25 إبريل 2026
25 إبريل 2026
يمن فريدم-سوسن مهنا


أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، في الـ21 من أبريل/ نيسان الجاري، أنه سيمدد وقف إطلاق النار مع إيران حتى تقدم طهران مقترحاتها وتكتمل المفاوضات.

وفي منشور على منصة "تروث سوشيال"، قال "نظراً إلى الانقسام الحاد الذي تشهده الحكومة الإيرانية، وهو أمر متوقع، وبناء على طلب المشير عاصم منير ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، فقد طلب منا تعليق هجومنا على إيران إلى حين تقديم قادتها وممثليها مقترحاً موحداً"، مضيفاً "أصدرت توجيهاتي لقواتنا المسلحة بمواصلة الحصار، والبقاء على أهبة الاستعداد في جميع الجوانب الأخرى، وبالتالي سأمدد وقف إطلاق النار إلى حين تقديم مقترحهم وانتهاء المناقشات، سواء بالموافقة أو الرفض".

وكانت وكالة "أسوشيتد برس" قد أفادت بأن نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس ألغى رحلته إلى باكستان، إذ كان من المتوقع أن يشارك في محادثات مع إيران.

بدورها قالت وكالة "تسنيم" الإيرانية للأنباء إن معلومات حصلت عليها أكدت أن إيران حسمت قرارها بعدم المشاركة في جولة المفاوضات المقررة، الأربعاء في إسلام آباد، وأبلغت الجانب الأميركي بهذا الموقف عبر الوساطة الباكستانية، مشيرة إلى أنه لا توجد حالياً أي أفق للمشاركة في المفاوضات.

ولاحقاً نقلت الوكالة الإيرانية أن طهران لم تطلب تمديد الهدنة وأمريكا قد تهرب تاركة إسرائيل لوحدها في مواجهة إيران، وكشفت الوكالة التابعة لـ"الحرس الثوري"، ونقلاً عن مصادر مطلعة، أن طهران لم تطلب تمديد اتفاق وقف إطلاق النار.

وأفادت الوكالة بأن الأسباب الكامنة وراء الإعلان تمديد الهدنة، تعود لأن الرئيس الأمريكي، الذي وصفته الوكالة بـ"الخاسر في الحرب"، قد جرب جميع السيناريوهات الممكنة مع إيران خلال فترة النزاع، وأدرك عجزه عن تحقيق أي إنجاز يذكر على الأرض.

ووفقاً لمصادر "تسنيم"، فإن إعلان التمديد قد يكون محاولة أمريكية لإيجاد "طريقة أمثل للخروج من الحرب"، بعد أن فشلت واشنطن في تحقيق أهدافها العسكرية والسياسية من المواجهة مع طهران، وحذرت من سيناريوهات عدة محتملة في إعلان تمديد الهدنة، وأنها مجرد عملية تضليل تهدف إلى تمرير عمليات اغتيال ضد شخصيات إيرانية، كما أن هناك احتمالاً أن تسعى الولايات المتحدة للخروج من الحرب، تاركة إسرائيل بمفردها في المواجهة مع إيران.

وأكدت الوكالة أن إيران حذرت أميركا من أنها "لا تستطيع الخروج من الحرب بصورة أحادية والهرب"، مما يشير إلى أن أي وقف لإطلاق النار أو تهدئة يجب أن يكون مرتبطاً بتفاهمات واضحة وضمانات حقيقية، وفقاً للوكالة الإيرانية.

وكان بدأ سريان وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة نهار الثامن من أبريل الجاري، على أن يستمر مدة 14 يوماً، وكان من المتوقع أن تنتهي الهدنة خلال ليل الثلاثاء - الأربعاء، غير أن ترمب قال إنها قد تنتهي بعد يوم، أي مساء الأربعاء بتوقيت واشنطن.

في حين أشار مصدر باكستاني شارك في المحادثات إلى أن وقف إطلاق النار سينتهي يوم الأربعاء في الثامنة مساء بتوقيت شرق الولايات المتحدة، أي منتصف الليل بتوقيت غرينتش.

فوضى مقصودة سبقت سقوط جلسة إسلام آباد

وكان المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي قد شدد على "انعدام الثقة المطلق" بواشنطن، وأكد أن طهران لا تملك في الوقت الحالي أي قرار لإجراء جولة جديدة من المفاوضات في إسلام ‌آباد.

وفي مؤتمر صحافي، عقده في الـ20 من أبريل، وصف بقائي آفاق الدبلوماسية بين طهران وواشنطن بأنها "قاتمة"، معلناً أنه لا توجد حالياً أية خطة للعودة لطاولة المفاوضات مع الولايات المتحدة.

وعليه، فإن ما حصل حول جلسة إسلام آباد لم يكن مجرد ارتباك تقني في المواعيد، بل كان كشفاً فجاً عن حجم الهوة بين واشنطن وطهران، وللفوضى المقصودة التي سبقت سقوط الجلسة قبل أن تبدأ.

ومنذ الصباح، كانت هناك إشارات متناقضة، فباكستان كانت تتصرف على أساس أن جولة ثانية قد تعقد، وظهرت تقارير عن تشديدات أمنية في العاصمة استعداداً للاجتماع. ولاحقاً رحب رئيس الوزراء شهباز شريف بتمديد وقف النار، على أمل أن تستضيف إسلام آباد جولة جديدة من المحادثات.

في المقابل، كانت طهران ترسل رسالة مختلفة تماماً، لا وفد مؤكداً، ولا موافقة نهائية، ولا تفاوض تحت الحصار والتهديد.

حتى في واشنطن، لم يكن المشهد متماسكاً، وكان من المقرر أن يغادر فانس صباح الثلاثاء متوجهاً إلى العاصمة الباكستانية، إذ كان ينتظر استئناف المحادثات الأربعاء، ولكن وفقاً لما نقلته صحيفة "نيويورك تايمز" عن مسؤول أمريكي مطلع مباشرة على مجريات الوضع، فإن غياب الرد الإيراني على المواقف التفاوضية الأمريكية، أدى فعلياً إلى تعليق المسار الدبلوماسي، على رغم أن الزيارة لم تلغ رسمياً.

وأشار المسؤول إلى أن الزيارة يمكن أن تستأنف في أية لحظة إذا رد المفاوضون الإيرانيون بطريقة يعتبرها الرئيس ترمب مقبولة، هذا التضارب في المعطيات أسقط الثقة بالجلسة نفسها.

ولكن وفقاً لرصد مواقف الطرفين، السبب الحقيقي لعدم انعقاد الجلسة ليس لوجستياً، بل سياسي بامتياز. فالإيرانيون لم يروا في الدعوة إلى إسلام آباد عرضاً تفاوضياً جدياً، بل محاولة أمريكية لفرض تفاوض تحت الإكراه، حصار بحري مستمر، وسفن إيرانية محتجزة، وضغط متزايد على الشحن والنفط، ثم الطلب من طهران أن تأتي إلى الطاولة وكأن شيئاً لم يكن.

وكانت القيادة الوسطى الأمريكية (سنتكوم) قد أعلنت أن القوات الأمريكية العاملة في بحر العرب فرضت إجراءات الحصار البحري على سفينة شحن ترفع العلم الإيراني، كانت تحاول الإبحار نحو ميناء إيراني، وأضافت "اعترضت المدمرة الصاروخية الموجهة (يو إس إس سبروانس) السفينة (إم في توسكا)، أثناء عبورها شمال بحر العرب في طريقها إلى بندر عباس في إيران"، من هنا، نقلت تقارير إعلامية عن مسؤول إيراني كبير أن طهران يمكن أن تحضر فقط إذا تخلت واشنطن عن سياسة الضغط والتهديد، وأن إيران ترفض مفاوضات "تهدف إلى الاستسلام"، وهذا التعبير هو مفتاح لفهم ما جرى.

من وجهة نظر طهران، إن الشروط الأمريكية مصاغة بطريقة تجعل الذهاب إلى الجلسة تنازلاً مسبقاً لا تفاوضاً متكافئاً. وعندما أضيف إلى ذلك احتجاز السفينة "توسكا"، بدا المشهد في الذهنية الإيرانية كأن واشنطن تريد أن تفاوض بيد، وتخنق باليد الأخرى، وهذا ما اعتبره المسؤول الإيراني أن الولايات المتحدة "بدلاً من حل القضايا، تقوم يومياً بخلق عقبات جديدة".

أما غياب جي دي فانس، فلم يكن تفصيلاً بروتوكولياً أيضاً، فانس كان قد قاد الجولة الأولى في إسلام آباد وخرج منها، قائلاً إن واشنطن قدمت "عرضها النهائي والأفضل"، وتكشف هذه العبارة عن المزاج الأمريكي، ليس هناك استعداد فعلي لإعادة فتح الملف من الصفر، بل محاولة لدفع الإيرانيين إلى القبول بحزمة شروط جاهزة.

من هنا يمكن فهم سبب تداول معلومات متضاربة عن سفره، الآلة السياسية والإعلامية كانت تتصرف على أساس احتمال انعقاد الاجتماع، بينما كانت القناة التفاوضية الفعلية تعلم أن الشروط لم تنضج، وأن الذهاب إلى إسلام آباد من دون ضمان حضور إيراني أو اختراق مسبق سيحول الزيارة إلى صورة فشل.

كيف ينظر "الحرس الثوري" إلى الشروط الأمريكية؟

الأهم من كل ذلك هو كيف ينظر "الحرس الثوري" إلى الشروط الأمريكية؟ هنا لا بد من قراءة ما صدر عبر المنصات القريبة من "الحرس الثوري" لا كمجرد دعاية، بل كمؤشر على المزاج الصلب داخل النظام.

في الجولة الأولى كانت وكالة "تسنيم" قد وصفت مضيق هرمز بأنه من نقاط "الخلاف الجدي" في محادثات إسلام آباد، مما يعني أن الملف البحري لم يكن بنداً جانبياً بل عقدة مركزية. وفي الساعات التي سبقت الجلسة، كانت الرسالة الإيرانية المتشددة واضحة أيضاً، لا تفاوض بينما الحصار قائم، ولا قبول بأية صيغة تترجم داخلياً على أنها رضوخ أمريكي مفروض بالقوة.

هذا يفسر لماذا تنظر الدوائر المرتبطة بـ"الحرس الثوري" إلى الشروط الأمريكية، من فك عقدة هرمز، إلى الملف النووي، إلى العقوبات، وإلى استمرار الخنق البحري باعتبارها ليست مدخلاً لتسوية، بل وصفة لتقليص دور إيران استراتيجياً، وتجريدها من أوراقها قبل أي اتفاق، أي أن المشكلة، بنظرهم، ليست في مضمون بند واحد، بل في مقاربة الاتفاق أو الشروط كلها، فأمريكا تريد من طهران أن تدخل التفاوض بعد أن تضع سلاحها التفاوضي على الطاولة سلفاً.

ولهذا السبب لم تحصل الجلسة، ليس بسبب فشل الوسطاء، ولا الالتباس في المواعيد، بل لأن الجلسة كانت محكومة بالسقوط منذ اللحظة التي أرادت فيها واشنطن تحويل التفاوض إلى اختبار إذعان، وأرادت فيها طهران، وخصوصاً "الحرس الثوري"، أن تثبت أنها لن تمنح صورة استسلام تحت النار والحصار. هنا يطرح السؤال المركزي، كيف يؤثر الحصار البحري في إيران وأذرعها في المنطقة؟

"قوة الإيذاء"

في الحقيقة، إن ما يجري ليس مجرد حصار بحري عابر على إيران، بل انتقال أمريكي محسوب من سياسة الردع التقليدي إلى ما هو أخطر، أي إدارة الصراع عبر "قوة الإيذاء" لا عبر الانفجار الشامل. فواشنطن لا تسابق الزمن لإسقاط النظام، ولا تتسرع نحو حرب مفتوحة، بل تمسك بخناق الاقتصاد، وتضيق على شرايين النفط والشحن، وتترك لطهران مساحة واحدة فقط، أن تشعر بالألم وأن تفهم الرسالة.

هنا تحديداً ندخل في صلب ما تحدث عنه المفكر والاقتصادي الأمريكي توماس شيلينغ، الذي يعد من أبرز العقول التي غيرت طريقة فهم الصراعات السياسية والعسكرية، حين تحدث عن "الدبلوماسية القسرية" باعتبارها فن استخدام القدرة على الإيذاء من دون الاضطرار إلى استخدامها بالكامل.

والفكرة ليست في تدمير الخصم، بل في إقناعه بأن الكلفة التي سيدفعها إذا استمر بـ"العناد" أو المكابرة، أعلى بكثير من أي مكسب ممكن، أي أن القوة لا تستخدم هنا لتحقيق نصر عسكري مباشر، بل لخلق معادلة نفسية واقتصادية تجعل الطرف الآخر يختار التراجع بنفسه.

وفق هذا المفهوم، فإن الحصار الأميركي على إيران ليس هدفه إغلاق المضيق أو اعتراض سفن فقط، بل خلق بيئة مستدامة من الضغط، بحيث تصبح كل ناقلة مهددة، وكل تحويل مالي مراقب، وكل شحنة سلاح معرضة للتعطيل، هذا هو جوهر "قوة الإيذاء" عند شيلينغ، أن يبقى الخصم تحت تهديد مستمر، وغير مريح، ومكلف، ومفتوح على التصعيد، من دون أن تطلق رصاصة واحدة.

بمعنى آخر، إن واشنطن لا تقول لطهران، سنحاربك أو نسقط نظامك، بل تقول "يمكننا أن ندفعك الثمن يومياً إلى أن يتغير سلوكك"، وعليه، تدخل إيران مرحلة استنزاف متدرج، قد يعيد تشكيل قراراتها من الداخل، وهذا بالضبط ما يجعل الحصار أخطر من الحرب، لأنه لا يترك مجالاً للبطولة، بل يفرض حسابات باردة، بحيث تصبح كل خطوة إضافية مزيداً من الخسارة.

وقال النائب في البرلمان الإيراني أحمد نادري إنه "يجب على الولايات المتحدة والدول الداعمة لها دفع تعويضات الحرب"، مضيفاً أن "مضيق هرمز يقع ضمن مياهنا الإقليمية وقواعدنا هي التي ستسود، وسيكون تحصيل رسوم المرور في مضيق هرمز بالريال الإيراني وهذه الرسوم ستكون دائمة"، ووصف الحصار البحري بأنه "آخر الافعال الخبيثة للأمريكيين على رغم أنهم قبلوا بجميع شروطنا للتفاوض"، وتابع النائب في البرلمان الإيراني أن "الحصار البحري سيفشل وسننتقم لما فعلوه بحق السفينة الإيرانية".

في ظل هذا الحصار الخانق على النظام الإيراني، كيف سينعكس ذلك على الأذرع الإيرانية في المنطقة؟ وهل ستتأثر؟

من الطبيعي أن تتأثر أذرع إيران في المنطقة، لكن ليس بالمعنى التبسيطي الذي يفترض أن الحصار البحري الأمريكي سيقطع عنها الأوكسجين دفعة واحدة. والأدق أن نقول إن واشنطن بدأت تضرب الشريان الذي يغذي المنظومة الإيرانية كلها، أي شريان التهريب والنقل والالتفاف المالي وربط النفط بالسلاح.

وبعد التصعيد الأمريكي وصولاً إلى حد اعتراض سفن إيرانية واحتجاز سفينة الشحن "توسكا"، التي اعتبر أنها خالفت الحصار البحري وكانت تنقل مواد مزدوجة الاستخدام، وذلك بالتوازي مع استمرار الضغط على شبكات النفط والشحن والتمويل المرتبطة بـ"الحرس الثوري"، لكن هذا لا يعني أن "حزب الله" أو الحوثيين أو الفصائل العراقية سيفقدون فوراً القدرة على الحركة، لكنه يعني أن كلفة الإمداد سترتفع، وأن زمن الشحنات السلسة والرخيصة والآمنة يتآكل بسرعة.

"الغضب الاقتصادي"

تكمن المشكلة الأساسية بالنسبة إلى طهران هنا، ليس فقط في اعتراض سفينة هنا أو ناقلة هناك، بل في أن المسار البحري كان جزءاً من منظومة أوسع لتمويل النفوذ الإقليمي، من بيع النفط، إلى عملية إخفاء المنشأ، إلى استخدام أساطيل ظل وشركات واجهة، ثم تحويل العائدات إلى "الحرس الثوري" ووكلائه، أو استخدامها لتأمين مكونات عسكرية وتقنيات مزدوجة الاستخدام.

وكانت وزارة الخزانة الأمريكية قد أكدت مراراً أن عائدات النفط الإيراني وشبكات الشحن والتمويل المرتبطة به استفادت منها قوات "فيلق القدس" و"حزب الله" ووكلاء إيران في المنطقة، كما شددت في موازناتها وخطاباتها الأخيرة على استهداف الشبكات التي تنقل المال وتؤمن الموارد لهذه المجموعات.

ومن أبرز العقوبات الأمريكية، استهداف "أسطول الظل" والنفط، إذ فرضت وزارة الخزانة والخارجية حزماً من العقوبات على أكثر من 50 شخصاً وكياناً وناقلة نفط مرتبطة بشبكات تهريب النفط الإيراني، وجرى استهداف سفن ترفع أعلاماً مختلفة تعمل على نقل النفط الإيراني إلى أسواق آسيوية للالتفاف على العقوبات.

أيضاً العقوبات على شبكة "شمخاني"، إذ تركزت العقوبات على شبكة تمويل وبيع نفط يديرها محمد حسين شمخاني، نجل أمين مجلس الدفاع الوطني السابق، التي وصفت بأنها إمبراطورية بمليارات الدولارات تبيع النفط والغاز المسال الإيراني والروسي عبر شركات واجهة.

كما أطلقت الولايات المتحدة ما سمي بعملية "الغضب الاقتصادي" لمساءلة النظام الإيراني عن "ابتزازه أسواق الطاقة" ومحاولة وقف صادراته النفطية، بالتزامن مع الحصار البحري، وكل ذلك لمنع تهريب النفط، كما استهدفت العقوبات أيضاً وسطاء ماليين وشبكات "مصارف الظل" التي تسهل تحويل عائدات النفط الإيراني، بخاصة لتمويل "حزب الله" و"الحرس الثوري الإيراني".

ولكن يجب عدم الوقوع في المبالغة، فأذرع إيران لا تعيش فقط على شحنات تأتي مباشرة من الموانئ الإيرانية، فبعضها راكم مخزونه سابقاً، وبعضها طور شبكات تمويل محلية، وبعضها يتكيف عبر التهريب البري والوسطاء والسوق السوداء، وتجارة "الكبتاغون"، لذلك فإن أثر الحصار البحري الأمريكي سيظهر أولاً في النوعية والاستدامة والوتيرة، لا بالضرورة في الانقطاع الكامل، بحيث تصبح الصواريخ أقل دقة، ويصبح الوصول إلى قطع الغيار أصعب، والتحويلات المالية أكثر تعقيداً، وستضطر القيادة الإيرانية إلى ترتيب الأولويات بين الجبهات بدل تمويلها كلها بالمستوى نفسه، وهذا مهم جداً، لأنه حين تدخل مرحلة المفاضلة بين الساحات، تبدأ منظومة الوكلاء تلقائياً بخسارة فائض القوة، الذي منحها القدرة على فتح أكثر من جبهة في وقت واحد.

بمعنى أوضح، إن الحصار البحري الأميركي لا يميت أذرع إيران فوراً، لكنه يدفعها إلى مرحلة الاختناق البطيء، ويدخلها مرحلة الاستنزاف، وهو لن ينزع السلاح من يدها بيوم واحد، بل يعمل على رفع ثمن كل رصاصة، وكل طائرة مسيرة، وكل تحويلة، وكل شحنة وقود، وكل عملية إعادة تموضع، لأن طهران اليوم مضطرة إلى الدفاع عن ممراتها البحرية، ومبيعاتها النفطية، وسفنها، وعائداتها، في وقت واحد، لذلك إن قدرتها على تمويل مشروعها الإقليمي بالسخاء نفسه ستبدأ بالتراجع، وهي بدأت فعلياً.

من هنا، الخطر الحقيقي على أذرع إيران ليس بالشلل الفوري، بل ستدخل تدريجاً مرحلة الاستنزاف المالي واللوجستي، أي المرحلة التي تبقى فيها قادرة على الإزعاج، لكن أقل قدرة على فرض الوقائع كما كانت تفعل سابقاً.

"حزب الله" لا يعيش على شحنات يومية مباشرة من المرافئ الإيرانية

عند هذه النقطة، إن الحصار البحري الأمريكي على إيران لن ينعكس على "حزب الله" كصدمة فورية، بل كتحول تدريجي في بيئة عمله. فالحزب لا يعيش على شحنات يومية مباشرة من المرافئ الإيرانية حتى يشل بين ليلة وضحاها، لكنه جزء من منظومة تمويل وتسليح أوسع، وأي ضغط على هذه المنظومة يبدأ تلقائياً بتقليص هامش المناورة لديه.

وما تضربه واشنطن اليوم ليس سلاح "حزب الله" مباشرة، بل القدرة الإيرانية على تمويل هذا السلاح واستدامته، من النفط، إلى الشحن، إلى شبكات الالتفاف، والتحويلات التي تمر عبر طبقات معقدة قبل أن تصل إلى بيروت، وما سينتج من ذلك ليس انقطاعاً فورياً، بل ارتفاع في الكلفة، وبطء في الإمداد، وحاجة دائمة إلى إعادة ترتيب الأولويات.

وقد لا يخسر الحزب مخزونه الحالي، لكنه سيجد صعوبة أكبر في تعويضه أو تطويره بالوتيرة نفسها، لأن استبدال كل صاروخ يستخدم سيصبح أكثر تعقيداً، وكل منظومة تحتاج إلى صيانة أو تحديث ستصطدم بسلاسل توريد مضغوطة، وهذا النوع من الضغط لا يظهر على السطح علانية، لكنه يتراكم داخل البنية العسكرية، ويؤثر في القرارات العملياتية، متى يصعد؟ وبكم يحتفظ؟ وأية جبهة يعطيها الأولوية إذا تعددت الساحات؟

البدائل التمويلية المتوفرة لدى الحزب

لكن في المقابل، من الخطأ افتراض أن الحزب سيترك بلا بدائل، فالحزب بنى خلال سنوات شبكة موارد موازية تقلل من اعتماده الكامل على الخط البحري الإيراني. وهناك مسارات برية ولوجستية بديلة عبر الإقليم، أقل كفاءة لكنها قائمة، وتزداد أهميتها كلما ضيق الخناق بحراً، علماً أن طرق الإمداد هذه تأثرت بصورة كبيرة بعد سقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد في سوريا، والضربات الإسرائيلية النوعية التي استهدفت هذه الطرق وعملت على قطعها، كما أن هناك الاقتصاد الموازي داخل لبنان وخارجه، من شبكات مالية وتحويلات واستثمارات تمكنه من تأمين حد أدنى من الاستمرارية حتى في ظل العقوبات، والأهم أن الحزب طور نموذج "الاكتفاء النسبي" في بعض المجالات، من خلال التصنيع المحلي المحدود أو التجميع، مما يخفف جزئياً من حاجته إلى الاستيراد الكامل، ولكن هذا لا يعوض القدرات الإيرانية، لكنه يخلق هامشاً يسمح له بالاستمرار تحت الضغط.

الإشارة هنا إلى التقارير الصحافية والأمنية التي ربطت شبكات تهريب "الكبتاغون" في المنطقة ببنية نفوذ قريبة من محور إيران وسوريا (سابقاً) ولبنان، وبعضها أشار بوضوح إلى تورط شخصيات أو بيئات محسوبة على "حزب الله"، سواء عبر تسهيل النقل أو توفير الحماية أو الاستفادة غير المباشرة من العائدات، وهنا تكمن المفارقة، الحصار قد يضعف القدرة على التوسع والتطوير، لكنه لا يسقط القدرة على الصمود.

ما يجري اليوم يدفع "حزب الله" من مرحلة وفرة مدعومة إيرانياً، إلى مرحلة إدارة ندرة محسوبة، أي أن الحزب لن يختفي من المعادلة، لكنه سيضطر إلى القتال بعقلية مختلفة، أقل اندفاعاً، وأكثر حساباً، وأكثر حساسية تجاه كلفة كل خطوة. وهذا بحد ذاته هدف الحصار، ليس إنهاء الحزب فوراً، بل تحويله من لاعب يفرض الإيقاع، إلى لاعب يحسب خطواته تحت ضغط دائم.

الحصار البحري يضرب "المنظومة"

الحصار البحري الأمريكي لا يضرب أذرع إيران مباشرة، بل يضرب "المنظومة" التي تبقيها فعالة، والنتيجة لن تكون انهياراً فورياً، بل انتقالاً جماعياً من وفرة مدعومة إلى إدارة ندرة تحت الضغط. أذرع إيران، من "حزب الله" إلى الحوثيين مروراً بالفصائل العراقية، ستبقى قادرة على الحركة، لكنها ستدفع كلفة أعلى للأسلحة والشحنات، ولكل قرار تصعيد، وسيصبح التمويل أكثر تعقيداً، والإمداد أبطأ، والخيارات العملياتية أضيق.

ومع الوقت، ستفرض مفاضلة داخلية بين الساحات بحيث ستصل طهران إلى قناعة بأنه لا يمكن تغذية كل الجبهات بالمستوى نفسه. في المقابل، لن تختفي هذه الأذرع، لأنها تملك مخزوناً، وشبكات محلية، واقتصاداً موازياً يخفف من وقع الصدمة، لكن هذا لا يلغي التحول الأساس، من تنظيمات تفرض نفوذها بثقة، إلى تنظيمات تحافظ على موقعها بحذر.

(اندبندنت عربية)
 

الفيس بوك
تويتر

جميع الحقوق محفوظة YemenFreedom ---- تصميم وبرمجة ALRAJIHI