7 يونيو 2026
7 يونيو 2026
يمن فريدم-توفيق الشنواح


في ظل التحولات التي شهدها اليمن الأعوام الماضية، برز ميناء الحديدة كواحد من أهم المرافئ المائية الضالعة في الصراع من الناحيتين الاستراتيجية والجيوسياسية التي يمثلها.

يتميز الميناء الواقع في منتصف السواحل الغربية المطلة على البحر الأحمر بمدينة الحديدة، بحماية طبيعية من الرياح الشديدة بسبب امتداد رأس الكثيب من الناحية الغربية وساحل المدينة من الجوانب الشمالية والشرقية الجنوبية.

يعد الميناء الشريان التجاري والاقتصادي الأبرز بعد ميناء عدن، والبوابة الرئيسة المطلة على البحر الأحمر، والممر الأول للحركة التجارية والطريق نحو الجزر اليمنية الاستراتيجية باستقباله نحو 70 في المئة من الواردات والمساعدات الإنسانية للكتلة السكانية الأضخم في مناطق الشمال، التي تشكل ثلثي سكان البلاد البالغ نحو 33 مليون نسمة، إذ يمدها باحتياجها اليومي من السلع والمواد الغذائية والأدوية والمحروقات وغيرها.

وتفسيراً لاستماتة الجماعة الحوثية إحكام قبضتها عليه منذ عام 2014 يتربع الميناء على موقع استراتيجي حيوي بفضل قربه من خطوط الملاحة الدولية، ويعد المورد الاقتصادي الأبرز في المناطق الشمالية حتى بات محور الصراع الدائر في الساحل الغربي اليمني الذي يتوقع أن يغير رسم الخريطة الجيوسياسية للبلاد وإن موقتاً في الأقل.

شيء من التاريخ

لم يعلم الإمام أحمد حميد الدين (آخر أئمة الزيدية الحاكمة في شمال اليمن) أن الميناء الذي أنشئ في عهده بالتعاون مع الاتحاد السوفياتي حينها عام 1961 سيغدو عقب عام واحد فحسب، المورد الرئيس لاستقبال الدعم العسكري الذي سيتلقاه ثوار ثورة الـ26 من سبتمبر (أيلول) 1962 ضد نظام حكمه الملكي، خصوصاً من القوات المصرية.

تبلغ عدد أرصفته ثمانية أرصفة بطول إجمال 1461 متراً إضافة إلى رصيفين بطول 250 متراً تقع في حوض الميناء مخصصة لتفريغ ناقلات البترول والمشتقات النفطية الأخرى، فيما يبلغ غاطس هذه الأرصفة 10 أمتار في حالة الجزر الأدنى.

ويقع به 12 مستودعاً بمساحة إجمالية 37.230 متر مربع، وبحجم 260.820 متر مربع وهي مخصصة لتخزين وحفظ البضائع والسلع والمواد الغذائية المختلفة.

صراع مؤجل

وعلى رغم المعارك العنيفة التي دارت رحاها حوله من ثلاثة اتجاهات خلال سعي القوات الشرعية استعادة السيطرة عليه، فإن القبضة الحوثية استمرت تتحكم به مما منحهم مدخولاً مالياً هو الأضخم في موارد سلتهم الاقتصادية، لتعيد أحداث البحر الأحمر على مدى الأعوام الثلاثة الماضية التعريف بالقدرات المسلحة للجماعة التي تسيطر أيضاً على شريط ساحلي يقدر بنحو 270 كيلومتراً من شواطئ الحديدة، بما فيها 100 كيلومتر التي انسحبت منها "القوات المشتركة" التابعة للحكومة الشرعية المدعومة من التحالف العربي بقيادة السعودية بعدما طوقت المدينة من ثلاث جهات، وكانت قاب قوسين من السيطرة عليها لولا الضغوط الدبلوماسية التي انتهت باتفاق ستوكهولم الخاص بالميناء عام 2018.

إعادة التعريف

اتجهت أنظار العالم إليه بعد سلسلة الغارات التي شنتها كل من المقاتلات الأميركية - البريطانية على الميناء والمناطق المحيطة به، لتعيد اكتشاف أهمية الميناء الاستراتيجية في المدينة، التي تضم ميناءين آخرين هما ميناء الصليف الشهير بإنتاج وتصدير الملح، يليه ميناء رأس عيسى النفطي.

ومع ازدياد هواجس الأمن البحري عبر خطوط الملاحة الدولية التي تغذي سلاسل الإمداد التجاري العالمي قادت هذه المكانة إلى كشف الأهمية الجيوسياسية لسواحل الحديدة في نطاق التوترات الجارية في البحر الأحمر وخليج عدن، وفهم طبيعة الصراع بين القوى اليمنية التي تتنازع السيطرة على هذا الشريط الساحلي.

بالإضافة إلى محاولة فهم أقرب لطبيعة الميليشيات اليمنية الراديكالية عقب هجماتهم التي تجاوزت الـ190 حادثة مدرجة أبلغت عنها منظمات الأمن البحري واستهدفت بصواريخ بحرية تُتهم بأنها إيرانية، السفن المارة في البحر الأحمر وخليج عدن، بادعاء "مناصرة الفلسطينيين ضد إسرائيل" خلال الحرب التي شهدها قطاع غزة، مما أجبر عدداً من شركات الشحن إلى تغيير خطوط مرورها إلى رأس الرجاء الصالح بدلاً من قناة السويس المصرية.

استغلال عسكري

طوال أعوام الحرب استخدمت الميليشيات الموانئ الطبيعية والمرافئ التقليدية التي لا تقل عن 12 موقعاً كنقاط استقبال لشحنات السلاح إضافة إلى استخدامها غابات النخيل والأحراش الواقعة في عدد من مناطق الشريط الساحلي الغربي كمخازن للسلاح والذخيرة ومنصات لنصب الرادارات والصواريخ، وهي في الغالب غير ثابتة لأنها تخضع لطبيعة الاحتياج الحربي، وكانت الذروة بين عامي 2015 و2018 خصوصاً في حربهم ضد قبيلة الزرانيق في أغسطس 2015 وبعدها الحرب نحو المخا وتعز وعدن.

يقول المحلل الاستراتيجي عبدالعزيز الهداشي إن أهمية الميناء تأتي من كونه الميناء الرئيس على البحر الأحمر كنقطة سيطرة تتحكم في حركة الملاحة نحو باب المندب، مما جعله محوراً للصراع وقربه من الحدود السعودية والقادر على استيعاب السفن الكبيرة لتلبية حاجات غالبية السكان شمال البلاد.

إضافة إلى "قربه من الجزر اليمنية الاستراتيجية كافة وأهمها جزيرتا حنيش الكبرى والصغرى وجزيرة جبل صقر".

ويعد وفقاً للهداشي "الجاهز فنياً كميناء عالمي لاستقبال كبرى السفن وتوفير خدمات التفريغ والنقل كافة وغيرها بخلاف باقي الموانئ الأخرى في نفس الشريط نظراً إلى تجهيزه وتحديثه الممتد منذ عقود طويلة".

فيما تكمن أهميته العسكرية في "موقعه الذي يتوسط السواحل والموانئ اليمنية في البحر الأحمر، ولهذا استغله الحوثيون للانطلاق نحو مهاجمة السفن والقطع البحرية واستقبال الأسلحة الإيرانية".

العمليات الأكبر

عقب شنِّهم سلسلة عمليات على السفن المارة في المياه الدولية ونحو إسرائيل، نفذت الأخيرة ضربات جوية عنيفة استهدفت مستودعات النفط داخل الميناء في محاولة لإضعاف القدرات العسكرية والاقتصادية للحوثيين، فيما اعتبر وفقاً لمراقبين تدميراً لمقدرات الشعب اليمني المغلوب على أمره بين ميليشيات تقامر به وتدخلات إسرائيلية تتخذه ذريعة لعمليات توسعية.

فيما تلاه تحالف أميركي - بريطاني خلال الـ12 من يناير/ كانون الثاني 2024 شن غارات استهدفت مواقع للحوثيين في محيطه إضافة لمناطق مختلفة يسيطرون عليها شمال اليمن، رداً على هجماتهم البحرية.

أمام تعريض مقدرات اليمنيين للتدمير، دانت الحكومة الشرعية التي تتخذ من عدن عاصمة موقتة لها، "بأشد العبارات عدوان الكيان الإسرائيلي على الحديدة وانتهاكه لسيادة الأراضي اليمنية في مخالفة صريحة لجميع القوانين والأعراف الدولية". وفقاً لوكالة "سبأ" الرسمية.

شريان النبض الأخير

يمثل وفقاً لمراقبين اقتصاديين، شريان الحياة الذي يمد الحوثيين بأسباب البقاء الذي بمجرد قطعه ستدخل الميليشيات في حال موت سريري قد يجهز عليها بصورة نهائية.

في بيان لها خلال أغسطس/ آب 2023، كشفت الحكومة اليمنية المعترف بها عن حجم الإيرادات التي استولى عليها الحوثيون من المشتقات النفطية الواردة عبر الميناء الخاضع لسيطرتها، منذ إعلان الهدنة الأممية عام 2018 بموجب اتفاق ستوكهولم.

وأشار وزير الإعلام معمر الإرياني خلال تصريح نشرته وكالة الأنباء اليمنية "سبأ" إلى أن ذلك يعادل "أكثر من 4 مليارات ليتر من النفط، 50% منها قُدم للميليشيات مجاناً من قبل إيران وجرى بيعه في الأسواق المحلية بسعر 450 ريالاً يمنياً لليتر الواحد، بقيمة إجمالية بلغت 3 مليارات ونصف مليار دولار، بما يعادل تريليوني ريال يمني، منها تريليون قيمة النفط الإيراني".

وكشف الإرياني أن الكلفة الفعلية لليتر الواحد في مناطق سيطرة الحوثيين تبلغ من 300 - 350 ريالاً بعد إضافة الأعباء كافة لليتر على سعر صرف الدولار، بفارق 100 ريال يمني بين السعر الفعلي وسعر البيع بإجمالي 400 مليار ريال يمني عن الكميات الواردة للميناء منذ بدء الهدنة حتى الآن.

وذكر الوزير اليمني أن ميليشيات الحوثي تفرض 120 دولاراً كرسوم ضريبية وجمركية على الطن الواحد من المشتقات النفطية الواردة عبر الميناء "أي ما يساوي 50 ريالاً يمنياً على الليتر الواحد، بإجمالي 200 مليار ريال يمني، جرى تحصيلها من قبلها عن الكميات الواردة".

تكشف هذه الأرقام عن المورد الضخم الذي تجنيه الجماعة وهو ما يفسر تكريس حضورها قوتها العسكرية هناك لإطالة أمد سيطرتها أطول فترة ممكنة.

(اندبندت عربية)
 

الفيس بوك
تويتر

جميع الحقوق محفوظة YemenFreedom ---- تصميم وبرمجة ALRAJIHI