دخل الإقليم في مرحلة الخطر الحقيقي، ذلك أن الأطراف المتقاتلة تضرب بأشد ما لديها، فالرئيس الأميركي دونالد ترمب يصف إيران بـ"الإمبراطورية الشريرة"، ويقول في منشور على منصة "تروث سوشيال"، إن ما يهمه هو منع إيران من امتلاك أسلحة نووية وتدمير الشرق الأوسط وربما العالم، وإن "الولايات المتحدة هي أكبر منتج للنفط في العالم بفارق كبير، لذلك عندما ترتفع أسعار النفط نجني كثيراً من المال"، مضيفاً "لكن ما يهمني أكثر، ولديه أهمية بالنسبة إلي بصفتي رئيساً، هو منع الإمبراطورية الشريرة، إيران، من امتلاك أسلحة نووية وتدمير الشرق الأوسط بل والعالم بأسره"، و"لن أسمح بحدوث ذلك أبداً، شكراً على اهتمامكم بهذا الأمر".
وكان ترمب قد اعتبر أن إيران على وشك الهزيمة في الحرب، لكنه حذر من أن القوات الأميركية قادرة على تصعيد ضرباتها بحيث يصبح من شبه المستحيل إعادة بنائها، وتابع "بإمكاننا ضرب مناطق في طهران وأماكن أخرى، وإذا فعلنا ذلك، فسيكون من شبه المستحيل عليهم إعادة بناء بلادهم، وهذا ما لا نريده"، وقال أيضاً "دمرنا كل قوة إيران العسكرية ولدينا سيطرة كاملة على مجالها الجوي"، ليرد عليه أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني، أن "إشعال الحروب سهل وإنهاءها لا يكون بتغريدات، لن نترككم حتى تدفعوا الثمن".
بدوره أعلن قائد بحرية "الحرس الثوري" الإيراني علي رضا تنكسيري إبقاء مضيق هرمز مغلقاً، تنفيذاً لأمر المرشد الأعلى مجتبى خامنئي، متوعداً بتوجيه "أشد الضربات إلى العدو المعتدي"، في حين أشار رئيس الحكومة الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في أول مؤتمر صحافي له منذ بدء الحرب مع إيران، إلى أننا "في أيام تاريخية والعملية ضد إيران مستمرة، و’حزب الله‘ سيدفع ثمناً باهظاً بسبب عدوانيته ضد إسرائيل"، وكشف نتنياهو عن أننا "حققنا إنجازات كبيرة ستغير الموازين بالشرق الأوسط، نقوم بتغيير الشرق الأوسط ونتحول إلى قوة إقليمية وفي بعض المجالات إلى قوة عالمية".
"العصف المأكول" و"الصاع صاعين"
وعليه، لفت الغارات الإسرائيلية كامل الأراضي اللبنانية، من الجنوب إلى الضاحية الجنوبية للعاصمة إلى البقاع وشرق وقلب العاصمة بيروت، معلنة مرحلة جديدة من الضربات على لسان وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس الذي قال إن الحكومة التي لم تف بالتزامها بنزع سلاح "حزب الله" ستدفع أثماناً متزايدة. وأضاف أن حكومة لبنان ستفقد من أراضيها إلى أن يتم تنفيذ الالتزام الأساس بنزع سلاح "حزب الله"، مؤكداً أن إسرائيل ستزيد استهداف البنى التحتية هناك، وشدد على أن الهجمات الإسرائيلية في لبنان هي "مجرد البداية".
بدوره أعلن "حزب الله" الدخول في الحرب المفتوحة وأطلق عليها اسم "العصف المأكول"، ليأتي الرد على لسان المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي على منصة "إكس"، الذي كتب، "’حزب الله‘ أطلق (العصف المأكول) فسنرد عليهم الصاع صاعين. إذا كان ’حزب الله‘ يقتات على أوهام (العصف)، فليعلم أن واقع الميدان يثبت أن ضربات جيش الدفاع هي الصاع الذي يرتد عليهم صاعين، والميدان سيثبت أن الصاع صاعان والآتي أعظم".
المواجهة المفتوحة
إذاً تشهد المنطقة تصعيداً غير مسبوق في المواجهة المفتوحة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران وشبكة أذرعها الإقليميين من جهة أخرى في تطور نقل الصراع من مستوى حرب الظل والعمليات غير المباشرة إلى مرحلة أكثر وضوحاً وخطورة عنوانها الضربات المباشرة والاغتيالات النوعية وتعدد الجبهات، فالمواجهة التي كانت تدار سابقاً عبر ضربات محدودة أو عمليات سرية تحولت تدريجاً إلى حرب استنزاف إقليمية تتداخل فيها الساحات اللبنانية والعراقية والسورية والإيرانية في آن، مع تصاعد وتيرة العمليات العسكرية والرسائل النارية المتبادلة.
في هذا السياق، شهدت المرحلة الأخيرة تصاعداً لافتاً في الضربات القاتلة والاغتيالات الدقيقة التي استهدفت قيادات ميدانية وشخصيات مرتبطة بمحور إيران، سواء داخل إيران نفسها أو في ساحات النفوذ الإقليمي.
ولم يعد لبنان بمنأى عن هذا التحول، إذ انتقلت الضربات الإسرائيلية من نطاق العمليات المحدودة، إلى استهدافات نوعية داخل العمق اللبناني، بما في ذلك العاصمة بيروت ومناطق لا تعتبر جزءاً من البيئة الأمنية لـ "حزب الله"، وقد ترافق ذلك مع عمليات اغتيال استهدفت قيادات مرتبطة بـ"الحرس الثوري" و"فيلق القدس" أو شبكات الدعم اللوجيستي للحزب، مما يعكس انتقال المواجهة إلى مستوى جديد يعتمد على ضرب مراكز القيادة والتنسيق الإقليمي بدل الاكتفاء باستهداف البنى العسكرية التقليدية.
وكان "الحرس الثوري" قد أعلن تنفيذه عملية مشتركة مع "حزب الله"، تضمنت خمس ساعات من إطلاق نار متواصل، استهدفت أكثر من 50 هدفاً في أنحاء إسرائيل. وأوضح "الحرس"، في بيان، أنه أطلق مزيجاً من الصواريخ الباليستية، بينما أطلق "حزب الله" ما وصفه بـ"طائرات مسيرة هجومية وصواريخ".
بالتوازي، تتواصل الضربات الأمريكية والإسرائيلية على مواقع مرتبطة بإيران في أكثر من ساحة، فيما ترد طهران وحلفاؤها عبر فتح جبهات ضغط متعددة وإطلاق صواريخ أو تنفيذ عمليات عسكرية غير مباشرة. هذا التداخل بين الجبهات جعل من الصعب الفصل بين ما يجري في لبنان أو العراق أو داخل إيران نفسها، إذ باتت كل هذه الساحات جزءاً من مسرح مواجهة واحد يتشكل تدريجاً بين محورين إقليميين ودوليين.
وعليه، تبدو المواجهة اليوم في مرحلة تصاعدية شديدة الحساسية، إذ تتزايد الضربات النوعية وتتسع دائرة الاستهدافات، في وقت لم تنجح أي من الأطراف حتى الآن في فرض معادلة ردع مستقرة. وبينما تسعى إسرائيل والولايات المتحدة إلى إضعاف البنية العسكرية لمحور إيران وضرب شبكات قيادته الإقليمية، تحاول طهران وحلفاؤها الحفاظ على قدرتهم على الرد وفتح أكثر من جبهة ضغط، مما يجعل المنطقة تقف على حافة مرحلة جديدة تعيد رسم موازين القوى في الشرق الأوسط.
المرشد الأعلى "الجديد" مجتبى خامنئي تحدث عن "فتح جبهات جديدة"
وحمل خطابه، في أول بيان له، الذي وجه فيه شكراً صريحاً لما سماه "قوى المقاومة في المنطقة" دلالات تتجاوز مجرد رسالة معنوية إلى الحلفاء، إذ يعكس تحولاً نوعياً في الخطاب الإيراني تجاه شبكة الأذرع الإقليمية، فطهران، وعلى مدى عقود، اعتمدت سياسة الغموض أو "الإنكار المقبول" في ما يتعلق بدرجة سيطرتها على هذه القوى، إذ كانت تقدمها غالباً باعتبارها حركات محلية مستقلة تتقاطع مصالحها مع إيران، لا أدوات تعمل ضمن منظومة قيادة إيرانية مباشرة.
وفي بيانه تقدم خامنئي "بالشكر الصادق لمقاتلي جبهة المقاومة، نحن نعتبر دول جبهة المقاومة أفضل أصدقائنا، وقضية المقاومة وجبهة المقاومة جزءاً لا يتجزأ من قيم الثورة الإسلامية. ولا شك أن تعاون مكونات هذه الجبهة مع بعضها يقصر طريق الخلاص من الفتنة الصهيونية، كذلك رأينا أن اليمن الشجاع المؤمن لم يتوقف عن الدفاع عن شعب غزة المظلوم، وأن ’حزب الله‘ المضحي جاء لمساعدة الجمهورية الإسلامية على رغم كل العوائق، وكذلك سارت مقاومة العراق بشجاعة في هذا الطريق".
من هنا، الإشارة العلنية والشكر المباشر لهذه الأذرع في سياق الحرب الحالية يعنيان عملياً إقراراً سياسياً بأن هذه القوى جزء من معادلة الصراع التي تديرها إيران على مستوى المنطقة.
هذا التحول في اللغة يعكس تغيراً في طبيعة المرحل، فمع انتقال المواجهة إلى مستوى أكثر مباشرة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى لم تعد طهران حريصة بالقدر نفسه على الحفاظ على مسافة خطابية بينها وبين حلفائها العسكريين، بل على العكس يبدو أنها تسعى إلى إظهار تماسك محور إقليمي يقاتل ضمن رؤية استراتيجية واحدة، بهدف إرسال رسالة ردع مفادها بأن أي مواجهة مع إيران لن تبقى محصورة داخل حدودها، بل ستفتح تلقائياً جبهات عدة في المنطقة. لذا فإن شكر هذه الأذرع ليس مجرد تحية سياسية، بل هو إعلان غير مباشر عن وحدة الجبهة العملياتية بين طهران وهذه القوى، كذلك فإن هذا الخطاب يحمل بعداً داخلياً وخارجياً في آن.
يهدف داخلياً، إلى تعزيز صورة إيران كقائدة لمحور إقليمي واسع يمتد عبر دول عدة، مما يمنح النظام الإيراني عنصر "شرعية ثورية" في لحظة صراع كبرى، أما خارجياً فهو بمثابة إشارة اعتراف ضمني بالبنية الهرمية لمحور النفوذ الإيراني، إذ تتصدر طهران موقع القيادة السياسية والاستراتيجية، بينما تقوم التنظيمات الحليفة بدور الأذرع الميدانية.
وهذه الرسالة، وإن كانت موجهة أساساً للخصوم، فإنها تحمل في الوقت نفسه تبعات سياسية على الدول التي تنشط فيها تلك القوى، لأنها تعزز السردية التي تقول إن هذه التنظيمات لا تعمل فقط ضمن حسابات محلية، بل ضمن إطار إقليمي أوسع تقوده إيران.
الأذرع الإيرانية جزء من ميزان القوى في الإقليم
وعليه، فإن أهمية خطاب مجتبى خامنئي لا تكمن في مضمونه الرمزي فحسب، بل في التحول الذي يعكسه في مستوى العلنية والوضوح، فإذا كانت طهران في الماضي تعتمد على شبكة من الوكلاء مع الحفاظ على مساحة إنكار سياسي، فإن الخطاب الحالي يوحي أن هذه المرحلة انتهت، وأن إيران تقدم محور حلفائها كجبهة واحدة في مواجهة خصومها الإقليميين والدوليين، وهذا بحد ذاته يعكس حجم التصعيد في الصراع الدائر اليوم، إذ لم تعد الحدود بين الدولة الراعية والوكلاء واضحة كما كانت في السابق.
منذ انتصار الثورة عام 1979 أدركت القيادة الإيرانية أن بقاء النظام لا يمكن أن يعتمد على الحدود الجغرافية لإيران وحدها، بل يحتاج إلى عمق أمني خارج الحدود. ومن هنا ولدت فكرة بناء شبكة من الحلفاء والتنظيمات المسلحة في المنطقة، ستعرف لاحقاً بـ"محور المقاومة" أو "الممانعة".
لم تكن هذه الشبكة مشروعاً أيديولوجياً فحسب، بل كانت قبل كل شيء استراتيجية دفاع متقدم تهدف إلى نقل خطوط المواجهة بعيداً من الداخل الإيراني، وخلق أدوات ردع غير مباشرة ضد خصوم طهران، وعلى رأسهم الولايات المتحدة وإسرائيل، وهكذا تحولت هذه الأذرع تدريجاً إلى جزء أساس من منظومة الأمن القومي الإيراني، تستخدم للضغط العسكري والسياسي عندما يتعرض النظام نفسه للتهديد، وهذا ما يحدث حالياً.
وعلى مدى أربعة عقود، عملت طهران على بناء هذه الشبكة بعناية عبر التمويل والتسليح والتدريب العقائدي والعسكري الذي أشرف عليه "الحرس الثوري"، وخصوصاً "فيلق القدس"، فظهر "حزب الله" في لبنان كنموذج أول للوكيل الاستراتيجي القادر على الجمع بين العمل العسكري والسياسي، ثم توسعت الشبكة لاحقاً لتشمل فصائل مسلحة في العراق وسوريا واليمن وأماكن أخرى.
ومع مرور الوقت، لم تعد هذه التنظيمات مجرد حلفاء لإيران، بل تحولت إلى امتداد إقليمي لقدرتها العسكرية، يمنحها إمكان التأثير في ساحات عدة في آن، ويمنحها كذلك قدرة على خوض صراعات بالوكالة من دون الانتظام المباشر في حرب شاملة.
غير أن الحرب الحالية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى كشفت مفارقة لافتة، فالأدوات التي أنشأتها طهران لحماية النظام أصبحت جزءاً مباشراً من ساحة المعركة نفسها، فبدلاً من أن تبقى هذه الأذرع خطوط دفاع بعيدة، دخلت في المواجهة إلى جانب إيران عبر إطلاق الصواريخ والعمليات العسكرية أو عبر فتح جبهات ضغط متعددة في المنطقة. هذا الانتظام المتزامن حول الصراع من مواجهة محصورة بإيران إلى حرب إقليمية متعددة الجبهات، إذ أصبحت ساحات لبنان والعراق وسوريا وغيرها امتدادات ميدانية للصراع الدائر بين طهران وخصومها.
بهذا المعنى تكشف الحرب الراهنة عن طبيعة المعادلة التي بنتها إيران خلال العقود الماضية، نظام يسعى إلى حماية نفسه عبر شبكة من الوكلاء الإقليميين، لكنه في اللحظة التي يتعرض فيها لضغط مباشر، يجد أن هذه الشبكة نفسها تنجر تلقائياً إلى المعركة، ومن ثم لم تعد الأذرع مجرد أدوات ردع، بل أصبحت جزءاً من ميزان القوى في الصراع الأكبر الدائر على مستقبل النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط.
إذا اعتبرنا أن النظام الإيراني قد يسقط، فمن يسقط أولاً هو أم أذرعه؟
الأرجح، وبالمنطق البارد لا بالرغبة السياسية، أن أذرع إيران ستبدأ بالسقوط أو التفكك قبل سقوط النظام الإيراني نفسه، لكن كلمة السقوط هنا لا تعني الشيء نفسه في الحالتين، فالأذرع قد تسقط عسكرياً ووظيفياً أولاً، بينما النظام قد يتأخر سقوطه لأنه يملك مركز دولة وأجهزة قمع وموارد سيادية تجعله أقدر على امتصاص الضربات من وكلائه. في المقابل إذا اهتز المركز في طهران إلى حد فقدان القدرة على التمويل والقيادة والردع، فقد يتحول سقوط الأذرع من تآكل تدريجي إلى انهيار سريع ومتسلسل. هذا يجعل الإجابة الأدق، الأذرع تستنزف أولاً، لكن مصيرها النهائي يبقى مرتبطاً ببقاء النظام نفسه.
السبب الأول هو أن الوكيل، مهما كبر، يبقى أضعف بنيوياً من الدولة الراعية، لكن النظام الإيراني لا يزال يملك ما لا تملكه الأذرع، من مؤسسات أمنية مركزية، و"حرس ثوري"، وأجهزة استخباراتية، وحدود وطنية، وموارد طاقة، وبيروقراطية دولة قادرة على إعادة توزيع الخسائر، أما الأذرع فتعتمد على ثلاثة أشياء حساسة جداً: التدفق المالي من طهران، والممرات اللوجيستية، وغطاء الشرعية المحلية، وحين تضرب هذه العناصر، وهذا ما تعمل عليه الضربات الأميركية والإسرائيلية، يصبح الوكيل مكشوفاً حتى لو ظل قادراً على الإيذاء، ولهذا نرى اليوم أن الضغوط المالية على شبكات النفط والتمويل الإيرانية تستهدف صراحة قدرة طهران على دعم الوكلاء، لا فقط قدرة إيران الداخلية.
"حزب الله" المرشح الأول للسقوط
وإذا أخذنا "حزب الله" تحديداً فهو يبدو المرشح الأول بين الأذرع لأن يكون أسرع من يفقد وظيفته الإقليمية السابقة، ليس فقط بسبب الاستنزاف العسكري، بل لأن البيئة التي كان يتحرك فيها تغيرت، هناك ضغط لبناني رسمي متصاعد على حصر السلاح وحظره، ووردت إحاطة أممية هذا الأسبوع عن كون لبنان "منهكاً بحروب الآخرين"، كما أن التقديرات الحالية تتحدث عن حزب ضعيف لكنه لم يهزم نهائياً بعد.
والأخطر عليه أن كلفته على الداخل اللبناني أصبحت أعلى من السابق، فيما هامش المناورة لديه أضيق، أي أن الحزب قد لا يختفي سريعاً، لكنه يفقد تدريجاً صفته كذراع هجومية مرنة، ويصبح عبئاً دفاعياً محاصراً داخل لبنان.
هذا نوع من السقوط الوظيفي حتى قبل السقوط التنظيمي الكامل.
الفصائل العراقية مرشحة للتشظي والانقسام
أما الفصائل العراقية فصورتها مختلفة، هي أقل تماسكاً أيديولوجياً من "حزب الله"، لكنها أكثر تشعباً واندماجاً في هياكل رسمية ومصلحية داخل العراق، وهذا يمنحها قدرة أعلى على إعادة التموضع بدل الانهيار المباشر. بعض هذه الفصائل يمكن أن يخفف انتظامه الإقليمي ويعيد تقديم نفسه كفاعل عراقي محلي، فيما تواصل مجموعات صلبة العمل تحت تسميات مثل "المقاومة الإسلامية في العراق". بمعنى آخر، أن الفصائل العراقية قد لا تسقط بسرعة ككتلة واحدة، لكنها مرشحة للتشظي والانقسام بين من يريد النجاة داخل الدولة العراقية ومن يريد البقاء ذراعاً إيرانية صافية، وهذا بحد ذاته صورة من صور السقوط السياسي، حتى لو استمر بعضها عسكرياً.
أما بالنسبة إلى جماعة الحوثي في اليمن، التي تحولت خلال الأعوام الأخيرة إلى ذراع جيوسياسية لإيران على أحد أهم الممرات البحرية في العالم، أي البحر الأحمر ومضيق باب المندب، ومن خلال تطوير قدراتها الصاروخية والطائرات المسيرة بدعم تقني وعسكري إيراني، فأصبحت قادرة على التأثير في حركة الملاحة الدولية وفتح جبهة ضغط بعيدة جغرافياً عن إيران نفسها.
غير أن ما يميز الحالة الحوثية مقارنة بغيرها من الأذرع هو هشاشة البيئة الجغرافية والسياسية التي تعمل فيها، فبينما يتمتع "حزب الله" بقاعدة اجتماعية متماسكة داخل لبنان وبنية تنظيمية متجذرة منذ عقود، وتتمتع الفصائل العراقية بامتدادات داخل مؤسسات الدولة العراقية، يعتمد الحوثيون بدرجة أكبر على توازنات الحرب اليمنية وعلى استمرار الدعم الخارجي، لذلك، فإن أي تغيير في ميزان القوى الإقليمي أو أي تراجع في قدرة إيران على الإمداد والدعم قد ينعكس سريعاً على وضعهم الميداني.
في هذا السياق، يصبح احتمال تراجع أو سقوط الحوثيين جزءاً من الصورة الأوسع لتآكل شبكة الأذرع الإيرانية، وقد تكون الحلقة اليمنية من أكثر الحلقات عرضة للاهتزاز، فالحوثيون يعتمدون على خطوط إمداد بحرية وبرية معقدة وعلى تكنولوجيا صاروخية ومسيرات مرتبطة بالخبرة الإيرانية، مما يعني أن أي خلل في هذه المنظومة سيؤثر مباشرة في قدرتهم القتالية وفي قدرتهم على فرض معادلات ردع في البحر الأحمر.
ومن زاوية استراتيجية أوسع، فإن تراجع الحوثيين سيكون له أثر يتجاوز اليمن نفسه، فهذه الجبهة تشكل بالنسبة إلى إيران أداة ضغط بعيدة من مسرح المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وتتيح لها تهديد طرق التجارة العالمية من دون الانتظام المباشر في الحرب، لذلك فإن فقدان هذه الورقة سيعني تقليصاً إضافياً للعمق الاستراتيجي الإيراني.
والعامل الحاسم هنا هو أن شبكة النفوذ الإيرانية فقدت جزءاً من عمقها الاستراتيجي.
الوكيل يكون فعالاً عندما يحمي المركز من الحرب المباشرة
في عام 2026 لم تعد طهران تقاتل بالراحة القديمة عبر حلقات بعيدة ومنفصلة، انتقل الصراع أكثر نحو المركز الإيراني نفسه، مع ضربات على إيران وحرب مباشرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، لا مجرد حرب ظل عبر الوكلاء، وكلما اقتربت المعركة من المركز تراجعت أفضلية "الإنكار" وتوزيع الأخطار التي كانت تمنح الأذرع قيمة استثنائية، فالوكيل يكون فعالاً عندما يحمي المركز من الحرب المباشرة، وإذا أصبحت الحرب على المركز نفسه، تنخفض فائدة الوكيل نسبياً ويصبح عبئاً مكلفاً يحتاج إلى إنقاذ من الراعي بدلاً من أن ينقذه.
لكن على رغم ذلك، النظام الإيراني ليس هشاً بالمعنى الساذج. نعم، الاقتصاد تحت ضغط كبير، وتقارير البنك الدولي تشير إلى تضخم بلغ 40.4 في المئة تقريباً في نوفمبر/ تشرين الثاني عام 2025، مع تدهور العملة وارتفاع الضغوط التضخمية، إضافة إلى الاحتجاجات الواسعة مع دخول عام 2026. غير أن التاريخ الإيراني منذ عام 1979 يظهر أن النظام قد يتحمل مستويات عالية جداً من الألم الاقتصادي والعزلة والقمع ما بقيت ثلاثة أعمدة متماسكة، "الحرس الثوري"، والنواة العقائدية، وسيطرة الدولة على أدوات العنف، لذا، ضعف الاقتصاد لا يساوي تلقائياً سقوط النظام، بينما يسرع بالتأكيد إنهاك الأذرع.
لهذا ربما الترتيب الأقرب للواقع هو الآتي، أولاً، سقوط وظيفي تدريجي لـ"حزب الله" بوصفه ذراعاً إقليمية قادرة على فرض قواعد اشتباك مريحة لطهران، وثانياً، تشظي أو إعادة تموضع للفصائل العراقية أكثر من انهيارها الكامل دفعة واحدة، وثالثاً، تراجع قدرة الحوثين القتالية ومن ثم قدرتهم على فرض معادلات ردع في البحر الأحمر، ورابعاً، بقاء النظام الإيراني فترة أطول، لكن بصورة أكثر إنهاكاً وعسكرة وانكفاء إلى الداخل.
فالنظام يستطيع تقليص مشروعه الإقليمي لكي ينجو، أما الوكلاء فلا يستطيعون عادة النجاة إذا تقلصت قدرتهم على تلقي المال والسلاح والشرعية في آن.
سقوط المشروع
مع ذلك، هناك سيناريو معاكس يجب عدم استبعاده، إذا تعرض المركز الإيراني لصدمة قيادية أو أمنية أو اقتصادية حادة جداً تفقده القدرة على التنسيق والتمويل، فقد يبدو وكأن النظام يسقط أولاً، لكن عملياً سيكون ما يحدث هو سقوط المركز والأذرع معاً في سلسلة واحدة، لأن هذه الشبكة ليست تحالفاً مستقلاً تماماً، بل منظومة هرمية نسبياً، المال من طهران، والعقيدة والتوجيه الاستراتيجي من طهران، وانهيار الرأس هنا لا يبقي الجسد طويلاً، إلا أن المؤشرات المتاحة الآن لا تقول إن هذه اللحظة الحاسمة قد وقعت بعد، هي تقول إن الكلفة على طهران ترتفع، لكنها لم تفقد بعد أدوات السيطرة الأساسية.
في المحصلة، ليس النظام الإيراني هو أول من يسقط على الأرجح، بل مشروعه الخارجي هو الذي يتآكل أولاً. وبمعنى أدق أذرع إيران ستتراجع وتضرب وتتفكك وظيفياً قبل سقوط النظام، لكن هذا لا يعني أن النظام منتصر، بل يعني أنه سيدخل مرحلة دفاع عن بقائه بعدما يخسر تدريجاً أدوات توسعه، وعندما يصل النظام إلى مرحلة الاكتفاء بحماية الداخل بدل إدارة الإقليم، يكون قد بدأ عملياً مسار السقوط الاستراتيجي حتى لو لم يسقط شكلياً بعد.
(اندبندنت عربية)