21 سبتمبر 2026
21 سبتمبر 2026

 

حتى لو لم يظهر الحوثي، ما كان اليمنيون قادرين على الحفاظ على دولتهم والدفاع عنها.

الحوثي نفسه بهذه السلطة والجغرافيا والسكان والتضخم العسكري والأمني لا يمثل دولة؛ بل يمثل سلطة متماسكة بالعقيدة القتالية والعصبية الضيقة، وهذه خواص أي فاشية فاعلة. 

بينما يفتقر الآخرون لهذين العنصرين، وهو فارق يذهب بالبعض إلى المقارنة ظناً منهم أن ما يفعله الحوثيون هو ما يجب أن تفعله الدولة - أي دولة - وهذا لَعمري كارثة في التفكير وسطحية في الحكم والتقدير.

فمقابل استنكار تراخي وعجز وفشل الحكومة، هناك استسهال للحالة الفاشية الحوثية بل والإشادة بها.

أُتيحت لقوى يمنية كثيرة خلال هذه السنوات العشر فرصة أن تكون بمثابة دولة (حتى دون الاعتراف الخارجي)، لكنها لم تفعل شيئاً في البنى والهيكلة والإدارة المؤسسية وتوليد الكفاءات، ولا في بناء عقد اجتماعي مع قواعدها الجماهيرية يبشر بتعافٍ من أمراض اليمن المزمنة. وكانت أكبر الفرص للمجلس الانتقالي بالطبع.

ما يزال سؤال الدولة هو السؤال الجوهري في اليمن، سواء انتصر الحوثي أو انتصرت الحكومة "الشرعية". وهذه الدولة لن تنهض لمجرد استكمال هياكلها، وتدوير الدفة الاقتصادية، والحصول على الرعاية الخارجية.

فالحكومة (الشرعية) لم تحافظ على شرعيتها الدستورية (تبدلات في الهياكل بلا سند) والقانونية (عدم احترام القانون والحقوق) والتشريعية (إذ لم يُسنَّ قانونٌ واحد منذ عام 2014 إلى اليوم). 

سقط المركز، وبقيت الأطراف (السلطة المحلية) متماسكة. وبدلاً من تدعيم الأطراف وبناء مركز جديد، ذهبت الحلول — برعايات إقليمية — إلى هدم هذه الأطراف نفسها عبر استحداثات مؤسسية وأمنية قوّضت فكرة بناء المركز البديل.

ولم يتمكن الحوثي - ولن يتمكن - من توليد شرعية حكم؛ فمنذ أول يومٍ في الحرب، يعمل الحوثيون على ترسيخ مكانة عبدالملك الحوثي كسلطة متعالية على الكل اليمني، سلطة لا يمكن إدراجها تحت أي بند في أي عقد اجتماعي. ومحاولتهم هذه ثمنها باهظ على اليمن، خصوصاً في الأرواح والمعاش.

يقضَم المركز من خلال استحداث مركزٍ جديد غير قابل للذوبان، وتُقَوَّض الأطراف (السلطات المحلية بالمشرفين).

في النصر أو الهزيمة، ستنقشع كل هذه البلاغة "السيادوية" الحوثية، وتبرز آلام العائلات التي فقدت أبناءها، وتحطمت معيشتها، وسُلِب منها مستقبلها وسكينتها مقابل تثبيت قداسة عبد الملك الحوثي. يا له من ثمن كبير. 

وفي النصر أو الهزيمة، ستعجز الحكومة الشرعية عن فهم متطلبات الدولة والمسؤولية، ولن تدرك أسباب الفشل.

لكن، لماذا يبدو معسكر الشرعية هشاً ومتشظياً بينما يظهر المعسكر الحوثي ككتلة صماء متماسكة؟

تظهر الانقسامات في صفوف الحكومة الشرعية إلى درجة التعطيل، بينما تغيب أو لا تظهر في الصف الحوثي؛ لأن الشرعية تُخطئ الرهان مرتين: فهي - إذ تستجر أخطاء الماضي المزمنة - تخوض معارك سياسية داخلية على السلطة، وتخوض في الوقت نفسه حرباً وجودية، لتطغى جهود المعركة الأولى على الثانية، مع احتمال خسارتهما معاً.

بينما عطل الحوثي الماكينة السياسية برمتها، وأدخل المجتمع في ثلاجة جُمِّد فيها الشأن العام ليتم تحريكه بصمت إلى جانب تدوير دولاب الحرب الضاري. فالرهان في مناطق السيطرة الحوثية يدور حول تثبيت السلطة لا حول صياغة الحكم؛ إذ تبدو صياغة الحكم مسألة محسومة ومفروغاً منها، فمكانة عبدالملك الحوثي فوق كل شيء، وما دونها شكليات تخويلية لا يُقبل فيها أي تنازعٍ ممكن.

الفيس بوك
تويتر

جميع الحقوق محفوظة YemenFreedom ---- تصميم وبرمجة ALRAJIHI