في سياق التحولات السياسية والعسكرية التي يشهدها اليمن، تبرز مسألة إعادة بناء المؤسسة العسكرية بوصفها ركيزة مركزية لأي مشروع دولة مستقر.
ولا يمكن تحقيق ذلك دون معالجة التشوهات البنيوية التي تراكمت داخل الجيش على مدى عقود، والتي تعمّقت بعد عام 2015 مع تعدد مراكز القرار العسكري وظهور تشكيلات غير متجانسة.
وفي مقدمة هذه التشوهات تضخم الكشوفات، وازدواجية الانتماء، وغياب قاعدة بيانات دقيقة. من هنا، يكتسب اعتماد نظام بصمة العين (التحقق البيومتري) لصرف الرواتب، بتوجيه وإشراف من مجلس القيادة الرئاسي، دلالة تتجاوز كونه إجراء تقنيا، ليغدو مدخلا لإعادة هندسة المؤسسة العسكرية على أسس حديثة.
أولا: البصمة البيومترية كأداة حوكمة مؤسسية
من منظور علم الإدارة العامة، تمثل الأنظمة البيومترية أحد أدوات الحوكمة الرقمية التي تهدف إلى تقليص فجوة المعلومات بين متخذ القرار والواقع التنفيذي. وفي الحالة اليمنية، حيث تعتمد كثير من الوحدات العسكرية على كشوفات ورقية تقليدية أو بيانات غير محدثة، تتسع هذه الفجوة بشكل لافت.
اعتماد بصمة العين في هذا السياق يحقق ثلاثة تحولات جوهرية: إنتاج بيانات موثوقة حول الأفراد الفعليين داخل الجيش، بدل الاعتماد على كشوفات قديمة أو تقديرات غير دقيقة، وإغلاق منافذ التلاعب المرتبطة بالأسماء الوهمية والازدواج الوظيفي، وهي ظواهر تفاقمت خلال سنوات الحرب، وإعادة ضبط العلاقة بين الجندي والدولة، بحيث يصبح الاستحقاق المالي مرتبطا بالحضور الفعلي، لا بالوساطة أو النفوذ.
وبذلك، يتحول النظام البيومتري إلى أداة لإعادة بناء الثقة داخل المؤسسة العسكرية، وهي ثقة تآكلت في ظل الاختلالات السابقة.
ثانيا: تفكيك فساد "الوظائف الوهمية" وأثره على الاقتصاد الوطني
في الواقع اليمني، لا تمثل الأسماء الوهمية مجرد خلل إداري، بل جزءا من اقتصاد موازٍ نشأ في ظل الحرب، حيث تحولت بعض الوحدات إلى قنوات لتوزيع الموارد خارج الأطر الرسمية.
من المؤكد أن وجود أعداد وهمية داخل الجيش يستنزف ميزانية دولة تعاني أصلا من محدودية الموارد وتراجع الإيرادات، بل وتوقفها في بعض القطاعات، ينهك مخصصات الجيش، ما ينعكس على ضعف التسليح والتدريب وتأخر صرف الرواتب.
يتم ذلك على حساب الجندي الحقيقي، الذي يقف في الجبهات ويخاطر بحياته في مواجهة مستمرة منذ أكثر من عقد. وهنا يصبح الفساد ليس مجرد مسألة مالية، بل قضية عدالة وإنصاف، حيث يُحرم من يقاتل فعليا من حقوقه، بينما تستفيد شبكات غير رسمية من موارد الدولة.
ثالثا: غربلة الجيش وإعادة تعريف كتلته البشرية
في ظل التعدد الذي شهدته المؤسسة العسكرية اليمنية خلال السنوات الماضية، بين وحدات نظامية وأخرى تشكلت في ظروف استثنائية، تغيب صورة دقيقة عن الحجم الحقيقي للقوة العسكرية.
يسهم النظام البيومتري في كشف الفجوة بين القوة الاسمية المعلنة والقوة الفعلية على الأرض، وتمكين صناع القرار من إعادة هيكلة الوحدات بناء على بيانات واقعية، ودعم سياسات دمج فعالة تقلل من التضخم غير الحقيقي وتعزز الكفاءة. وهذا أمر حاسم في بلد مثل اليمن، حيث لا يمكن بناء استراتيجية عسكرية فعالة دون معرفة دقيقة بحجم القوة البشرية وتوزيعها.
رابعا: الأهمية الاستراتيجية في ظل توجهات دمج الجيش
تأتي هذه الخطوة في وقت تتجه فيه القيادة السياسية نحو دمج التشكيلات العسكرية المتعددة التي نشأت خلال سنوات الصراع، والتي ارتبط بعضها بمناطق أو ولاءات مختلفة.
في هذا السياق، يوفر النظام البيومتري: قاعدة بيانات موحدة تتجاوز الانقسامات المناطقية والسياسية، وأداة لتجريد التشكيلات من طابعها غير النظامي وإدماجها ضمن هيكل وطني، ومرجعية فنية تساعد في توحيد الرواتب والرتب وسلاسل القيادة. وبالتالي، فإن بصمة العين لا تعد فقط أداة مالية، بل أداة سياسية مؤسسية لإعادة توحيد الجيش.
خامسا: من الإصلاح الإداري إلى تعزيز القدرة القتالية
في التجربة اليمنية، أثبتت السنوات الماضية أن الجيش عندما يعاني من اختلالات داخلية يكون أقل قدرة على الصمود في المعارك طويلة الأمد.
وليس المقصود هنا التقليل من وطنية وإخلاص الأفراد، بل الإشارة إلى أن الخلل المؤسسي ينعكس مباشرة على الأداء الميداني. فالتأخير في صرف الرواتب، وعدم العدالة في التوزيع، وغياب الانضباط، كلها عوامل تؤثر على الكفاءة القتالية.
ومن هنا، فإن ضبط الموارد البشرية عبر نظام بيومتري يعزز الانضباط داخل الوحدات، ويرفع من معنويات الجنود، ويساهم في بناء جيش أكثر جاهزية لمواجهة التحديات.
سادسا: إدارة مقاومة التغيير في السياق اليمني
في بيئة مثل اليمن، حيث تشكلت خلال الحرب شبكات مصالح معقدة داخل بعض الوحدات، فمن المتوقع أن يواجه هذا النظام مقاومة فعلية.
هناك معارضة للبعض او مراكز قوى ضد هذه الاجراءات قد تتجلى في:
حملات إعلامية تشكك في جدوى النظام أو تستهدف القائمين عليه، وتحريض بعض الأفراد داخل الوحدات على المعارضة أو الاحتجاج بدعوى المساس بالحقوق، وإثارة النعرات المناطقية أو المؤسسية لعرقلة التنفيذ، ومحاولات تعطيل التطبيق ميدانيا أو إداريا
وقد شهدت سابقا بعض المؤسسات في اليمن أنماطا مشابهة من المقاومة عند محاولة إدخال إصلاحات مالية أو إدارية.
ويتطلب للتعامل مع ذلك:
خطابا شفافا يوضح أن الهدف هو حماية حقوق الجنود لا الانتقاص منها، وحزما قانونيا في مواجهة أي تعطيل متعمد، بالإضافة إلى إشراك القيادات الميدانية في تنفيذ الإصلاح لضمان قبوله، كما يجب التمييز بين المستفيد غير المشروع، والفرد الذي يحتاج إلى تسوية وضعه بشكل قانوني، وأعتقد أن هذا ما يدور حاليا على الواقع رغم بعض العرقلات.
توصيات عملية لمجلس القيادة الرئاسي:
1. ربط النظام البيومتري بمنظومة موارد بشرية متكاملة
في الواقع اليمني تعاني المؤسسة العسكرية من غياب نظام موحد لإدارة الموارد البشرية. لذلك يجب توسيع استخدام النظام ليشمل الترقيات والتنقلات والتدريب. هذا الربط سيحول البيانات البيومترية إلى أداة لاتخاذ القرار، وليس مجرد وسيلة لصرف الرواتب.
2. إنشاء قاعدة بيانات مركزية موحدة
نظرا لتعدد الكشوفات واختلاف مصادرها خلال سنوات الحرب، يصبح من الضروري إنشاء قاعدة بيانات وطنية موحدة تنهي حالة التشتت. ويجب أن تكون هذه القاعدة مرجعية إلزامية لجميع الوحدات، مع آليات تدقيق صارمة تمنع إعادة إنتاج الفساد.
3. استخدام مخرجات النظام لدعم عملية دمج الجيش
عملية الدمج في اليمن تواجه تحديات واقعية، من بينها تضارب الأرقام واختلاف الهياكل. البيانات البيومترية يمكن أن توفر أساسا موضوعيا لتوزيع الأفراد، وتقليل التوترات، وبناء هيكل موحد قائم على الكفاءة.
4. تعزيز البنية التقنية وحماية البيانات
في ظل بيئة أمنية معقدة، يجب تأمين النظام ضد الاختراق أو التعطيل، خاصة أن أي خلل قد يُستخدم لإضعاف الثقة به، فالاستثمار في البنية التقنية ضرورة وليس خيارا.
5. إطلاق خطاب إعلامي وطني داعم
في ظل انتشار الشائعات وسرعة تداول المعلومات في اليمن، يصبح من المهم تبني خطاب إعلامي واضح يشرح أهداف النظام، ويربطه بحماية حقوق الجنود، ومكافحة الفساد، وتعزيز العدالة. واللافت أن هذه الخطوة لم تحظ حتى الآن بالتغطية الإعلامية التي توازي أهميتها.
6. ربط الإصلاح المالي بإصلاحات هيكلية أوسع
ينبغي استثمار هذه الخطوة في إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية، وتقليص الوحدات غير الفاعلة، وتوجيه الموارد نحو الجبهات.