8 أغسطس 2026
7 أغسطس 2026
يمن فريدم-العرب اللندنية


يصعب اختصار تجربة المغنية اليهودية ذات الجذور اليمنية شيران تسفيرا في كونها عضوة في أنسامبل "بنات اليمن"، كما لا يكفي أن نضع اسمها ضمن قائمة الفنانات اللواتي يعدن غناء التراث اليمني في إسرائيل.

كلما اقتربنا من تجربتها واستمعنا إلى تسجيلاتها وتعاوناتها المختلفة، ظهرت أمامنا فنانة تبحث بهدوء عن طريقها الخاص؛ طريق يبدأ من ذاكرة العائلة والبيت، ثم يمر بأغاني النساء والحناء والأعراس، لينفتح على الفانك والروك والموسيقى الإلكترونية والمزج الموسيقي الحديث، من دون أن ينقطع الخيط الذي يعيدها في كل مرة إلى اليمن وتراثه.

ربما كان هذا أحد أسباب انجذابي إلى تجربتها واهتمامي بها. فهي لا تبدو فنانة تتعامل مع التراث كمادة قديمة ينبغي حفظها خلف زجاج متحف، وترفض في المقابل أن تتخلص من ملامحه حتى تصبح أكثر حداثة.

ثمة منطقة وسطى تتحرك فيها شيران بحرية: تحب الأغنية القديمة، تبحث عنها وتغنيها، لكنها تسأل أيضًا كيف يمكن لهذه الأغنية أن تعيش اليوم، وكيف يمكن أن يسمعها شخص لم يعرف اليمن ولم يكبر في بيت يمني.

وما يزال مشروعها الفني مفتوحًا على احتمالات كثيرة. ربما لم نرَ حتى الآن كل ما تستطيع أن تقدمه، لكن ما أنجزته يكشف عن حلم يتشكل بالتدريج، حتى وإن لم تصغه في بيانات كبيرة أو شعارات فنية. يمكن أن نلمس هذا الحلم في استمرارها، وفي انتقالها من تجربة إلى أخرى، وفي رغبتها بأن تمنح الأغنية اليمنية حياة جديدة وجمهورًا جديدًا.

موسيقى قديمة بروح معاصرة

علاقة شيران باليمن لم يكن اختيارًا موسيقيًا جاء متأخرًا بحثًا عن لون مختلف تكسب منه حضورًا على السوشيال ميديا، ​​كما يفعل البعض. ما يميزها أنها بدأت من العائلة والبيت والذاكرة.

وقد أخبرتني، في مراسلات شخصية بيننا، أن جدها كان يغني في حفلات الحناء والأعراس في اليمن، وأن والدها من عائلة تسفيرا، بينما تنتمي والدتها إلى عائلة تسانحاني، المرتبطة بمنطقة سنحان في اليمن.

قد تبدو هذه التفاصيل بسيطة، لكنها تساعدنا كثيرًا على فهم علاقتها بالموسيقى. فالأغنية هنا ليست شيئًا اكتشفته في أرشيف أو قرأته في كتاب أو اسطوانة، وإنما صوت كان موجودًا وحاضرًا قبلها داخل عائلتها اليمنية. وحين يكون الجد مغنيًا في حفلات الحناء والأعراس، تصبح هناك سلسلة خفية تربط الحفيدة بأصوات سبقتها.

في المجتمع اليمني، لم يكن الغناء في الأعراس والحناء منفصلًا عن الحياة اليومية. وكما نعرف جميعًا فقد كانت الأغنية جزءًا من المناسبة وذاكرتها، وتنتقل من شخص إلى آخر ومن جيل إلى جيل. وكثير من الأغاني عاش طويلًا في الذاكرة الشفوية قبل أن يصل إلى التسجيلات الحديثة.

وشيران نفسها ما تزال تغني وتعمل في أجواء الحناء والزفة، ولذلك فهي تعرف هذا العالم من داخله، لا باعتبارها باحثة تراقبه من بعيد، لكن بصفتها فنانة تشارك وتعيش اليمن من خلال تراثة وتفاصيله الساحرة.

من أجمل ما وجدته أثناء عملي على مشروع توثيق ثقافة وفنون يهود اليمن أن بعض الفنانين والفنانات فتحوا لي نافذة صغيرة على عالمهم الشخصي، وكانت شيران واحدة منهم. كتبت لي رسائل قصيرة، لكنها كشفت الكثير عن علاقتها بالتراث.

قالت إنها سعيدة بمتابعة عملي في البحث والتوثيق، ثم تحدثت عن تجربتها هي، موضحة أنها كلما اكتشفت المزيد من الأغاني، تعمقت أكثر في ثقافتها، ووجدت أمامها عالمًا واسعًا ومدهشًا والكثير من الكنوز ماتزال مدفونة.

أحببت هذه الفكرة كثيرًا، لأنها تكشف أن شيران لا تتعامل مع معرفتها بالتراث على أنها مكتملة. هي نفسها ما تزال تكتشف وتتعلم وتطور تجاربها وشركاتها الفنية.

وكل أغنية جديدة يبدو أنها تقودها إلى حكاية أخرى، وإلى لهجة أو لحن أو مناسبة اجتماعية كانت مجهولة بالنسبة إليها.

ثم شرحت لي رؤيتها الفنية بوضوح. قالت إنها تغني الموسيقى اليمنية الأصيلة، وفي الوقت نفسه تقدم المزج الموسيقي، وتحاول الحفاظ على الأغاني من خلال تكييفها مع أساليب موسيقية أخرى، لأن ذلك يسمح لجمهور أوسع باكتشاف الموسيقى والتراث اليمنيين. وأضافت أنها تسعى إلى حمل الموسيقى اليمنية إلى العالم بأشكال وأساليب متنوعة.

هذه الكلمات، في تقديري، هي المفتاح الأفضل لفهم تجربتها. شيران تريد أن تحفظ، لكنها تريد أيضًا أن تتحرك. تريد أن تبقى الأغنية مرتبطة بجذورها، لكنها لا تريد أن يبقى جمهورها محصورًا في اليمنيين أو اليهود اليمنيين.

ويمكن تتبع مشاركات موسيقية لها سبقت حضورها الحالي، لكن عام يمثل محطة بارزة في مسارها، عندما التقى صوتها بفرقة "سابابا فايفا".

لم يكن اللقاء مجرد استضافة عابرة لمغنية، لكنه بدا كأنه لقاء بين صوت يحمل ذاكرة يمنية وفرقة تبحث عن لغة موسيقية معاصرة تستفيد من موسيقى الشرق الأوسط والفانك والديسكو والروك والإيقاعات الحديثة.

جاءت النتيجة في مشروع "رالي"، الذي منح شيران مساحة مهمة للوصول إلى مستمعين جدد. ظهرت أغنية "يا هيه" في مايو 2022 وكانت أولى أغانيها التي مهدت للمشروع، ثم جاءت أعمال أخرى، منها "يا هزلي" و"سعي يونا" و"سبري تما".

في هذه التسجيلات أدت شيران الغناء وشاركت في الإيقاع، بينما أحاط بها تكوين موسيقي يعتمد على الغيتار والباص ولوحات المفاتيح والطبول. ومع ذلك، لم يختف الصوت اليمني وسط الآلات الحديثة. وهنا تكمن إحدى نقاط قوة التجربة.

فالمزج الموسيقي الناجح لا يعني ببساطة وضع إيقاع حديث خلف أغنية قديمة، وإنما إيجاد مساحة يستطيع فيها القديم والجديد أن يتحاورا. وصوت شيران منح هذه الأعمال هويتها؛ فهي لا تبدو مغنية شرقية، لكنها فنانة تأتي من داخل هذه الذاكرة وتحاول أن تأخذها معها إلى مكان آخر.

وتكشف أغنية "سبري تما" وجهًا آخر من التجربة، إذ تقربنا من عالم الشعر والغناء اليهودي اليمني. هنا نلاحظ أن طريق شيران إلى اليمن كان متعددًا؛ فهي تدخل إليه مرة عبر الأغنية العربية اليمنية، ومرة ​​عبر التراث الشعري والغنائي اليهودي اليمني. وفي الحالتين يبدو أنها تحاول أن تجعل المادة القديمة قادرة على مخاطبة مستمع معاصر.

إلى جمهور أوسع

لا أظن أنها تحاول بتسجيلاتها الحديثة منافسة التسجيلات التراثية القديمة في أصالتها التاريخية، ولا أعتقد أن هذه المقارنة مفيدة.

التسجيل القديم يحمل زمنه ووظيفته الاجتماعية وبيئته، أما التسجيل الجديد فيطرح سؤالًا آخر: كيف يمكن لأغنية يمنية قديمة أن تصل اليوم إلى شاب في باريس أو لندن أو نيويورك لا يعرف شيئًا عن البيئة التي ولدت فيها؟

مع انتشار مشروع "رالي"، بدأت التجربة تتجاوز الفضاء الإسرائيلي المحلي، وحظيت الموسيقى باهتمام خارج إسرائيل، ووصلت إلى دوائر موسيقية وإذاعية دولية، كما ظهرت توزيعات جديدة لبعض الأعمال. وهذا النجاح مهم، أخبرتني أنها تسعى إليه: أن يصل التراث اليمني إلى جمهور أوسع.

وقد يكون المستمع الذي يكتشف أغنية يمنية من خلال إيقاعات الفانك أو الديسكو بعيدًا تمامًا عن عالم الأعراس اليمنية وطقوس الحناء، لكنه أيضًا يدخل إلى هذا التراث من بوابة الموسيقى. وربما يدفعه الفضول بعد ذلك إلى البحث عن أصل الأغنية وحكايتها وثقافتها. وهذه إحدى أجمل وظائف المزج الموسيقي عندما يحترم مصادره؛ فهو لا يلغي الأصل، بل العكس يمنح الأغنية مساحة جديدة للحياة.

ولم تتوقف تجربة شيران عند سابابا فايف. فقد خاضت تعاونات أخرى أخذتها نحو الموسيقى الإلكترونية الراقصة ذات التأثيرات والإيقاعات الإفريقية، كما في أغنية "يوما". وتكشف هذه الخطوة جانبًا آخر من جرأتها ورغبتها في اختبار مساحات موسيقية مختلفة.

المسافة تبدو كبيرة بين أغنية كانت النساء تغنيها في بيئة يمنية وبين فضاء موسيقي إلكتروني معاصر، لكن شيران تبدو مهتمة بهذه المسافة تحديدًا. كأنها تختبر إلى أي مدى يستطيع الصوت اليمني أن يسافر، وأن يدخل أماكن لم تكن متوقعة له.

ومن تسجيلاتها الأخرى أغنية "مسكين يا ناس" مع أريئيل نحوم، وهي إضافة أخرى إلى شبكة تعاوناتها. فشيران لا يبدو أنها تبني تجربتها حول صورة المغنية المنفردة فقط؛ نراها مرة مع فرقة، ومرة ​​داخل أنسامبل نسائي، ومرة ​​في تعاون مستقل.

وربما لهذا لا نجد حتى الآن مشروعًا شخصيًا كبيرًا يجمع كل هذه الخيوط تحت اسمها وحدها، لكنا نجد بدلًا منه مسارًا من التجارب المتنوعة التي تكشف تدريجيًا ملامح شخصيتها الفنية.

بنات اليمن

وإذا كان تعاونها مع سابابا فايف يمثل وجهها الأكثر تجريبًا، فإن وجودها في "بنات اليمن" يكشف وجهًا آخر لا يقل أهمية. يركز المشروع على ، وهو تراث ظل جانب منه بعيدًا عن التوثيق والانتشار مقارنة أشكال موسيقية أخرى.

كانت النساء في اليمن تغنّي تفاصيل الحياة نفسها: الحناء والزواج والفرح والوداع والعمل والألم والعلاقات العائلية، وأحيانًا كانت الأغنية تحمل احتجاجًا خفيًا على واقع اجتماعي قاسٍ.

وداخل فرقة "بنات اليمن"، فإن القضية تصبح مشاركة في استعادة ذاكرة نسائية جماعية منسية ومهملة.

حصل مشروع "بنات اليمن" عام 2023 على اعتراف ثقافي رسمي بكونه من المشاريع التي تمثل الغناء التقليدي لنساء اليمن، وتستمر الفرقة في نشاطها وعروضها. والمدهش أن شيران بقيت حاضرة في مراحل مختلفة من مسيرة الفرقة، حتى مع تغير بعض الأسماء فيها، ونجدها في صيف تواصل هذا الطريق في عروض تعود من جديد إلى العالم الشعري والموسيقي لنساء اليمن مع شركتيها نيفا هارئيل، وعادي تساباري.

أرى أن هذا الاستمرار مهم. فمشاريع التراث قد تبدأ بحماس شديد ثم تتوقف، لأنها تحتاج إلى جمهور وتمويل وتدريب وتنظيم وإنتاج. والاستمرار لسنوات في هذا النوع من العمل يعني أن وراءه أكثر من حنين عابر إلى الماضي فهو مشروع ثقافي وفني.

ومن الشهادات المهمة حول صوت شيران وصفه بأنه يحمل تأثيرات من السول والبلوز والجاز، مع ميل إلى الحرية والارتجال. وربما تساعدنا هذه المرونة على فهم قدرتها على الانتقال بين كل هذه الأنماط. ونستنتج أننا لسنا مع صوت تراثي جامد، وهي ليست مغنية تستخدم اليمن مجرد صورة خارجية زخرفية أو دعائية، الأمر متعلق بالثقة، الثقة بالذات.

لا أريد أن أقدم شيران تسفيرا بصفتها صاحبة مشروع مكتمل ونهائي أو أنها وصلت إلى النجومية. لكن تجربتها، كما أراها، ما تزال تتكون، وهذا ليس نقصًا فيها. ربما يكون أجمل ما فيها أنها ما تزال تبحث.

هناك أغنيات يمنية كثيرة تنتظر من يكتشفها من جديد، وهناك تاريخ طويل للغناء النسائي اليمني، اليهودي والعام، يمكن أن يمنحها مساحات واسعة. وما أتمناه لها أن نرى يومًا مشروعًا شخصيًا أكبر يجمع هذه الخيوط كلها: صوت الجد الذي كان يغني في أعراس اليمن، وذاكرة الحناء، وأغاني النساء، والشعر اليهودي اليمني، والأغنية العربية اليمنية، ثم خبرتها مع الفانك والجاز والموسيقى الإلكترونية. يمكن لهذا كله أن يصنع مشروعًا يحمل توقيع شيران وحدها.

علاقة وجدانية بالتراث

لكن الأهم أنها تستمر. فمن يستمع إلى أعمالها ثم يقرأ كلماتها عن نفسها يشعر أن وراء هذا الاستمرار علاقة وجدانية حقيقية بالتراث. لم تقل لي إنها تعرف كل شيء عنه؛ قالت، على العكس، إن اكتشاف المزيد من الأغاني جعلها تغوص أعمق في ثقافتها، وتكتشف كم هي واسعة ومدهشة.

ربما هنا تكمن أجمل نقطة في حكاية شيران تسفيرا. إنها لا تقف أمام التراث ولا تعتبر نفسها الوحيدة أو أنها وريثة تسلمت شيئًا مكتملًا، أشعر أنها تدخله كل مرة كمن يفتح بابًا جديدًا في ظل بيئة نشطة بعشرات التجارب والأصوات.

من "بنات اليمن" إلى سابابا فايف، ومن الحناء إلى الموسيقى الإلكترونية، ومن الأغنية التي عاشت في ذاكرة عائلتها اليمنية إلى تسجيل يستطيع مستمع في أي مكان من العالم الوصول إليه عبر منصات الموسيقى الدولية ويوتيوب، وتواصل شيران البحث عن حياة جديدة للأغنية اليمنية.

قد تتغير الآلات والإيقاعات والأماكن، لكن شيئًا يبقى في قلب التجربة: ذلك الحب لليمن وموسيقاه، والرغبة في ألا تتحول الأغاني إلى مجرد ذكرى.

لهذا تبدو لي شيران تسفيرا فنانة تستحق المتابعة والمحبة والدعم؛ لأنها ما تزال تمشي في طريقها الذي اختارته. وما حققته حتى الآن ليس إلا مجموعة من المحطات في تجربة أظن أن أمامها مساحة واسعة للنمو والتطور.

(حميد عقبي)

الفيس بوك
تويتر

جميع الحقوق محفوظة YemenFreedom ---- تصميم وبرمجة ALRAJIHI