تواجه إيران في العراق حاليا تحديات ربما لم تعرفها منذ سنوات. فالحكومة الجديدة برئاسة علي الزيدي تعلن أنها تريد حصر السلاح بيد الدولة، وتسعى لعلاقات أوثق مع واشنطن، في حين تتعرض طهران وحلفاؤها لضغوط إقليمية وأميركية متصاعدة.
لكن النفوذ الذي بنته إيران في العراق منذ عام 2003 لا يعتمد على الفصائل المسلحة وحدها. إذ نسجت خلال أكثر من عقدين شبكة واسعة من العلاقات مع أحزاب وقوى سياسية ومؤسسات اقتصادية وأمنية، ما يجعل الحديث عن تراجع نفوذها أكثر تعقيدا من مجرد النظر إلى عدد الجماعات التي وافقت، حتى الآن، على تسليم سلاحها والاندماج في مؤسسات الدولة العراقية.
ومن شأن خطوات الزيدي، بالتزامن مع زيارته الأولى إلى واشنطن، الكشف عما إذا كانت التحولات الإقليمية والضغوط الأمريكية قد بدأت فعلا في إضعاف موقع إيران داخل العراق، أم أن طهران ستعيد توظيف شبكاتها السياسية والاقتصادية والأمنية للحفاظ على حضورها بوسائل أقل وضوحا.
وكانت مصادر عراقية مقربة من رئيس الحكومة ومن الإطار التنسيقي قد أبلغت "الحرة" الأسبوع الماضي بأن الزيدي عقد، أواخر يونيو، لقاءين منفصلين مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي وقائد فيلق القدس إسماعيل قاآني، شهدا توترا بسبب ملف الفصائل المسلحة والسلاح خارج إطار الدولة.
وبحسب المصادر، رفض الزيدي خلال لقائه مع عراقجي أي تدخل خارجي في الملف الأمني العراقي، وسأل المسؤول الإيراني: "هل تقبلون أن أتدخل في ملفكم الأمني أو أؤسس فصائل مسلحة لديكم؟"، قبل أن يؤكد أن بقاء السلاح خارج مؤسسات الدولة يضر بسيادة العراق وعلاقاته الخارجية.
وحمل الزيدي الرسالة نفسها إلى قاآني، مطالبا إيران بدعم مؤسسات الدولة بدلا من الفصائل المسلحة، في إطار مساعيه لحصر السلاح بيد الحكومة قبل انتهاء مهمة التحالف الدولي في سبتمبر المقبل.
ويمثل العراق أهمية كبيرة لإيران على المستويات الأمنية والسياسية والاقتصادية. فالبلدان يشتركان بحدود تمتد لأكثر من 1400 كيلومتر، والعراق أحد الشركاء التجاريين الرئيسيين لطهران، كما تنظر إيران إلى نفوذها فيه بوصفه جزءا أساسيا من أمنها الإقليمي ومن قدرتها على مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها.
يقول مايكل نايتس، رئيس قسم الأبحاث في شركة "هورايزن إنغيج" للاستشارات الاستراتيجية في نيويورك، إن الحديث عن نهاية النفوذ الإيراني لا يزال مبكرا، لكن طهران تواجه في العراق تحديات فعلية لم تكن موجودة قبل سنوات قليلة.
وأضاف نايتس لـ"الحرة": أن "إيران تواجه حاليا صعوبة في منافسة الولايات المتحدة في العراق على المستويات الأمنية والسياسية والاقتصادية".
وتحظى حكومة الزيدي، التي تشكلت في مايو، بدعم واضح من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي كان قد عارض ترشيح رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، مرشح الإطار التنسيقي الحاكم، للعودة إلى رئاسة الحكومة.
وضغطت إدارة ترامب خلال الأشهر الماضية على بغداد من أجل الحد من نفوذ الفصائل المرتبطة بطهران، ومنع منح ممثلين عنها مواقع داخل التشكيلة الوزارية.
كما فرضت واشنطن عقوبات على مسؤولين حكوميين عراقيين، من بينهم وكيل في وزارة النفط، متهمة إياه باستغلال منصبه لتسهيل تحويل شحنات من النفط العراقي لمصلحة إيران.
ووضعت حكومة الزيدي ملف السلاح خارج الدولة على رأس أولوياتها. وقالت إنها توصلت إلى تفاهمات مع فصيلي عصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي تقضي بوضع تشكيلات عسكرية تابعة لهما تحت سلطة الحكومة ودمجها بصورة أكبر في مؤسسات الدولة.
لكن مدى تنفيذ هذه التفاهمات لا يزال غير واضح، ولم تعلن الحكومة تفاصيل بشأن الأسلحة التي ستسلم أو الوحدات التي ستعاد هيكلتها، ما يترك أسئلة بشأن ما إذا كانت الخطوة تمثل تحولا حقيقيا أم ترتيبا تنظيميا محدودا.
وتأتي هذه التحركات في وقت تراجع فيه موقع إيران الإقليمي بعد سقوط نظام بشار الأسد في سوريا عام 2024، والضربات الإسرائيلية التي أضعفت حزب الله اللبناني وأدت إلى مقتل عدد من قادته، بينهم حسن نصر الله، فضلا عن الخسائر التي لحقت بحركة حماس منذ هجومها على إسرائيل في أكتوبر 2023.
وزادت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، التي اندلعت في فبراير، الضغوط على طهران وأثرت في قدرتها على دعم حلفائها بالموارد نفسها التي كانت متاحة لها في السابق.
وقال نايتس إن الحروب التي اندلعت منذ عام 2023 أضعفت هيمنة إيران الإقليمية، فيما بدأت العقوبات الأمريكية الأخيرة داخل العراق، للمرة الأولى، تستهدف ممولين كبارا مرتبطين بطهران على مستوى قيادي.
وأضاف: "هذه أول حكومة عراقية منذ عام 2005 كان للولايات المتحدة فيها تأثير أكبر بكثير من إيران على هوية رئيس الوزراء الجديد.
وطالما ظل مسؤولون أمريكيون مثل المبعوث الخاص للعراق وسوريا توم براك منخرطين، واستمرت العقوبات أداة ضغط محتملة، فستبقى إيران في موقف دفاعي".
ومع ذلك، لا يقتصر نفوذ إيران في العراق على الجماعات المسلحة. فقد بنت طهران علاقات وثيقة مع أحزاب سياسية وكتل برلمانية وشخصيات داخل مؤسسات الدولة، فضلا عن شبكات تجارية ومالية ودينية تمتد من بغداد إلى المحافظات الجنوبية والمناطق الحدودية.
ولهذا يرى مراقبون أن تنظيم ملف السلاح قد يمثل خطوة مهمة في إعادة تأكيد سلطة الدولة، لكنه لن يكون كافيا وحده لإعادة رسم موازين النفوذ داخل العراق.
ولا يعتقد منقذ داغر، رئيس المجموعة المستقلة للأبحاث، أن النفوذ الإيراني يتجه بالضرورة نحو الانكماش.
ويرى أن طهران ستلجأ إلى وسائل أكثر هدوءا وأقل ظهورا للحفاظ على حضورها، بينما تحاول بغداد بدورها تحقيق توازن في علاقاتها مع واشنطن وطهران.
وقال داغر لـ"الحرة": "نفوذ إيران لن يختفي، لكنه سيتغير ويتخذ مسارات وأساليب مختلفة. وما نشهده حاليا هو نتيجة للتطورات الإقليمية التي بدأت بعد أكتوبر 2023".
وأضاف أن الحكومات العراقية لا تزال تجد صعوبة في صياغة سياسات مستقلة تماما تجاه الولايات المتحدة وإيران، بسبب نفوذ القوتين داخل النظام السياسي العراقي.
ولا تزال فصائل مسلحة رئيسية مرتبطة بطهران ترفض خطة حصر السلاح بيد الدولة، وتربط أي خطوة في هذا الاتجاه بخروج قوات التحالف الدولي من العراق، المتوقع في سبتمبر المقبل.
ومن أبرز هذه الجماعات كتائب حزب الله وحركة النجباء، وهما مدرجتان على قوائم الإرهاب الأمريكية وتعدان من الركائز الأساسية لما يعرف بمحور المقاومة الذي تقوده إيران.
وتقول هذه الفصائل إن العراق لا يزال خاضعا لوجود عسكري أمريكي غير مقبول، وإنها لن تتخلى عن سلاحها قبل رحيل القوات الأجنبية.
ويضع هذا الرفض حكومة الزيدي أمام اختبار مبكر. فهي تسعى إلى إقناع واشنطن بأنها قادرة على فرض سلطة الدولة، لكنها تعتمد سياسيا على ائتلاف يضم أحزابا وقوى لها صلات مباشرة بالفصائل التي تطالبها بنزع سلاحها.
وقد يدفع ذلك طهران إلى تجنب مواجهة مباشرة مع الحكومة العراقية خلال المرحلة المقبلة، والاعتماد بدلا من ذلك على كسب الوقت، والحفاظ على نفوذها السياسي والاقتصادي، وانتظار تغير أولويات واشنطن.
وقال نايتس إن "أفضل استراتيجية لإيران هي الانتظار حتى تفقد الولايات المتحدة اهتمامها بالعراق مع نهاية إدارة ترامب".
وأضاف: “من المرجح أن يلتزم الحرس الثوري الإيراني ووكلاؤه العراقيون الهدوء لتجنب العقوبات والضربات الأميركية، أو حتى الاعتقال من قبل الحكومة الجديدة”.
وبذلك، قد تكون إيران أضعف في العراق مما كانت عليه قبل سنوات، لكنها لم تفقد بعد الأدوات التي تتيح لها التأثير في قراراته.
وسيعتمد مصير هذا النفوذ على قدرة حكومة الزيدي على تحويل تعهداتها إلى إجراءات فعلية، وعلى ما إذا كانت واشنطن مستعدة لمواصلة الضغط فترة أطول من طهران.
(الحرة)