26 يونيو 2026
آخر الاخبار
26 يونيو 2026
يمن فريدم-أماني الطويل


هل يمكن أن يتخلى العالم عن السودان؟ ليس مجرد فرضية نظرية، بل هو واقع يتشكل يوماً بعد يوم، بعدما تحولت الأزمة السودانية إلى ساحات مواجهات صفرية، أو تضليل سياسي أو تحالفات انتهازية، وكلها أمور يجعل النسيان الدولي وارداً بنسب ليست بالقليلة.

نحن وسط عالم منشغل بأزمات طاقة وحروب كبرى شرق أوروبية وشرق أوسطية، وتنافسات وصراعات بين قوى كبرى، بالتالي يتحول السودان تدريجاً من أزمة تتطلب الحل إلى عبء يفضل الجميع إدارته دون تحمله.

في هذا السياق يقتضي لا نلقي باللائمة كاملة على مشجب المجتمع الدولي، فالمعادلة السودانية نتاج تلاقح بين قصور دولي وإقليمي، وعجز هيكلي محلي تقوده نخب سياسية وعسكرية أدمنت السير في طرقات الانسداد التاريخي.

ولتقييم مدى إمكانية تخلي العالم عن السودان، يجب فحص دفة المصالح والقوى التي تحرك الساحة السياسية، والوقوف على طبيعة المقاربات المتباينة للمحاور الأمريكية والأوروبية والإفريقية.

المقاربة الأمريكية: بين إدارة الأزمات وأولويات الأمن القومي

من الواضح أن السياسة الأمريكية تجاه السودان تعاني حال انفصام. فمن ناحية، هناك ضغوط إنسانية وحقوقية داخل الكونغرس تطالب بوقف الجرائم والانتهاكات الصارخة وضمان تدفق المساعدات. ومن ناحية أخرى، تخضع الرؤية الاستراتيجية لواشنطن لمنطق الأولويات الدولية.

في ظل الانشغال الأمريكي بمواجهة التمدد الصيني في أفريقيا ومراقبة التحركات الروسية عبر بدائل مجموعة "فاغنر" التي تسعى لتوطيد نفوذها في البحر الأحمر، ينظر إلى السودان كساحة استقطاب دولي خطرة.

وعلى رغم هذا التناقض فإن واشنطن لا تملك ترف التخلي الكامل عن السودان، نظراً إلى موقعه الجيوسياسي، لكنها في الوقت نفسه تمارس نوعاً من الانكفاء الدبلوماسي الحذر.

وتكتفي بأدوات العقوبات المفروضة على قادة الطرفين المتصارعين، وتفعيل مسارات تفاوضية متقطعة مثل مسار جنيف أو تحديثات مسار جدة، دون رغبة حقيقية في ممارسة ضغوط خشنة تغير موازين القوى على الأرض، أو تفرض حلاً سياسياً شاملاً.

هذا السلوك يفسره الخبراء الأمريكيون بأنه محاولة لتجنب الغرق في المستنقع السوداني مع الحفاظ على خطوط اتصال مفتوحة تمنع سقوط البلاد كلياً في يد قوى دولية منافسة.

أما المقاربة الأوروبية فتتحكم فيها هواجس أمنية مباشرة ترتبط أساساً بالأمن القومي الأوروبي، إذ جرى الاستقرار على رؤية تقول إن انهيار الدولة السودانية كابوس ديموغرافي وأمني مرعب. السودان يمثل تاريخياً وجغرافياً دولة عبور ومصدر رئيس لموجات الهجرة غير الشرعية نحو السواحل الأوروبية عبر ليبيا والبحر المتوسط.

وهكذا، فإن غالبية التقديرات والتقارير الأوروبية تحذر من أن استمرار الحرب، وتجاوز أعداد النازحين واللاجئين حاجز 14 مليون شخص، بما سيؤدي حتماً إلى انفجار بشري غير مسبوق يمتد أثره إلى ما وراء الحدود السودانية، إضافة إلى ذلك يخشى الأوروبيون من تحول السودان إلى منطقة جذب للجماعات المتطرفة والإرهابية العابرة للحدود في منطقة الساحل والصحراء والقرن الإفريقي.

ومع ذلك، فإن الدعم الأوروبي يظل محصوراً في الجوانب الإغاثية والمؤتمرات الإنسانية (كمؤتمر باريس للمانحين)، أو تدخل جزئي كمؤتمر برلين الأخير، وذلك كله دون بلورة مبادرة سياسية أوروبية موحدة وقوية قادرة على فرض وقف إطلاق النار، مما يجعل الموقف الأوروبي يبدو وكأنه تخلٍ عملي مغلف بقلق إنساني.

على الصعيد الإفريقي، فإن المقاربة الإفريقية تشهد عجزاً، إذ يمثل السودان اختباراً حقيقياً لشعار الحلول الإفريقية للأزمات الإفريقية، خصوصاً مع مواجهة القارة لمعضلة مزدوجة بين كون السودان عضواً مؤسساً وجسراً بين العالم العربي وإفريقيا يمر بحال تفكك، بينما المنظومة الإفريقية تعاني عجزاً مالياً وسياسياً يمنعها من التدخل الفاعل.

قرارات مجلس السلم والأمن الإفريقي، على رغم تتابعها وإصدار خرائط طريق متعددة لوقف الحرب والعودة للمسار المدني، تظل حبراً على ورق لافتقارها إلى آليات التنفيذ والضغط على الأرض.

هذا العجز، المصحوب بانقسامات داخلية بين قادة دول المنطقة (دول الجوار)، جعل القارة الإفريقية تظهر بمظهر العاجز عن إنقاذ أحد أهم أركانها، وهو ما يُترجم عملياً تخلياً قسرياً تفرضه قلة الحيلة والإمكانات.

انتحار التوافق في أديس أبابا

كل المعطيات السابقة لا تنفي أن جذر الأزمة الحقيقي يقبع في الداخل السوداني، ذلك أن فرضية تخلي العالم عن السودان لا تكتمل دون الإقرار بأن النخب السياسية والعسكرية السودانية هي من بادرت بتقديم صك التخلي عن بلادها عبر عجزها المخزي عن إنتاج الحد الأدنى من التوافق الوطني.

ويتجلى هذا العجز بوضوح في انهيار مؤتمر الآلية الخماسية والجهود الإفريقية الموازية في أديس أبابا، الذي كان يعول عليه طوق نجاة لجمع الأطراف السودانية (المدنية والعسكرية) صوناً لكيان الدولة. فشل هذا المسار في العاصمة الإثيوبية لم يكن مجرد تعثر دبلوماسي عادي، بل كان فضيحة سياسية. بكل معنى الكلمة.

لقد أظهرت القوى السودانية هناك تمسكاً طفولياً بالشروط الإقصائية، وتنافساً محموماً على شرعيات متوهمة فوق أشلاء بلد ممزق. قاطعت عائلات سياسية وتكتلات مدنية المؤتمر بحجج شكلية وإجرائية، في حين تمترست الأطراف العسكرية خلف لغة السلاح ورفض الجلوس المشترك.

هذا المشهد في أديس أبابا بعث برسالة بالغة السوء للمجتمع الدولي والإقليمي مفادها أن السودانيين أنفسهم غير مستعدين لإنقاذ بلادهم.

وبطبيعة الحال، فإن هذا الفشل المستمر للنخب في التوافق يمنح القوى الدولية المترددة الذريعة المثالية للانسحاب والتشكيك في جدوى أي مجهود دبلوماسي. عندما تفشل النخبة في الاتفاق على ممرات آمنة لإطعام شعبها، أو على أجندة تفاوض غير إقصائية، فإنها تسهم بصورة مباشرة في تسريع وتيرة "النسيان الدولي"، وتجعل من التدخل الخارجي لإنقاذ السودان استثماراً خاسراً في نظر العواصم الكبرى.

وطبقاً لتطورات أرقام الكارثة الإنسانية في السودان من نزوح وجوع وفقد للخدمات الصحية، يبدو أن الكارثة السودانية تجاوزت بمراحل قدرة المجتمع الدولي على الاحتواء التقليدي، ذلك أن بقاء هذه الأرقام في تصاعد مستمر دون تدخل دولي حاسم متزامناً مع عناد سياسي محلي، يعزز الفرضية القائلة إن العالم اتخذ قراراً غير معلن بترك السودان لمصيره، ما دامت النخب المحلية ترفض مد يد العون لأنفسها.

الدرس الصومالي المنسي

حين نبحث في التاريخ القريب عن إجابة واضحة لسؤال هو هل يمكن أن يتخلى العالم عن دولة منهارة؟ لا نجد نموذجاً أكثر وضوحاً وصدمة من النموذج الصومالي. في بداية التسعينيات، وعندما تداخلت الحروب الأهلية مع غياب التوافق بين أمراء الحرب الصوماليين، وفشلت مبادرات الأمم المتحدة والولايات المتحدة اتخذ العالم قراراً بصرف النظر قرابة عقدين من الزمان عن الصومال، تاركاً البلاد مرتعاً للفوضى والمجاعات والقرصنة، والجماعات الراديكالية مثل حركة الشباب.

هذا الدرس التاريخي المرعب يبدو اليوم أقرب إلى الواقع السوداني من أي وقت مضى، وبناءً عليه نستشرف أنه سيكتفي المجتمع الدولي بدور المتفرج الذكي، إذ يجري تسيير بضع قوافل إغاثية شحيحة وفرض حظر أمني بحري لحماية البحر الأحمر ومراقبة الحدود لمنع تسرب الإرهاب أو المهاجرين، مع ترك الداخل السوداني يغرق في حرب استنزاف طويلة بين إقطاعيات عسكرية وجهوية وعشائرية متحاربة دون حسم.

وذلك تحت مظلة واقع يتجه نحو التقسيم الواقعي مع ترسيخ جغرافيا السيطرة العسكرية الحالية وتكلس مواقف النخب السياسية، فالجيش السوداني وحلفاؤه يبسطون سيطرتهم على الولايات الشمالية والشرقية وولاية النيل الأزرق وأجزاء من ولاية سنار، بينما تسيطر قوات "الدعم السريع" على معظم إقليم دارفور، وأجزاء واسعة من كردفان.

وهكذا، فإن العالم لا يتخلى عن السودان جهلاً بما يحدث فيه، بل هو تخل مدفوع بيأس من نخب عاجزة، وحسابات كلفة سياسية وعسكرية معقدة. التاريخ يعلمنا أن إدارة الظهر، كما حدثت في الصومال، وإن كانت مريحة على المدى القصير، إلا أنها تحول الدول المنهارة إلى قنابل موقوتة.

إن الجرح السوداني النازف لن يظل محصوراً داخل حدوده، والانهيار الكلي لن يكون مجرد سقوط لدولة، بل سيكون زلزالاً جيوسياسياً ستصل ارتداداته إلى عمق العواصم التي تظن اليوم أنها تملك ترف التخلي والنسيان.

(اندبندنت عربية)
 

الفيس بوك
تويتر

جميع الحقوق محفوظة YemenFreedom ---- تصميم وبرمجة ALRAJIHI