اشتدَّت الحملة الأمريكية التي أمر بها الرئيس دونالد ترمب ضد الحوثيين في أسبوعها الثالث؛ وتركزت أحدث الضربات الليلية حتى فجر الثلاثاء، على معقل الجماعة الرئيسي في صعدة شمالاً، وعلى ضواحي صنعاء الجنوبية والغربية، وصولاً إلى جزيرة كمران قبالة مدينة الحديدة الساحلية على البحر الأحمر غرباً.
ومع تكتُّم الجماعة المدعومة من إيران على خسائرها العسكرية، لا يظهر في الأفق موعد لانتهاء الضربات، في ظل وعيد ترمب بالقضاء على الجماعة "تماماً"، وتحذيره لها بأن "الآتي أعظم".
وإذ تبنَّت الجماعة مساء الاثنين إسقاط مُسيَّرة أميركية من طراز "إم كيو 9" في أجواء محافظة مأرب، كان وزير دفاعها محمد العاطفي قد تحدث عن استعداد الجماعة لمواجهة طويلة الأمد، نافياً أن تكون الضربات الأمريكية قد أثَّرت على قدرات الجماعة الهجومية.
وأفاد الإعلام الحوثي بأن 15 غارة ضربت محيط مدينة صعدة وامتدت إلى ريفها؛ حيث استهدفت مواقع في منطقة طخية بمديرية مجز، ومديرية سحار؛ حيث يرجح أنها طالت مخابئ الجماعة المحصنة في الكهوف والجبال، استكمالاً لضربات الأيام الماضية.
وفي محيط مدينة صنعاء، اعترف إعلام الجماعة بتلقي 5 غارات ضربت منطقة جربان في مديرية سنحان؛ حيث الضاحية الجنوبية لصنعاء، وهي منطق يعتقد بوجود مخابئ عسكرية فيها، كما اعترف بتلقي غارتين على منطقة جبل النبي شعيب في مديرية بني مطر؛ حيث الريف الغربي لصنعاء.
وكعادة الجماعة، لم تورد تفاصيل عن أثر هذه الضربات عسكرياً، كما لم تصدر القيادة المركزية الأميركية التي تقود الحملة ضد الحوثيين أي توضيحات بخصوص الأهداف المقصوفة، وسط تكهنات بأنها تركز على مخازن الأسلحة المحصنة.
ولأول منذ بدء الحملة الأمريكية الجديدة في 15 مارس/ آذار الماضي، استهدفت غارتان -حسب الإعلام الحوثي- جزيرة كمران الخاضعة للجماعة قبالة الحديدة في جنوب البحر الأحمر؛ حيث تتخذ من الجزيرة قاعدة متقدمة في البحر لشن الهجمات ضد السفن.
ويزعم الحوثيون أنهم استأنفوا هجماتهم باتجاه إسرائيل، وتهديدهم للملاحة، نصرة منهم للفلسطينيين في غزة، بعد انهيار اتفاق الهدنة بين حركة "حماس" وإسرائيل، وعودة الأخيرة لعملياتها العسكرية في القطاع الفلسطيني المدمر.
تكثيف الضربات
تشير التقديرات إلى أن الجماعة تلقت حتى الآن نحو 300 غارة منذ بدء الحملة الأمريكية الجديدة، لتضاف إلى نحو ألف غارة وضربة بحرية تلقتها في عهد إدارة جو بايدن، على مدار عام، ابتداء من 12 يناير/ كانون الثاني 2024، وحتى إبرام هدنة غزة بين حركة "حماس" وإسرائيل في 19 يناير الماضي.
وكانت إدارة بايدن قد توقفت عن ضرباتها ضد الحوثيين بعد سريان اتفاق الهدنة في غزة، كما توقفت الجماعة عن مهاجمة السفن وإطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل، قبل أن تعود مجدداً للتهديد بشن الهجمات تجاه السفن الإسرائيلية، مع تعذر تنفيذ المرحلة الثانية من الهدنة في غزة.
وتختلف الضربات التي أمر بها ترمب عما كانت عليه الحال مع إدارة بايدن -وفق ما يقوله مراقبون يمنيون- لجهة أن الضربات الجديدة لا تكتفي بالعمليات الدفاعية والاستباقية، وإنما تتخذ منحى هجومياً أكثر كثافة وشمولية لمواقع الحوثيين ومراكز قيادتهم، ومخابئهم الحصينة في الجبال، مع التركيز على معقلهم الرئيسي في صعدة الذي يُرجَّح اختباء زعيمهم فيه.
ويرى مجلس القيادة الرئاسي اليمني أن الحل لا يكمن في الضربات الأمريكية لإنهاء التهديد الحوثي، وإنما في دعم القوات الحكومية على الأرض، وتمكينها من تحرير الحديدة وموانيها، وصولاً إلى صنعاء وصعدة، لاستعادة المؤسسات وإنهاء الانقلاب على الشرعية.
ويرهن المسؤولون في واشنطن وقف الحملة بتوقف الحوثيين عن تهديد الملاحة في البحر الأحمر، وهو أمر كما يبدو بعيد المنال، مع بقاء قدرة الجماعة العسكرية على حالها، وتحولها من لاعب محلي إلى لاعب إقليمي يعوض خسارة إيران لفاعلية "حزب الله" اللبناني.
وتقول السلطات الصحية الخاضعة للحوثيين في صنعاء، إن الغارات الأمريكية الحديثة تسببت منذ منتصف مارس في سقوط 57 قتيلاً و132 جريحاً، بينهم نساء وأطفال.
إسقاط مُسيَّرة أمريكية
في الوقت الذي لم تتبنَّ فيه الجماعة الحوثية أي هجوم صاروخي جديد تجاه إسرائيل خلال 24 ساعة، قال المتحدث العسكري باسمها، يحيى سريع، إن قوات الجماعة أسقطت مُسيَّرة أمريكية من طراز "إم كيو 9" في أثناء قيامها مساء الاثنين بمهام عدائية في أجواء محافظة مأرب، شرق صنعاء.
وادعى المتحدث الحوثي أن هذه الطائرة الأمريكية المُسيَّرة هي السادسة عشرة التي يتم إسقاطها من قبل الجماعة، منذ دخولها على خط التصعيد الإقليمي ضد إسرائيل والولايات المتحدة، بعد 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023.
وكان الحوثيون قد استأنفوا هجماتهم الصاروخية تجاه إسرائيل منذ 17 مارس الحالي، وتبنُّوا خلال أسبوعين إطلاق 10 صواريخ باليستية اعترضها الجيش الإسرائيلي دون أضرار.
يشار إلى أن الجماعة أطلقت منذ ما بعد السابع من أكتوبر 2023، نحو مائتي صاروخ وطائرة مُسيَّرة تجاه إسرائيل، دون أن يكون لها أي تأثير عسكري، باستثناء مقتل شخص واحد في 19 يونيو/ حزيران الماضي، حينما انفجرت مُسيَّرة في إحدى الشقق بتل أبيب.
وردَّت إسرائيل بخمس موجات من الضربات الانتقامية ضد الحوثيين، كان آخرها في 10 يناير الماضي، واستهدفت الضربات مواني الحديدة ومستودعات الوقود ومحطات كهرباء في الحديدة وصنعاء، إضافة إلى مطار صنعاء.
كما تبنت الجماعة منذ نوفمبر/ تشرين الثاني 2023، حتى بدء هدنة غزة، مهاجمة 211 سفينة، وأدَّت الهجمات خلال 14 شهراً إلى مقتل 4 بحارة وغرق سفينة بريطانية وأخرى يونانية، إضافة إلى قرصنة السفينة "غالاكسي ليدر".