جاءت العبارة في حلقة من بودكاست بثتها إذاعة الجيش الإسرائيلي قبل بضعة أيام. استعاد رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو تغطية صحافية بريطانية مؤيدة لبلاده إبان حرب يونيو/ حزيران 1967، ثم قال ساخراً إن مثل هذه التغطية لم تعد تُوجد في "جمهورية بريطانيا الإسلامية".
وحين سأله المقدم عما إذا كان يفرد المملكة المتحدة بالانتقاد بينما تسير أوروبا كلها في الاتجاه نفسه، وافق نتنياهو ومضى أبعد في كلامه، وقال إن تل أبيب تحرص على ألا تظهر جمهورية ثانية من هذا النوع في إيران.
ردت الحكومة البريطانية عبر متحدث باسمها، قال إن هذه التصريحات غير مقبولة إطلاقاً، وإن لندن أثارتها مع الحكومة الإسرائيلية. وقبل صدور الرد الرسمي، كان المتحدث باسم الحكومة الإسرائيلية ديفيد مينسر قد حاول في مقابلة إذاعية مع هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) تخفيف وقع الكلام، بالقول إن نتنياهو كان ينقل عبارة قالها شخص آخر سابقاً هو نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس.
العبارة تنطوي على خطأين واقعيين في الأقل. الأول أن باكستان، واسمها الرسمي جمهورية باكستان الإسلامية، تمتلك ترسانة نووية منذ تسعينيات القرن الماضي، أي إنها سبقت أي فرضية بريطانية. والثاني أن بريطانيا ليست جمهورية أصلاً بل ملكية دستورية، وهي الملاحظة التي سجلها متحدث باسم مجلس المسلمين البريطاني، الذي دعا الحكومة إلى إعادة تقييم علاقتها بإسرائيل على أساس أن هذا ليس كلام حليف موثوق.
نسبة المسلمين في بريطانيا تدور حول 7% من إجمال السكان، بينما تبلغ نسبتهم داخل إسرائيل نفسها نحو 18%، ولكن الانتقادات لنتنياهو لم تأت من المسلمين وحدهم في المملكة المتحدة، فقد أعرب الحاخامان تشارلي باغينسكي وجوش ليفي، اللذان يشتركان في قيادة حركة اليهودية التقدمية ببريطانيا وإيرلندا، عن استيائهما الشديد من الكلام.
عضو مجلس اللوردات غافن بارويل وصف كلام نتنياهو بأنه "إسلاموفوبيا صريحة"، وفي الداخل الإسرائيلي انتقد عضو الكنيست أفي دبوش رئيس الوزراء لانشغاله بـ"التنكيت" على دولة عضو في مجلس الأمن يفوق حجمها إسرائيل بأضعاف.
الخصومة بين إسرائيل وبريطانيا أقدم من الحلقة الإذاعية بكثير. ففي سبتمبر/ أيلول 2024 علقت حكومة كير ستارمر نحو 30 رخصة لتصدير السلاح إلى إسرائيل بعد أن خلصت إلى وجود خطر واضح باستخدامها في انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني. وفي مايو/ أيار 2025 جمدت لندن مفاوضات اتفاق التجارة الحرة مع إسرائيل، وفرضت عقوبات على مستوطنين في الضفة الغربية، واستدعت السفير الإسرائيلي للاحتجاج على عرقلة دخول المساعدات إلى غزة.
ثم فرضت بعدها عقوبات على الوزيرين إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، وانضمت في سبتمبر/ أيلول 2025 إلى فرنسا وكندا في الاعتراف بدولة فلسطين، وهي خطوة أثارت غضباً إسرائيلياً واسعاً. في المقابل منعت إسرائيل نائبين من حزب العمل البريطاني من دخول أراضيها.
الخلاف الأعمق قد يكون في طهران وليس غزة. ففي الـ28 من فبراير/ شباط 2026 بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل سلسلة ضربات على إيران استهدفت برنامجيها النووي والصاروخي وأدت إلى مقتل المرشد علي خامنئي.
ردت طهران بضربات على قواعد أمريكية ومواقع في دول عربية وأغلقت مضيق هرمز. لندن لم تكن طرفاً في قرار الحرب ولم تتحمس له، فقال ستارمر يومها إنه لا يؤمن بتغيير الأنظمة من الجو، ورفضت بريطانيا مع ألمانيا إشراك حلف شمال الأطلسي (الناتو) في إعادة فتح المضيق، قبل أن تسمح للأميركيين باستخدام قواعد بريطانية في ضربات وصفت بالدفاعية فقط. وحتى اليوم لا تزال لندن مترددة في الانضمام إلى تحالف بحري تقوده واشنطن لمرافقة السفن.
في الـ20 من يوليو/ تموز 2026 دخل آندي بيرنهام داونينغ ستريت خلفاً لستارمر. قبل أيام من توليه، اعتذر عن استجابة "العمال" الأولى للحرب على غزة، وقال إن الحزب الحاكم لم يصب في موقفه وإنه سيفعل أفضل من ذلك، فعلى بريطانيا أن تزيد الضغط على حكومة إسرائيل عبر فرض عقوبات إضافية على أفراد وكيانات، والنظر في حظر تجارة بضائع المستوطنات.
ثم عين إد ميليباند وزيراً للخارجية، وهي إشارة قُرئت في تل أبيب على أنها إعلان نيات. وفي أول اتصال بينه وبين نظيره الإسرائيلي جدعون ساعر، طالب ميليباند بكبح عنف المستوطنين في الضفة الغربية، وانسحاب جيش إسرائيل من غزة، ورفع عرقلة المساعدات إليه، مقابل نزع سلاح حماس والتقدم في خطة النقاط الـ20.
المفارقة أن بيرنهام انضم عام 2015 إلى مجموعة أصدقاء إسرائيل في حزب العمال، وقال حينها إن أول زيارة خارجية له لو انتُخب زعيماً ستكون إلى إسرائيل. أما ميليباند فهو أبرز سياسي يهودي في بريطانيا اليوم، ووالداه لاجئان نجيا من النازية، وقد وازن طوال مسيرته بين دعم أمن إسرائيل وانتقاد سياساتها، ورفض في الوقت نفسه أن يُعرّف نفسه صهيونياً.
بحسب ما نقلته تقارير صحفية، تعد حكومة لندن حزمة إجراءات بحق إسرائيل ستعلن بعد عودة البرلمان في سبتمبر/ أيلول المقبل، تشمل حظر بضائع المستوطنات، وعقوبات جديدة على أفراد وكيانات مرتبطة بالحركة الاستيطانية، ونقاشاً داخلياً حول توسيع العقوبات لتطاول وزراء إسرائيليين آخرين.
الملف الأصعب هو السلاح، إذ يبقى الاختبار الحقيقي في مصير الاستثناء الممنوح لمكونات مقاتلات (أف 35) التي تصل إسرائيل عبر مخزون البرنامج الدولي المشترك وليس التصدير المباشر.
حظر هذا المسار سيكون قطيعة فعلية مع سياسة عمرها عامان، والإبقاء عليه سيبقي الإجراءات في خانة الرمزية. ويضاف إلى ذلك ملف حساس داخلياً هو تصنيف مجموعة "العمل من أجل فلسطين" منظمة إرهابية، وهو تصنيف أفضى إلى أكثر من 2700 توقيف حتى الآن، ويطالب نواب عماليون بإلغائه.
الدافع الأكبر للتشدد البريطاني إزاء إسرائيل داخلي بامتياز. فقد أظهر استطلاع أجراه مجلس التفاهم العربي البريطاني في مطلع يوليو/ تموز الماضي، أن نصف البريطانيين يرون أن ما يجري في غزة إبادة جماعية، وأن 55% يعتقدون أن على لندن التوقف عن اعتبار تل أبيب حليفاً مقابل 15% فقط يرون العكس، وأن 48% يؤيدون حظر تجارة المستوطنات.
ترتفع النسب كثيراً بين ناخبي حزب العمال الحاكم، إذ يؤيد 72% منهم تعليق مبيعات السلاح. وقد خسر الحزب أصواتاً كثيرة لمصلحة حزب الخضر بسبب غزة تحديداً، في وقت يتنافس على المركز الأول مع "ريفورم" بزعامة نايجل فاراج.
في المقابل تواجه الحكومة ضغطاً معاكساً من المؤسسات اليهودية التي تعبّر عن قلق حقيقي من مستويات معاداة السامية المرتفعة في البلاد، ومن مجموعة أصدقاء إسرائيل داخل الحزب التي نشرت أخيراً تقريراً يعارض حظر بضائع المستوطنات.
هناك اعتبار إضافي يعقد حسابات لندن. إسرائيل ذاهبة إلى انتخابات عامة في 27 أكتوبر/ تشرين الأول المقبل، وتظهر استطلاعات الرأي تقدماً لغادي آيزنكوت على نتنياهو من دون أن يحسم أي من المعسكرين أغلبية واضحة.
ويحذر نواب بريطانيون منتقدون لإسرائيل من أن فرض عقوبات قبل هذا الموعد قد يمنح نتنياهو ورقة يستثمرها في حملته الانتخابية، عبر تصوير الانتقاد الدولي هجوماً على إسرائيل كلها لا على حكومته. وهو ما يجعل توقيت حزمة سبتمبر/ أيلول سؤالاً سياسياً بقدر ما هو سؤال قانوني.
أمام رئيس الوزراء البريطاني مساران لا ثالث لهما عملياً. الأول هو الاحتواء، أي التعامل مع تصريح نتنياهو باعتباره حادثة كلامية تُستنكر وتُطوى، مع إبقاء الإجراءات الجوهرية في مرحلة الدراسة إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية.
المنطق هنا هو أن العلاقة أوسع من شخص نتنياهو، وأنها تشمل تعاوناً أمنياً واستخبارياً وتقنياً وتجارياً لا مصلحة لبريطانيا في تفكيكه، والتصعيد قبل الـ27 من أكتوبر المقبل قد يخدم خصماً قد يغادر السلطة بعد أسابيع. يضاف إلى ذلك حسابات العلاقة مع واشنطن، فبريطانيا التي رفضت الانخراط في حرب إيران وتراجع اقتصادها بفعل إغلاق هرمز، ليست في وضع يسمح لها بفتح جبهة خلاف إضافية مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب.
المسار الثاني هو التصعيد المنضبط، أي الانتقال من الخطاب إلى السياسة عبر إقرار حزمة سبتمبر/ أيلول كاملة، وتحديداً حظر بضائع المستوطنات وتوسيع العقوبات ومراجعة استثناء (أف 35).
منطق هذا المسار أن الاعتذار الذي قدمه بيرنهام قبل دخوله داونينغ ستريت أنشأ التزاماً أمام قاعدته الانتخابية، وأن الاكتفاء ببيان استنكار سيؤكد اتهام خصومه له بأن التغيير كان لفظياً لا أكثر. كما أن معطيات الرأي العام لا تترك له هامشاً واسعاً، إذ إن أغلبية ناخبيه ترى المسألة أخلاقية لا دبلوماسية، والخسائر تذهب إلى "الخضر" لا إلى اليمين.
قد يسير بيرنهام بين المسارين. سيفصل بين ما يقوله نتنياهو وما تفعله إسرائيل، فيرد على الأول بلغة حادة، ويبقي الثاني في إطار إجراءات متدرجة تبدأ بالمستوطنات والمستوطنين، وهي الأقل كلفة دولياً والأكثر قابلية للتبرير قانونياً، ثم يؤجل الملف الأثقل وهو السلاح. وستكون الإشارة الحاسمة إلى نياته في مصير استثناء (أف 35) لا في نبرة بياناته.
العلاقة بين بريطانيا وإسرائيل لن تنقطع، لكنها تنتقل من مرتبة التحالف إلى التعامل، إن جاز التعبير. اللافت أن التدهور لم يعد محصوراً في الحكومات، فقد أظهر استطلاع حديث أجرته مؤسسة "يوغوف" أخيراً، أن الإسرائيليين باتوا في المرتبة الرابعة في قائمة أقل الجنسيات المرغوب في هجرتها إلى بريطانيا، وهو مؤشر إلى أن الخلاف بين البلدين نزل من الطبقة السياسية إلى المزاج العام.
مع استمرار انهيار وقف إطلاق النار في غزة، وتقارير الأمم المتحدة عن ارتفاع نسبة الدمار وسقوط مئات الأطفال منذ سريانه، ومع مشاهد الحصار الاستيطاني في قرية قصرة بالضفة الغربية، ستزداد صعوبة الحفاظ على المسافة القديمة بين لندن وتل أبيب. الحسم الحقيقي لن يقع في سبتمبر/ أيلول البريطاني وحده، بل في أكتوبر/ تشرين الأول الإسرائيلي أيضاً.
(بهاء الهوام)