7 سبتمبر 2026
7 سبتمبر 2026
يمن فريدم-اندبندنت عربية


على رغم أن إفريقيا تقع خارج المسرح المباشر للحرب الإيرانية، فإن تداعياتها لا تتوقف عند حدود الإقليم الذي تدور فيه المواجهة.

فالحرب، بما تفرضه من اضطراب في أسواق الطاقة وحركة التجارة والممرات البحرية، وإعادة ترتيب الأولويات الأمنية والدبلوماسية، تمتد آثارها إلى دول بعيدة جغرافياً من ساحتها، بينها دول إفريقية ترتبط بدرجات متفاوتة بالاقتصاد العالمي وبطرق الإمداد والطاقة والتجارة الدولية.

ومن ثم، فإن القارة تجد نفسها أمام حرب لا تدور على أراضيها، لكنها قد تتقاطع مع مصالحها وحساباتها الأمنية والاقتصادية.

وتكتسب هذه التداعيات وزناً إضافياً بحكم موقع إفريقيا في محيط الممرات البحرية، التي تصل المحيط الهندي بالبحر الأحمر والخليج العربي، وهي ممرات تتأثر مباشرة بأي تصعيد واسع في المنطقة.

كما أن امتداد الحرب إلى هذه المساحات البحرية أو انعكاساتها على حركة الملاحة والطاقة يمكن أن يجعل دولاً إفريقية بعيدة من مركز المواجهة جزءاً من بيئة استراتيجية تتغير بفعل الحرب.

وفي المقابل، تتابع طهران علاقاتها مع الدول الإفريقية في وقت تواجه فيه ضغوطاً عسكرية وسياسية واقتصادية متزايدة. وقد ظهر ذلك أخيراً في تحرك دبلوماسي إيراني خلال الحرب، عندما أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن بلاده تمتلك "تصميماً استراتيجياً" لتعزيز العلاقات مع الدول الإفريقية، ويأتي هذا التوجه في سياق أوسع حافظت فيه إيران على اتصالاتها مع عدد من الدول الإفريقية، في وقت أصبحت فيه الحرب عاملاً جديداً في البيئة التي تتحرك داخلها تلك العلاقات.

لا تبدو أفريقيا مجرد جغرافيا بعيدة من الحرب الإيرانية، بل فضاء تتقاطع فيه آثار الصراع مع اعتبارات الطاقة والتجارة والأمن والممرات البحرية والدبلوماسية الدولية.

ومع استمرار المواجهة، تظل كيفية تفاعل الدول الإفريقية مع تداعياتها مرتبطة باتساع نطاق الحرب ومدتها، وبالضغوط التي قد تنتقل تدريجاً من ساحتها المباشرة إلى النظام الاقتصادي والأمني الأوسع.

توسيع الشراكات

منذ ستينيات القرن الماضي، أدركت دولة الشاه محمد رضا بهلوي أن القارة الخارجة من الاستعمار تتحول إلى مجال جديد للصراع على النفوذ.

كان الإمبراطور الإثيوبي هيلا سيلاسي حليفاً مهماً لطهران، فيما مثل مؤتمر أديس أبابا عام 1963، ثم زيارة الشاه إلى إثيوبيا عام 1968، نقطتين في تشكل سياسة إيرانية أكثر انتظاماً تجاه القارة.

ومع طفرة أسعار النفط في السبعينيات، توسعت طهران في مشاريع صناعية ومساعدات واستثمارات، وارتبطت على نحو وثيق في جنوب إفريقيا، وبحلول 1978 كانت إيران توفر أكثر من 90% من واردات جنوب إفريقيا من النفط الخام.

وفي الوقت نفسه، حاول الشاه لعب دور في أزمة روديسيا، مدفوعاً بحسابات الأمن والممرات البحرية وموازين الحرب الباردة.

جاءت ثورة 1979 لتقلب المعادلة، فقطعت إيران علاقاتها مع نظام الفصل العنصري، وفرضت مقاطعة نفطية وتجارية على جنوب إفريقيا، وبدأت في دعم حركات التحرر، قبل أن تعود العلاقات الدبلوماسية في الـ10 من مايو/ أيار 1994 مع انتهاء "الأبارتهايد".

وفي سبتمبر/ أيلول 1996، زار الرئيس علي أكبر هاشمي رفسنجاني جنوب إفريقيا ضمن جولة إفريقية، والتقى نيلسون مانديلا، مما عد تعريفاً للعلاقة على قاعدة التعاون بين دولتين من "الجنوب".

في عهد محمود أحمدي نجاد، اتسع الانخراط الإيراني بصورة لافتة، مدفوعاً بعقيدة "الجنوب العالمي" والحاجة إلى كسر العزلة، فقد زار إفريقيا مراراً، ومنها جولة 2009 في كينيا وجيبوتي وجزر القمر، ونسج علاقات مع السودان والسنغال وغيرها.

ثم جاءت أزمة 2016 باقتحام السفارة السعودية في طهران والقنصلية في مشهد، فقطعت السودان وجيبوتي والصومال وجزر القمر علاقاتها مع طهران.

أما عهد حسن روحاني فشهد تراجعاً واضحاً في أولوية إفريقيا، ثم أعاد إبراهيم رئيسي القارة لصلب السياسة الخارجية، وفي يوليو/ تموز 2023 زار كينيا وأوغندا وزيمبابوي، في أول جولة رئاسية إيرانية إلى إفريقيا منذ أكثر من عقد، قبل أن يتجه الانخراط الإيراني إلى دول الساحل والجنوب العالمي في سياق ما بعد السابع من أكتوبر/ تشرين الأول.

وفي 2025، بلغ المسار الاقتصادي ذروة رمزية بعقد مؤتمر التعاون الاقتصادي الإيراني - الإفريقي الثالث في طهران، بمشاركة ممثلين من أكثر من 50 دولة إفريقية.

ومع اندلاع الحرب الحالية في الـ28 من فبراير/ شباط الماضي، اكتسبت أفريقيا قيمة إضافية باعتبارها مجالاً لتوسيع الشراكات والحفاظ على منافذ سياسية واقتصادية خارج نطاق الصراع المباشر.

مواقف متباينة

لا توجد في أفريقيا جبهة سياسية موحدة تجاه الحرب الإيرانية، فمنذ اندلاع المواجهة، اتجهت غالبية الحكومات إلى الدعوة لوقف التصعيد، والقلق من انتقال كلفة الحرب إلى أسواق الطاقة والغذاء والتجارة.

انتقدت بريتوريا الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران، وتمسك الرئيس سيريل رامافوزا بتسوية النزاعات عبر القانون الدولي والتفاوض.

وعندما أعلن اتفاق وقف الأعمال العسكرية بين واشنطن وطهران في يونيو/ حزيران الماضي، رحبت به الحكومة.

وسارت السنغال في اتجاه قريب، إذ انتقد رئيس الوزراء السابق عثمان سونكو الضربات على إيران، ودعا إلى معالجة الأزمة عبر الأطر متعددة الأطراف.

واختارت نيجيريا لغة أكثر تحفظاً، فدعت إلى خفض التصعيد وضبط النفس، وشددت على احترام ميثاق الأمم المتحدة وسلامة أراضي الدول.

أما السودان فقد أكد تضامنه مع دول الخليج، خصوصاً السعودية، ورفض المساس بسيادتها، وأن أمن الخليج واستقرار المنطقة يمثلان أهمية كبيرة للخرطوم.

وفي تشاد، دان الرئيس محمد إدريس ديبي إتنو الهجمات الإيرانية على دول الخليج، وأكد تضامنه معها.

وفي غانا وغامبيا، اتسم الخطاب الرسمي بالتحفظ والتأكيد على القانون الدولي. وفي مصر، نشط التحرك الدبلوماسي بأن شاركت القاهرة في جهود الوساطة.

أما الاتحاد الإفريقي، فدعا إلى ضبط النفس والحوار، وحذّر من انعكاسات الحرب على الطاقة والأمن الغذائي والاقتصادات الإفريقية، لكنه دان الهجمات الإيرانية على دول الخليج، معتبراً إياها انتهاكاً لسيادة تلك الدول.

امتداد الصراع

تسعى طهران، تحت الضغط العسكري والاقتصادي، إلى توسيع شبكة علاقاتها مع الدول الإفريقية، وتؤكد اتصالاتها مع الاتحاد الإفريقي هذا التوجه، ففي الـ23 من يونيو، نقل السفير الإيراني لدى إثيوبيا والممثل الدائم لدى الاتحاد الإفريقي علي أكبر رضائي رسالة من وزير الخارجية عباس عراقجي إلى رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي محمود علي يوسف، أكد التزام طهران بتعزيز التعاون مع الاتحاد ودوله الأعضاء في مجالات متعددة.

ويمكن النظر إلى أن القيمة الاستراتيجية لأفريقيا أصبحت تتجاوز الدبلوماسية في ظل الحرب التي أعادت رسم أهمية البحر الأحمر وخليج عدن وباب المندب، إذ تتقاطع الجغرافيا الإفريقية مع قلب الصراع.

ومع تصاعد العمليات الحوثية المدعومة من إيران، أصبح أمن الملاحة يمس السودان ومصر وجيبوتي والصومال وإثيوبيا، بينما يواجه الاقتصاد ارتفاع تكاليف الشحن والطاقة واضطراب السلع والأسمدة.

وأعلنت السعودية في يوليو تشكيل تحالف بحري متعدد الجنسيات لحماية الملاحة، بما يدفع دول القرن الإفريقي للتعامل مع أمن الممرات كأمن قومي.

وفي الساحل، قد تضاعف صدمة الطاقة والغذاء هشاشة مالي والنيجر وبوركينا فاسو، إذ يضيف ارتفاع الأسعار ضغطاً إضافياً إلى ضعف الموارد واتساع نشاط الجماعات المسلحة. وهكذا تحاول إيران توسيع حركتها في إفريقيا، بينما تحاول الدول الإفريقية إبقاء الحرب خارج حدودها. والخطر الأرجح ليس جبهة إيرانية جديدة، بل تحول البحر الأحمر والمحيط الهندي إلى امتداد اقتصادي وأمني للصراع، خصوصاً مع استمرار تهديد الملاحة في باب المندب خلال أغسطس/ آب.

اتجاه العلاقة

يتمثل الموقف الإفريقي في أن دول القارة لا تريد استيراد الصراع أو تحويل علاقات بعضها مع طهران إلى كلفة أمنية واقتصادية، وخلص "مجلس العلاقات الخارجية" إلى أن غالب الدول الإفريقية، امتنعت عن الاصطفاف مع إيران، وبعضها عمل على خفض الانكشاف السياسي، خصوصاً من تراها ضمن شبكة شركاء أوسع ولا تريد ربطها بالمواجهة الأمريكية.

وستدفع الحرب إلى تنويع الشركاء والطاقة والممرات، مما يشجع على إبقاء القنوات مفتوحة. وهنا تزداد قيمة الأدوات الدبلوماسية والاقتصادية منخفضة الكلفة لإيران، خصوصاً في جنوب إفريقيا وزيمبابوي وأوغندا.

فعلى رغم إدانة جنوب إفريقيا الضربات الأمريكية والإسرائيلية، إلا أنها رحبت بوقف العمليات، كما أثارت مشاركة البحرية الإيرانية في تدريبات "ويل أوف بيس" قبالة جنوب إفريقيا تدخلاً من الرئيس سيريل رامافوزا لمنع مشاركتها، مؤكداً حدود التعاون الأمني.

وفي شرق إفريقيا والقرن الإفريقي، ستزداد الحساسية مع استمرار اضطراب البحر الأحمر وباب المندب، خصوصاً لدى الدول المعنية بكلفة الشحن والطاقة والأسمدة والتحويلات، وسط ارتفاع الطاقة واضطراب الأسمدة ونقص الوقود.

وعلى المدى البعيد، قد تدفع الأزمة أفريقيا إلى براغماتية أكبر تجاه القوى الكبرى، والاحتفاظ بأكبر الخيارات، وسيبقى النفوذ الإيراني مرهوناً بتقديم تجارة واستثمار وتقنية وطاقة أو تعاون سياسي، لا الخطاب المناهض للغرب.

ويبقى احتمال انتقال إيران من "دبلوماسية الصمود" إلى نشاط أمني سري جديراً بالمتابعة، في ضوء إشارات سابقة إلى خلايا في السودان وتشاد وغانا والنيجر وغامبيا وإفريقيا الوسطى، وتقارير عن "سرايا الزهراء" وتحقيقات أممية في شأن تدريب أعضاء من هذه الدول في لبنان والعراق، وتقارير عن "الدفاع المتقدم" وشبكات النفوذ جنوب الصحراء.

والسيناريو الأرجح ليس "جبهة إيرانية"، بل اختبار للمرونة الإيرانية والبراغماتية الإفريقية، طهران تريد علاقات بأقل كلفة، والدول الإفريقية تريد خيارات بأقل الأخطار.

وما سيحسم اتجاه العلاقة في الفترة المقبلة لن يكون الخطاب السياسي وحده، بل قدرة الحرب على الاستمرار، وكلفة العزلة الإيرانية، ومدى استعداد الأفارقة لتحويل علاقاتهم مع طهران من قنوات دبلوماسية إلى شراكات ذات مضمون فعلي.

(منى عبدالفتاح)

الفيس بوك
تويتر

جميع الحقوق محفوظة YemenFreedom ---- تصميم وبرمجة ALRAJIHI