في قراءة هادئة لمشهد الانفتاح الدولي على الملف اليمني، تبدو حقيقة أساسية غير قابلة للتجاهل، وهي أن الشرعية ما تزال حاضرة رسميا في العواصم الكبرى، بما في ذلك موسكو، عبر تمثيل دبلوماسي قائم وعلاقات ممتدة، توجت بزيارات رفيعة المستوى، من بينها زيارة رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي في مايو 2025. هذه المعطيات تؤكد أن الشرعية لم تستبعد من الإطار الدولي، ولم تفقد صفتها التمثيلية.
غير أن ما يوازي هذه الحقيقة، وربما يتقدم عليها في ميزان التأثير، هو نمط السلوك الدولي المتغير، حيث لم تعد الدول الكبرى تكتفي بالقنوات الرسمية، بل باتت تعتمد سياسة تعدد المسارات، عبر الانفتاح على مختلف القوى الفاعلة على الأرض، بما في ذلك الحوثيون، كما عكسه لقاء الخميس الماضي 30 ابريل 2026 في مسقط بين نائب وزير الخارجية الروسية وممثل الجماعة.
هذا التوازي بين الاعتراف الرسمي والانفتاح العملي يفرض إعادة طرح السؤال الجوهري: هل يكفي الحضور الدبلوماسي للشرعية لضمان التأثير السياسي؟
الإجابة، وفق معايير السياسة الدولية المعاصرة، تميل إلى النفي.
فالاعتراف يمنح الشرعية موقعا قانونيا، لكنه لا يضمن لها وزنا حاسما في لحظات إعادة تشكيل التوازنات. وحده الحضور المؤثر، القائم على الفعل والرؤية والقدرة على المبادرة، هو ما يحدد موقع أي طرف في معادلات التسوية.
ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي أمام مجلس القيادة الرئاسي لا يتمثل في الحفاظ على ما هو قائم، بل في تطويره، والانتقال به من إطار التمثيل إلى فضاء التأثير.
كيف يمكن تحقيق ذلك؟
أولا: الانتقال من دبلوماسية الاتصال إلى دبلوماسية المبادرة
لم تعد الدبلوماسية الفاعلة تقاس بعدد اللقاءات أو بانتظام التواصل، بل بقدرة الطرف على تحديد جدول الأعمال، لا مجرد الحضور فيه. الانتقال إلى دبلوماسية المبادرة يعني أن تتحرك الشرعية بوصفها منتجا للأفكار، لا مستهلكا، عبر طرح مبادرات سياسية وأمنية واقتصادية واضحة تقدم للعواصم المؤثرة كخيارات قابلة للنقاش، لا كطلبات دعم عامة. ويتطلب ذلك إعداد أجندة تحرك مدروسة لكل عاصمة رئيسية، تقوم على فهم دقيق لأولوياتها وربطها برؤية الشرعية للحل بما يتوافق مع مصالح الشعب اليمني، ويصون كرامته، ويحقن دمائه، ويدعم الاقتصاد والأمن والاستقرار، بما في ذلك الأمن الدولي وأمن البحار.
كما يشمل ذلك توسيع دوائر التأثير لتشمل مراكز الدراسات والبرلمانات ووسائل الإعلام الدولية، بما يعزز حضور الرواية السياسية للشرعية خارج الإطار الرسمي. ودبلوماسية المبادرة تعني أيضا التحرك الاستباقي، عبر تقديم تصورات قبل الأزمات، وعرض حلول قبل أن تفرض من الخارج، وإدارة التفاوض كعملية مستمرة وتوضيح من هو المعرقل الأساسي لهذه العملية، بما يجعل الشرعية طرفا فاعلا في صياغة المسارات لا متلقيا لها.
ثانيا: توحيد مركز القرار وتصفير التباينات المؤثرة
الرسائل المتباينة تضعف الثقة الدولية، وتفتح المجال لتجاوز الشرعية نحو أطراف أخرى. كلما بدا القرار السياسي موحدا، ارتفعت قابلية التعامل معه كشريك يمكن الاعتماد عليه، خصوصا لدى الحلفاء الذين يبحثون عن جهة قادرة على الالتزام والتنفيذ. وقد شهدت الشرعية في المرحلة الأخيرة اتجاها نحو ضبط هذا المسار وتأكيد أن التواصل الخارجي يتم عبر القنوات الرسمية المخولة، بما يقلل من الإرباك ويحد من تعدد الرسائل.
وفي هذا السياق، تبرز ثغرة مهمة داخل البنية الدبلوماسية نفسها للشرعية، تتمثل في طول بقاء عدد من السفراء في مواقعهم لفترات تتجاوز في بعض الحالات عشر سنوات، وهو ما أفرز حالة من الجمود النسبي في الأداء، وضعف التجديد في أدوات التواصل، وتراجع القدرة على مواكبة التحولات المتسارعة في البيئة الدولية. هذا التراكم الزمني انعكس على ديناميكية الحضور الدبلوماسي، وأضعف في بعض المواقع القدرة على بناء شبكات تأثير جديدة أو تنشيط العلاقات القائمة بالزخم المطلوب.
ثالثا: ربط الأداء الداخلي بالوزن الخارجي
لا يمكن فصل الدبلوماسية عن الواقع. تحسين الخدمات، وتعزيز الاستقرار، وتفعيل مؤسسات الدولة في المناطق المحررة، كلها رسائل عملية للعالم بأن الشرعية ليست مجرد إطار قانوني، بل نموذج قابل للحياة.
وفي هذا السياق، تبرز مسألة بالغة الحساسية لا يمكن إغفالها، وهي الكارثة التي تسببت بها الجماعة الحوثية لليمن داخليا وخارجيا بما في ذلك سيطرتها على موانئ ومنافذ بحرية حيوية، وما يمثله ذلك من تهديد مباشر لأمن الملاحة الدولية وسلاسل الإمداد. فتعامل المجتمع الدولي مع هذا الواقع لا ينطلق فقط من زاوية الصراع الداخلي، بل من زاوية الأمن البحري العالمي. وهنا تكمن مسؤولية الشرعية في إبراز هذه القضية بوصفها مسألة تتعلق بالنظام الدولي، لا مجرد شأن محلي، مع التأكيد على أن إدارة الموانئ لا يمكن أن تبقى بيد فاعل غير شرعي لا يخضع لالتزامات الدولة ولا للقواعد والمعايير الدولية الخاصة بأمن وسلامة الملاحة والتجارة البحرية.
رابعا: إعادة توظيف الاعتراف الدولي كأداة نفوذ
الاعتراف الدولي ليس مجرد غطاء قانوني، بل رأس مال سياسي يمكن تحويله إلى أداة تأثير. إعادة توظيفه تعني ربطه بشبكة مصالح وتفاهمات مع الشركاء، بحيث يصبح دعم الشرعية جزءا من معادلة استراتيجية لا موقفا شكليا. كما يتيح هذا الاعتراف للشرعية أن تكون المرجعية القانونية لأي ترتيبات سياسية أو اقتصادية مستقبلية، بما يقلص من فرص تجاوزها.
ويمكن أيضا استثمار هذا الاعتراف في بناء تحالفات مرنة وتوسيع الشراكات الدولية وربطها بمشاريع واقعية على الأرض، بما يحول الشرعية من صفة قائمة إلى نفوذ منتج ينعكس في مواقف الدول ويؤثر في صياغة أي تسوية قادمة.
خامسا: التعامل الذكي مع الانفتاح الدولي على الأطراف الأخرى
بدلا من النظر إلى هذه التحركات كتهديد، يمكن قراءتها كإشارة إلى طبيعة المرحلة. الفاعل الحقيقي هو من يستطيع أن يكون جزءا من كل المسارات، لا من يقف خارجها.
سادسا: بناء خطاب سياسي جديد يواكب التحولات
اللغة السياسية التقليدية لم تعد كافية. المطلوب خطاب واقعي مؤثر ومقنع، يوازن بين الثوابت الوطنية ومتطلبات الحلول الممكنة بما يتوافق مع مصالح اليمن والشعب ، وامن وسلامة البحار والملاحة الدولية.
في المحصلة، لا تعاني الشرعية من غياب الحضور، بل من فجوة بين ما تملكه من أدوات وما تحققه من تأثير. وهذه الفجوة قابلة للردم إذا ما أُديرت المرحلة بعقلية التحول لا بعقلية الحفاظ فقط، مع إدراك أن هناك تمثيلا دبلوماسيا رسميا وكوادر يمنية قادرة على تمثيل الشرعية في الخارج، غير أن الحاجة باتت ملحة لتفعيل هذا الجهد الدبلوماسي بصورة أقوى، ومعالجة حالات الجمود التي خلفها طول بقاء بعض المواقع الدبلوماسية دون تجديد كافٍ، بما يمنع أي فراغ يمكن أن تستغله قوى غير دولية للتواصل مع الخارج عبر قنوات موازية.
في عالم يتجه نحو إعادة توزيع الأدوار، لا يكفي أن تكون حاضرا في القاعة، بل أن تكون مؤثرا في صياغة ما يقال داخلها.