12 أغسطس 2026
12 أغسطس 2026


إحدى مشكلات الشرعية منذ وقت طويل هو عجزها عن إنتاج خطاب سياسي وإعلامي حيوي ومقنع للداخل والخارج، على السواء.

يعتري التقليد ونقل مفاهيم وتعبيرات ووضعها في غير محلها أحاديث السياسيين و النشر الإعلامي الرسمي.

قبل أيام نشرت صحيفة 26 سبتمبر افتتاحية مكتوبة بلغة هاوية توعدت الحوثيين بالاجتثاث: "ستكون حرب اجتثاث كاملة تقتلعكم من جذوركم حتى لا يبقى لكم في أرض اليمن الطاهرة أثر يُذكر".

واستعارت مفهوم "الصبر الاستراتيجي" اللصيق بسياسة النظام الإيراني حيال الولايات المتحدة وإسرائيل منذ عقود.

كان الأسلم هنا أن تنذرهم الافتتاحية بتطبيق العدالة لا "الاجتثاث" الذي ينطوي على أفعال مجرّمة خارج القانون وبإمكان الحوثية استثمار هذا المصطلح في الداخل والخارج.

وعقب الهجوم الحوثي على مقار لمجندين في مارب، صرح وزير الدفاع بالاحتفاظ بحق الرد في المكان والتوقيت المناسبين.

فوق ما إن هذا نسخ مما سمعناه مراراً في الأشهر الأخيرة على ألسنة أركان النظام الإيراني فهو أيضاً يعامل الحوثيين كعدو خارج الحدود ومساوٍ للدولة اليمنية، من حيث لا يعي مغزى الكلمات.

وما الحوثية إلا منظمة إرهابية متمردة ومحلية، وكان الموقف يستدعي من الوزير التذكير بذلك والتوعد بإخمادها وتجريدها من أدوات تمردها وانقلابها وجرائمها، وإخضاعها للقانون العام، وإنزال العدالة بمجرميها.

سأحاول إعادة المشكلة إلى ثلاثة أسباب رئيسة:

أولاً، الخطاب والإعلام الرسميان عصيان على التطور والتحديث في مضمونهما وتقنية تحريرهما، فهما موغلان في الإسهاب المضجر إلى حد الثرثرة ويخاصمان اللغة المباشرة الحيوية.

بعد مطالعة مئات الأخبار الرسمية آخر ستة أشهر خلصت إلى أن العبرة لدى المحرر الرسمي في حجم ما ينشره لا في جودته، وهو متعلق بالزوائد ولا يستطيع أن ينفك عن الإكليشات الرديئة العفنة التي وضعها الإعلام الحكومي العربي قبل عقود لتوائم صورة الديكتاتور لا الحقيقة، ولا أي قيم أخرى.

ثانياً، خلقت حمى الإعلام الجديد، خصوصاً مواقع التواصل شهوة حصد التفاعلات بين المسؤولين الحكوميين، فانغمسوا في نشر يومي خال من القيمة والجدوى، حتى أن هذا أحد معايير الأداء الجيد عند العامة والنخب، وربما في التقييمات الرسمية.

ثالثاً، شيوع صنف الصحفيين الذين لا مشكلة لديهم في تبعية السلطوي، والتسليم له بوضع مضمون الحدث وتقنية تحريره وصياغته.

لن يثمر التجديد في أي حقل إلا بالقدرة على نقد القديم ثم بإرادة مستعدة للصراع معه وحمل تبعات فرض الجديد.

سيقال اعتراضاً: ما العلاقة بين الخطاب السياسي الرسمي ومشكلات الصحافة الرسمية؟
والجواب أن كليهما يغذي الآخر ويطبّع مع لغته وأساليبه في الحديث والكتابة والابتداء والرد، ومع تراكم الوقت على هذا المنوال تترعرع ذائقة ثم عادة.

فماذا في وسع مسؤول قضى عقوداً في سماع ومطالعة صيغ صماء يعصى واضعوها على البحث عن مرادفات لها وكسر نمطيتها أو تغييرها جذرياً سوى أن يتحدث ويكتب على منوالها من قبيل: مستجدات الأوضاع السياسية والاقتصادية والخدمية، تعزيز العلاقات الثنائية وتطويرها، استهل اللقاء بتوجيه التحية، حضر اللقاء… ".

وزاد هذا النوع من الإعلام أن ابتكر للمسؤول ابتداء من الرئيس حتى مدير أصغر مصلحة عامة قناعاً دعاه "مصدر مسؤول" في التفاف متعرج يتعالي على الحدث، وكأن نسب التصريح إلى المسؤول المعني سينال من هالته.

و"المصدر المسؤول" التي ما زالت تسود الإعلام النظامي العربي منذ ما بعد مرحلة الاستقلال إنما أريد بها التهرب من الشفافية، ورفع المسؤول إلى مقام أعلى من الشأن العام الذي يدلي فيه، فلذلك جرى ترميزه بهذه التسمية.

والدليل أن "المصدر المسؤول" يحضر لدى التصريح بشأن قضايا ومشكلات ذات تبعات، أما في الأوقات العادية فيخلع قناعه ويطلب إيراد اسمه وصفته في صلب الخبر وبث صوره في صدر التقرير المتلفز.

لكي يرتقي الخطاب السياسي والأداء الإعلامي معاً، يلزمهما:

اولا، مسؤول ناضج وممتلئ لا يشترط على محرر مسكين يرى نفسه مندوباً في هذه المؤسسة أو تلك أكثر مما أنه صحفي، دس اسمه في كل فقرات الخبر، والنشر الملح عن نشاطاته التافهة والروتينية، مما يضطر المحرر لإغراق الأخبار بصيغ بالغة الرثاثة ومكررة يومياً.

ثانيا، صحفي معتد بمهنته، وإن لم فبذاته على الأقل، لا يخشى إخطار رجل السلطة أن الإخبار عن حدث ما وبأي طريقة، وتقرير ما هو أهل للنشر اختصاصي، أما أنت فعليك الاهتمام بمسؤولياتك.

الفيس بوك
تويتر

جميع الحقوق محفوظة YemenFreedom ---- تصميم وبرمجة ALRAJIHI