غيّب الموت، اليوم الخميس، في العاصمة السعودية الرياض، الرئيس اليمني السابق عبد ربه منصور هادي عن عمر ناهز الثمانين عاماً، ليسدل الستار على حياة واحد من أكثر القادة السياسيين والعسكريين إثارة للجدل والتحولات في تاريخ اليمن المعاصر.
لم يكن هادي مجرد رئيس مرّ عابراً في تاريخ بلد مثقل بالصراعات، بل كان "رجل التحولات الصامتة" والمنعطفات الحرجة التي غيرت مجرى الأحداث السياسية في اليمن الحديث، الرجل الذي قذفت به الأقدار والتقاطعات الإقليمية والدولية ليكون في عين العاصفة، متحمّلاً عبء مرحلة انتقالية كادت أن تعبر باليمن إلى برّ الأمان، قبل أن تجرفه أمواج الانقلاب والحرب الأهلية والتدخلات الخارجية.
تنطلق السيرة السياسية والعسكرية لعبد ربه منصور هادي من كونه ابناً شرعياً لتعقيدات المشهد اليمني بضفتيه الشمالية والجنوبية. وتكشف قراءة مسيرته، وفق مقاربة تحليلية متوازنة، عن شخصية جمعت بين الانكفاء والانتظار الصبور، والقدرة على القفز إلى واجهة الأحداث في اللحظات التاريخية الفاصلة، منذ أن كان من أبرز الشخصيات العسكرية في جنوب اليمن قبل الوحدة اليمنية في 22 مايو/أيار 1990، وحتى مغادرته المشهد السياسي كلياً في إبريل/نيسان 2022 بتسليم صلاحياته لمجلس القيادة الرئاسي، بعد حياة سياسية وعسكرية حافلة بالجدل.
وُلد عبد ربه منصور هادي في الأول من سبتمبر/أيلول 1945 في قرية "الذَّكين" بمديرية الوضيع بمحافظة أبين (جنوبي اليمن)، ونشأ في تلك البيئة الريفية القاسية الخاضعة حينها للمحميات البريطانية، حيث بدأ شغفه بالعمل العسكري مبكراً، والتحق بمدرسة جيش محمية عدن، وتخرّج منها عام 1964، ليحصل بعدها على منحة دراسية عسكرية إلى بريطانيا، حيث تعلّم اللغة الإنكليزية، وتلقى تدريباً احترافياً في سلاح المدرعات، تلتها فترات ابتعاث وتأهيل عسكري رفيع في كل من مصر والاتحاد السوفييتي (أكاديمية فرونز العسكرية)، مما منحه خلفية استراتيجية عسكرية صلبة.
بعد استقلال جنوب اليمن (جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية) عام 1967، تدرّج هادي سريعاً في المناصب العسكرية بفضل كفاءته الإدارية وقدرته على النأي بنفسه عن الصراعات الأيديولوجية الحادة داخل الحزب الاشتراكي اليمني الحاكم آنذاك، وشغل مواقع قيادية بارزة داخل المؤسسة العسكرية الموالية للمعسكر السوفييتي، وصولاً إلى تعيينه نائباً لرئيس الأركان العامة لشؤون الإمداد والإدارة عام 1983.
إلا أن المحطة الفاصلة الأولى في حياته العسكرية والسياسية كانت أحداث 13 يناير/ كانون الثاني 1986 الدامية في عدن، وهي الحرب الأهلية الوجيزة والمدمرة داخل أجنحة الحزب الاشتراكي.
كان هادي ينتمي جغرافياً وسياسياً إلى جناح الرئيس علي ناصر محمد، وبعد هزيمة هذا الجناح، اضطر، مع الآلاف من العسكريين والسياسيين الجنوبيين (الذين عُرفوا لاحقاً بـ"الزُّمرة" بينما عُرف الطرف الآخر بـ"الطغمة")، إلى النزوح نحو شمال اليمن (الجمهورية العربية اليمنية) والاستقرار في صنعاء تحت رعاية الرئيس علي عبد الله صالح، ومنذ ذلك الحين، ارتبط مصير هادي السياسي بمسار الوحدة اليمنية التي أُعلنت عام 1990.
لم يكن هادي خلال السنوات الأولى للوحدة (1990- 1994) سوى قائد عسكري صامت، يدير محور البيضاء (وسط اليمن)، بعيداً عن تقاسم السلطة والنفوذ بين شريكي الوحدة (المؤتمر الشعبي العام بقيادة علي عبدالله صالح، والحزب الاشتراكي اليمني يقيادة علي سالم البيض). لكن مع انفجار الأزمة السياسية وتحولها إلى مواجهة عسكرية شاملة وحرب أهلية صيف عام 1994، عقب إعلان نائب الرئيس علي سالم البيض الانفصال، وجد هادي نفسه في موقع الصدارة.
استخدم الرئيس علي عبد الله صالح ورقة عسكريي الجنوب النازحين عام 1986، لتثبيت الوحدة بالحديد والنار، وكان هادي على رأس هؤلاء، حيث عُين وزيراً للدفاع في مايو/أيار 1994 أثناء سير المعارك، وقاد العمليات العسكرية بفاعلية من المحورين الشرقي والجنوبي ضد القوات المؤيدة للانفصال، مستفيداً من خبرته الطويلة ومعرفته بجغرافية الجنوب وتكتيكات جيشه السابق.
بانتصار معسكر صنعاء في 7 يوليو/تموز 1994، أضحى هادي شريكاً رئيسياً في شرعية حماية الوحدة. وفي أكتوبر/تشرين الأول من العام ذاته، اختاره علي عبد الله صالح ليكون نائباً لرئيس الجمهورية خلفاً لعلي سالم البيض.
طوال ثمانية عشر عاماً في هذا المنصب (1994- 2012)، اتسم دور هادي بالانكفاء التام والولاء الصامت، في ظل الحديث عن غياب الشرعية نتيجة رفض صالح إصدار قرار تعيين بعد انقضاء الولاية الأولى، ما جعله نائباً صورياً بلا صلاحيات أو نفوذ. كان صالح يفضل نائباً بلا طموحات سياسية معلنة ولا قاعدة قبلية أو عسكرية مستقلة في الشمال، ليظل هادي في الظل، يمارس مهاماً بروتوكولية، بينما تتركز الخيوط الفعلية للسلطة والجيش والأمن في يد صالح وعائلته، غير أن هذا الصمت والحياد المظهري كانا التذكرة التي عبر بها هادي إلى سدة الرئاسة عندما انفجرت الأرض تحت أقدام نظام صالح.
رجل المرحلة الانتقالية
جاءت ثورة الشباب الشعبية السلمية في فبراير/شباط 2011، لتخلط الأوراق السياسية في اليمن. ومع اشتداد الأزمة، وتصاعد رصاص النظام ضد المتظاهرين، تبلورت "المبادرة الخليجية" وآليتها التنفيذية برعاية أممية ودولية، كطوق نجاة لمنع انزلاق البلاد نحو حرب أهلية شاملة، حيث نصت المبادرة على تنحي صالح ونقل صلاحياته إلى نائبه عبد ربه منصور هادي.
في 21 فبراير/شباط 2012، انتُخب هادي رئيساً توافقياً لليمن مرشحاً وحيداً في استفتاء شعبي حشد ملايين اليمنيين الحالمين بالتغيير والاستقرار، حيث نُظر إلى هادي حينها بوصفه رجل المرحلة الانتقالية، القائد الذي يمتلك شرعية دستورية وشمالية وجنوبية، والمدعوم بإجماع دولي وإقليمي غير مسبوق.
قاد هادي مرحلة الانتقال بحذر شديد وسط حقل ألغام سياسي وعسكري؛ فنظام صالح السابق كان لا يزال ممسكاً بمفاصل الدولة والجيش، والثوار يطالبون بهيكلة عاجلة للمؤسسة العسكرية، والقضية الجنوبية تغلي في الشارع.
وفي هذا الصدد، حقق هادي أبرز إنجاز سياسي في مسيرته، تمثل في إصدار قرارات جريئة لإعادة هيكلة الجيش والأمن (2012-2013)، هدفت لإزاحة أقارب صالح من قيادة الألوية العسكرية والأجهزة الأمنية الحساسة، وتوحيد القرار العسكري تحت مظلة وزارة الدفاع.
كما يُحسب لهادي إطلاق مؤتمر الحوار الوطني الشامل (مارس 2013 - يناير 2014) الذي جمع كل المكونات اليمنية المتصارعة (بما في ذلك الحراك الجنوبي، والحوثيون، والشباب، والنساء، والأحزاب التقليدية) على طاولة واحدة، وتمخضت عنه وثيقة مخرجات الحوار الوطني التي رسمت ملامح جمهورية اليمن الاتحادية من ستة أقاليم، وصياغة مسودة دستور جديد لليمن.
وبينما كانت مسودة الدستور الجديد تقترب من الإقرار، بدأت قوى الثورة المضادة والمليشيات الطائفية في التحرك لإجهاض هذا المشروع، فتحالفت جماعة أنصار الله (الحوثيون) مع الرئيس السابق علي عبد الله صالح، مستغلة حالة الإرباك السياسي والضعف الهيكلي في مؤسسات الدولة.
وفي سبتمبر/أيلول 2014، اجتاحت مليشيا الحوثي العاصمة صنعاء، وسيطرت على المؤسسات الحكومية، في ما عُرف بالانقلاب على التوافق الوطني. حاول هادي المناورة عبر توقيع "اتفاق السلم والشراكة الوطنية"، لكن شهية الحوثيين للتوسع لم تتوقف، وانتهى الأمر بفرض الإقامة الجبرية على الرئيس هادي في منزله بصنعاء في يناير/كانون الثاني 2015، بعد تقديم استقالته التي رفضها البرلمان.
في تحول دراماتيكي يبرز قدرة هادي على كسر الجمود، نجح في العبور والاختراق والإفلات من الإقامة الجبرية في فبراير/شباط 2015، والوصول إلى عدن، حيث سحب استقالته وأعلن عدن عاصمة مؤقتة، مجدداً تمسكه بالشرعية الدستورية ومخرجات الحوار الوطني.
ومع زحف المليشيات الحوثية وقوات صالح نحو عدن، غادر هادي إلى سلطنة عمان ومنها إلى المملكة العربية السعودية، ليطلب تدخلاً عسكرياً عربياً لإنقاذ شرعيته. وفي 26 مارس/آذار 2015، أعلنت السعودية انطلاق عمليات عاصفة الحزم بقيادة التحالف العربي.
طوال سنوات الحرب التي تلت ذلك، أدار هادي الدولة من مقره في الرياض وسط تعقيدات بالغة، حيث تآكلت سلطة الدولة لمصلحة تشكيلات مسلحة متعددة الولاءات في المناطق المحررة، وضغوط إقليمية مكثفة، وتدهور اقتصادي وإنساني مريع جعل اليمن يعيش أسوأ أزمة إنسانية في العالم.
وفي 7 إبريل/نيسان 2022، وفي تحول أخير ومفاجئ، رتبته المشاورات اليمنية-اليمنية في الرياض بإيعاز إقليمي، أعلن الرئيس هادي نقل كامل صلاحياته وصلاحيات نائب الرئيس إلى مجلس القيادة الرئاسي برئاسة رشاد العليمي، منهياً عقداً كاملاً من حكمه، ليعيش ما تبقى من عمره بعيداً عن صخب السياسة وتحت الرعاية الطبية حتى وفاته اليوم الخميس.
إرث سياسي
ترحل شخصية عبد ربه منصور هادي لتترك وراءها إرثاً سياسياً سيظل مادة خصبة للمؤرخين والمحللين السياسيين، حيث يرى فيه أنصاره حارس الشرعية الدستورية الذي تحمّل المسؤولية في أخطر المنعطفات التاريخية، ورفض التنازل عن مشروع الدولة الاتحادية والديمقراطية التعددية، ونجح في صياغة مخرجات حوار وطني مثلت العقد الاجتماعي الأرقى لليمنيين.
وفي المقابل، ينتقده خصومه وحتى بعض حلفائه، بالبطء في اتخاذ القرارات المصيرية، والاعتماد المفرط على الدعم الخارجي، والعجز عن حسم المعركة العسكرية أو بناء نموذج حكم جاذب ومستقر في المناطق المحررة، مما سهل على المليشيات الانقضاض على الدولة.
رحل المشير عبد ربه منصور هادي، لكن اليمن الذي تركه، لا يزال يبحث عن مخرج من النفق المظلم الذي دخله خلال سنوات حكمه. نفق لم يكن هادي صانعه، بل كان رباناً لسفينة تتقاذفها أمواج محلية وإقليمية عاتية، بذل ما في وسعه لتبلغ الشاطئ، لكن الرياح جرت بما لا تشتهي سفن الجمهورية اليمنية.
(العربي الجديد)