كرر وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت توقعاته بانهيار اقتصاد إيران قريباً نتيجة الحرب الاقتصادية الأخيرة التي تشنها أمريكا على إيران، بالتوازي مع الحصار الاقتصادي والعقوبات المشددة السابقة، فضلاً عن الهجمات العسكرية.
كذلك، صرّح وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بأن الحرب الاقتصادية على طهران ستحقق نتائجها، ولن يجدي دعم الصين أو غيرها لإيران.
في الوقت نفسه، تظهر تصريحات المسؤولين السياسيين في إيران، خصوصاً الرئيس مسعود بزشكيان، أن الحرب الاقتصادية الأخيرة التي قررت فيها واشنطن معاقبة أية دولة تتعامل مع إيران اقتصادياً ومالياً، تضغط بشدة على الوضع الاقتصادي المتدهور أصلاً.
وتستهدف الحرب الاقتصادية التي أعلنها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب قبل أيام عبر وزير خزانته، فرض عقوبات ثانوية على أية دولة أو جهة أو كيان في العالم يتعامل مالياً أو تجارياً أو اقتصادياً عامة مع طهران،
تتضمن منع الدول والكيانات المالية والاقتصادية من الوصول إلى السوق الأمريكية والنظام المصرفي للتسويات المالية.
ومع أن إيران تمكنت من الصمود أمام حزم مختلفة من العقوبات على مدى أكثر من أربعة عقود، إلا أن تضرر اقتصادها حتى قبل اندلاع الحرب بقليل يجعله غير قادر على مواجهة الخناق الذي بدأت تفرضه أميركا عليها.
مخاوف اقتصادية
وبدأت تصريحات السياسيين الإيرانيين تعكس حال الاختناق الاقتصادي في البلاد، والشعور بخطر استمرار تدهور الأوضاع المعيشية لملايين الإيرانيين،
وكانت صعوبة كلفة المعيشة دفعتهم إلى الاحتجاج في الشوارع نهاية العام الماضي 2025 ومطلع هذا العام.
وتحاول القيادات السياسية طمأنة الشعب، على رغم إدراكها أن "الحرب الآن اقتصادية"، كما يكرر بزشكيان.
وفي رد على وعد الأميركيين باستمرار تشديد العقوبات الاقتصادية على أي متعامل مع إيران، وتصريحاتهم في شأن قرب انهيار الاقتصاد الإيراني، قال محافظ البنك المركزي الإيراني عبدالناصر همتي إن بلاده لديها الوسائل للتعامل مع "العدوان الاقتصادي"، مؤكداً أنها تمتلك موارد كافية من العملة الأجنبية.
لكن محاولة البنك ومحافظه التدخل في السوق لوقف انهيار العملة لم ترفع قيمتها، إذ أصبح سعر الصرف أكثر من مليوني ريال للدولار الأميركي. وذكرت بعض التقارير أن البنك المركزي ربما ضخ ملياري دولار في السوق للحد من تدهور سعر صرف الريال الذي بدوره يضعف القدرة الشرائية للمواطنين ويزيد من معدلات الفقر.
ونقلت وكالة أنباء "تسنيم" الإيرانية عن همتي قوله خلال مؤتمر حول الصيرفة الإسلامية أول من أمس الثلاثاء إن "لدينا عملة صعبة، ولدينا كثيراً منها"، مشيراً إلى أن "إيران أمّنت منذ بداية العام نحو 18 مليار دولار من العملات الأجنبية".
وذكر محافظ البنك المركزي الإيراني مصادر عدة، من بينها النفط الموجود في طور البيع والمحمل على ناقلات، إضافة إلى احتياطات غير مجمدة وأخرى غير قابلة للتجميد.
لكن الواضح أن تلك التصريحات لا تلقى صدى لدى الإيرانيين العاديين الذين يعانون يومياً أثر الخناق الاقتصادي الأمريكي على بلادهم، فالحكومة أصبحت تجد صعوبة في الاستيراد نتيجة مخاوف أي متعامل معها من عقوبات أميركية ثانوية عليه، كما أن عائدات البلاد في تدهور مستمر نتيجة الحصار الأميركي على المنافذ البحرية الإيرانية.
تدهور الدخل من تصدير النفط
كذلك، فإن الحديث عن توافر الدخل للخزانة الإيرانية يبدو مجافياً للواقع، إذ ذكر تقرير لوكالة "رويترز" هذا الأسبوع أن "تصدير النفط الخام الإيراني متوقف منذ سبعة أسابيع ليسجل فترة غير مسبوقة".
وخلص التقرير إلى أن "الحصار الأميركي ينجح في إنجاز ما فشلت فيه العقوبات، إذ إن الصين محرومة من استيراد أية شحنات جديدة من الخام الإيراني".
وتشير تقديرات شركتي "كبلر" و"فورتكسا" إلى أن إيران حملت ما بين 220 ألفاً و255 ألف برميل يومياً من النفط الخام والمكثفات في أغسطس/ آب الماضي، بانخفاض عن نحو 740 ألف برميل يومياً في يوليو/ تموز 2026، ونحو مليوني برميل يومياً في مارس/ آذار الماضي.
وبحسب ما ذكره أحد مؤسسي موقع "تانكر تراكرز دوت كوم" سمير مداني، فإن إيران لديها حالياً 29 ناقلة داخل المضيق تحمل 36.11 مليون برميل من النفط الخام.
وصحيح أن عشرات الناقلات التابعة لـ"أسطول الظل" المرتبط بإيران لا تزال نشطة خارج منطقة الحصار، حيث تعمل 51 سفينة في خليج عمان، وتسلم 81 سفينة أخرى شحنات في آسيا أو تنتظر قبالة سواحل ماليزيا، إلا أن السفن التي تفرغ شحناتها لا تستطيع العودة للبلاد بسبب الحصار.
وبحسب ما ذكرت كلير يونغمان من شركة "فورتيكسا"، فإن هناك 27 ناقلة خاضعة للعقوبات مرتبطة بتجارة النفط الإيراني تنتظر حالياً قبالة سواحل سريلانكا ولا تستطيع العودة لإيران.
حتى تخزين النفط العائم لا يجد وسيلة للتصريف بالبيع إلى الصين أو غيرها، وكشفت بيانات شركة "فورتكسا" عن أن كميات الخام الإيراني في منشآت التخزين العائمة غرب خط الحصار ارتفعت إلى 41.7 مليون برميل بنهاية أغسطس الماضي من 35.5 مليون برميل في نهاية يوليو 2026، بينما انخفض إجمال الخام الإيراني العائم إلى 107 ملايين برميل من 135 مليون برميل.
أوضاع معيشية لا تطاق
وبما أن النفط هو مصدر الدخل الخارجي الأساس لإيران، فإن توقف التصدير يعني نضوب الخزانة العامة وعدم قدرة الحكومة على توفير السلع التي يحتاج إليها المواطنون عبر الاستيراد، ويؤدي أيضاً إلى تعطل الإنتاج والأعمال، فضلاً عن أن تضييق الخناق بحظر الوصول إلى نظم التعامل العالمية يعني مزيداً من التدهور الذي ينعكس على معيشة الإيرانيين.
وبحسب تقديرات البنك الدولي، فإن الاقتصاد الإيراني يعاني انكماشاً (نمواً سلبياً) بنسبة 2.7%، مرشحة للصعود مع زيادة الضغوط الاقتصادية.
وطبقاً للأرقام الرسمية الإيرانية، بلغ معدل التضخم السنوي 84.4%، بينما تراوح الارتفاع في أسعار المواد الغذائية الضرورية ما بين 150 و300%.
ويورد موقع "عصر إيران" أن تشديد العقوبات والقيود على التعاملات والضغوط على موارد النقد الأجنبي أدخلت الاقتصاد الإيراني في مرحلة أكثر صعوبة، إذ ينتقل ارتفاع كلف التجارة والإنتاج تدريجاً إلى الأسعار والتوظيف ودخل المواطنين، ويضيف "ينبغي أن يكون هناك سؤال مطروح يومياً على طاولة صانع السياسة الاقتصادية، كم صدمة أخرى تستطيع الأسرة الإيرانية تحملها؟".
وتعكس تلك التساؤلات مخاوف حقيقية من انفجار الأوضاع الداخلية نتيجة غلاء المعيشة، فخلال تقرير مفصل هذا الأسبوع، رسم المحرر الدبلوماسي لصحيفة "ذا غارديان" البريطانية، استناداً إلى معلومات وأرقام من داخل إيران، صورة قاتمة عن أوضاع معيشة الإيرانيين.
فالشهر الماضي، كانت الزيادة في سعر الزيت النباتي عند نسبة 383% مقارنة بسعره قبل عام، بينما بلغ معدل ارتفاع سعر البيض 295%.
وقفزت أسعار الدجاج بنسبة 177%، واللحوم بنسبة 148%، ويرجع ذلك إلى تخلي كثير من الأسر الإيرانية عن اللحوم في وجباتها لعدم القدرة على شرائها، مما أدى إلى انخفاض الطلب.
وبحسب وكالة "مهر" الإيرانية، تراجع الطلب على اللحوم بنسبة 50% في أبريل/ نيسان الماضي، ويتجاوز تردي الأحوال المعيشية عدم قدرة الأسر على شراء الغذاء والكساء، إذ تتفاقم الأزمات بالنسبة إلى توافر الوقود، مع عدم القدرة على استيراد مشتقات وتدهور الإنتاج المحلي.
فهناك كثير من محطات البنزين أغلقت، بالتالي أصبحت مشاهدة طوابير طويلة من السيارات عند منافذ توزيع الوقود أمراً مألوفاً.
(أحمد مصطفى)