة للحرب، معتبرة أن أي اختراق حقيقي يتطلب توافقاً بين القوى الأكثر فاعلية.
ويقول مساعد وزير الخارجية المصري السابق السفير صلاح حليمة إن ما يعزز الجهود المصرية في هذا الاتجاه هو "وجود نشاط ودور أميركي متنامٍ لمحاولة تخفيف حدة الأزمات التي تشهدها المنطقة"، موضحاً في حديثه معنا "تمثل التهدئة الجارية الآن فيما يتعلق بالأزمة الإيرانية بين الولايات المتحدة وطهران، والعمل على وصول إلى حل نهائي للحرب فيما بينهما، فرصة لإيجاد تسويات للملفات المشتعلة في المنطقة، والتي تحمل بين طياتها تهديدات مباشرة لأمن واستقرار حلفاء واشنطن".
وذكر حليمة أن "القاهرة تحاول عبر تنسيق تحركها في الأطراف الدولية والإقليمية للدفع نحو الوصول لصيغة لإنهاء الحرب، وقد تمثل نهاية الحرب الإيرانية حافزاً للوصول إلى تسوية شاملة وإحياء المسار السياسي، لا سيما أن تبعات الأزمة السودانية لا تقتصر على جغرافيا السودان فحسب، بل تمتد بآثارها على دول المنطقة والقرن الأفريقي والبحر الأحمر والملاحة الدولية عبره، وهي أمور قد تزداد اشتعالاً يصل إلى الانفجار حال استمرار الصراع في تلك المنطقة".
ومنذ بداية الحرب في السودان في أبريل/ نيسان 2023 تمسكت القاهرة بالحلول السياسية والدبلوماسية للأزمة مع التأكيد أن الحل "سوداني - سوداني"، والدعوة إلى وقف إطلاق النار والحفاظ على مؤسسات الدولة وعلى رأسها القوات المسلحة.
وبقيت مصر على نهجها تجاه الأزمة السودانية، حتى الربع الأخير من العام الماضي وتحديداً في أعقاب سيطرة "الدعم السريع" على مدينة الفاشر خلال أكتوبر/ تشرين الأول 2025، ومن قبلها السيطرة على المثلث الحدودي الرابط بين السودان ومصر وليبيا، مما اعتبرته القاهرة تهديداً مباشراً لأمنها القومي، لتعلن في أعقاب ذلك وخلال استضافتها لرئيس المجلس السيادي الفريق عبدالفتاح البرهان في ديسمبر/ كانون الأول 2025 عن "خطوط حمراء" لا تتهاون في تجاوزها في الأزمة السودانية، لاعتبارها تؤثر في أمنها القومي، والتي شملت "الحفاظ على وحدة السودان وسلامة أراضيه وعدم السماح بانفصال أي جزء منه، والرفض القاطع لإنشاء أية كيانات موازية أو الاعتراف بها، والحفاظ على مؤسسات الدولة السودانية، ملوحة بتفعيل اتفاق الدفاع المشترك بين البلدين.
هل تنجح جهود القاهرة؟
أمام تعقد مسار الصراع، وعدم قدرة الأطراف الدولية والإقليمية على إيجاد حل للحرب السودانية التي دخلت عامها الرابع، من دون تحقيق الحسم العسكري لصالح أحد الأطراف أو حتي الوصول إلى حل سياسي، تتباين الرؤى حول قدرة القاهرة على الدفع نحو تحقيق تسوية شاملة، وما إذا كانت قادرة على تحويل التقاطعات الدولية والإقليمية إلى فرصة سياسية لإنهاء الحرب، أم أن جهودها ستصطدم مجدداً بتعقيدات الميدان السوداني وتشابك حسابات الفاعلين المحليين والخارجيين؟
وفق السفير صلاح حليمة، فإن هناك "تنامي للإدراك العربي والإقليمي بأن استمرار الأزمة في السودان يهدد الأمن القومي العربي بصورة مباشرة، فضلاً عن جو التهدئة العام في الإقليم قد يمثلان عوامل تحفيز للمضي نحو تسوية للأزمة السودانية"، معتبراً أنه في ضوء التطورات الأخيرة سواء داخل الساحة السودانية أو على مستوى التفاعلات الإقليمية والدولية المتعلقة بالأزمة السودانية تعكس "نوعاً من التلاقي أو التقاطع إلى حد كبير في رؤية التسوية السياسية للحرب في السودان".
وذكر حليمة "من بين مشاريع التسوية، يبرز الموقف المصري الذي كان مؤسساً على مبادرة تم طرحها في يوليو/ تموز 2024، والتي تحدثت عن ضرورة أن يكون هناك مسار سياسي بالدرجة الأولى لحوار سياسي سوداني - سوداني شامل لتسوية الأزمة، وذلك بمشاركة كافة المنظمات الإقليمية والدولية المعنية كمجموعة اتصال لمراقبة ومتابعة وضمن تنفيذ مخرجات هذا الحوار"، مضيفاً "يرتبط الحوار السياسي بضرورة وقف اطلاق النار وبمسار إنساني يتعلق بإدخال المساعدات الإنسانية عبر ممرات آمنة".
في المقابل يقلل سفير مصر السابق لدى السودان محمد الشاذلي من احتمالات التوصل لحل مرتقب للأزمة، قائلاً في حديثه معنا إن المشهد "منوط بالأطراف الداخلية السودانية، وقدرتها على النأي بنفسها عن المؤثرات الإقليمية ورفض التدخلات الخارجية في المشهد"، موضحاً "لو استبعد أطراف الأزمة السياسية والعسكرية صفرية الحرب، بمعنى التخلي عن الإصرار على القضاء على الطرف الأخر، في هذه الحالة قد نصل إلى حل، وبخلاف ذلك فإن المأساة ستتواصل".
وذكر الشاذلي "استمرار الحرب في السودان يعقد كل يوم من حلها ويجعل من التئام جروحها أمراً في غاية الصعوبة"، مشيراً إلى أصرار أطراف خارجية على تقديم الدعم العسكري لقوات "الدعم السريع" بقيادة حميدتي "يزيد من تعقيد الأزمة ويسهم في تفكيك مؤسسات الدولة، وهو أمر خطر على مستقبل السودان"، على حد وصفه.
من جانبه يرجح الكاتب والمحلل السوداني طاهر المعتصم من احتمالية اقتراب وصول الأزمة السودانية إلى محطة التسوية، قائلاً في حديثه معنا "على وقع التطورات الإقليمية والجهود الجارية في شأن السودان وما يجري خلف الأبواب المغلقة، أعتقد أننا قريبون من احتمالات تحقيق اختراق للأزمة السودانية".
وذكر المعتصم أن "الحرب السودانية تؤثر سلباً على كل دول الجوار"، مضيفاً أن سنوات الأزمة "أنهكت الدولة وفتحت باستمرارها أبواب التدخلات الخارجية التي وجدت أطراف ضعيفة داخلية للعمل من أجل تنفيذ مصالحها وتحقيق مطامعها في السودان"، وتابع "توقف الدعم الخارجي لـ(الدعم السريع) من شأنه أن يسرع من الوصول لحل للأزمة".
وأول من أمس السبت أعرب مجلس الأمن الدولي عن قلقه البالغ "حيال خطر وشيك (لارتكاب) فظائع واسعة النطاق" في مدينة الأُبَيِّض السودانية الكبيرة، حيث تخشى الأمم المتحدة هجوما تشنه قوات الدعم السريع.
وحضّ أعضاء المجلس في بيان قوات حميدتي على "وقف هجومها فوراً على الأبيّض"، لافتين الى "تعزيزات عسكرية كبيرة" حول المدينة، الواقعة في ولاية شمال كردفان، وتحاصرها منذ أشهر قوات "الدعم السريع"، وذلك في وقت تشتد فيه حدة المعارك منذ أشهر في إقليم كردفان وولاية النيل الأزرق قرب الحدود الإثيوبية.
وتُتهم قوات "الدعم السريع" بارتكاب فظائع عديدة خلال استيلائها على الفاشر في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، وهي آخر مدينة رئيسة سيطرت عليها في دارفور. وفي فبراير/ شباط، أفادت بعثة تقصي حقائق تابعة للأمم المتحدة بوقوع أعمال "إبادة جماعية".
وبعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب في السودان بات الجيش السوداني يسيطر على المناطق الوسطى والشرقية، في حين عززت قوات "الدعم السريع" سيطرتها على إقليم دارفور في الغرب. ويخوض الطرفان معارك للسيطرة على إقليم كردفان الشاسع الواقع بينهما، وله أهمية كبيرة لقطاع الزراعة.
واتهمت الولايات المتحدة ومنظمات حقوقية قوات "الدعم السريع" بارتكاب إبادة جماعية بحق غير العرب في غرب دارفور خلال الصراع، امتداداً لعنف طويل الأمد ناجم عن نزاعات على الأراضي. ومن جانبها، نفت قوات "الدعم السريع" مسؤوليتها عن عمليات القتل ذات البعد العرقي، مؤكدة أنها ستحاسب المسؤولين عن الانتهاكات.
(اندبندنت عربية)