6 سبتمبر 2026
6 سبتمبر 2026
يمن فريدم-مجلة المجلة


تستميت جماعة الحوثيين، المتحالفة مع إيران من أجل تحقيق "حلم طهران" القديم-الجديد في الوصول إلى مضيق باب المندب والسيطرة عليه وإغلاقه في وجه الملاحة الدولية في محاولتها لتخفيف الضغط الأميركي عليها، وجاء التصعيد الحوثي الواسع ليكشف عن هذه النوايا.

بدأ الهجوم الحوثي مطلع سبتمبر/أيلول، من متعدد المحاور في غرب تعز وجنوب الحديدة، بهدف اختراق خطوط القوات الحكومية وقطع طريق تعز – المخا والضغط باتجاه الساحل وباب المندب. لكن اتجاه المعركة انقلب، اذ شنت القوات الحكومية هجوماً مضاداً مدعوماً بالطيران، واستعادت مواقع في تعز وسيطرت بالكامل على حيس، وبدأ الضغط باتجاه الجراحي، فيما استمرت المعارك العنيفة

كان من الواضح أن إيران تحاول استدراج السعودية إلى مواجهةٍ من نوعٍ ما معها، إلا أنها لن تحتمل هذه المواجهة بشكلٍ مباشرٍ مع بلدٍ محوري كبيرٍ كالمملكة ذات التحالفات الدولية السياسية والعسكرية القوية.

فقررت على ما يبدو استخدام الورقة الحوثية للتحرك تحت شعار المطالبة برفع الحصار المفروض على الجماعة بمقتضى قرارات أممية من مجلس الأمن فوضت السعودية بقيادة تحالف عربي لدعم الشرعية واستعادة الدولة اليمنية التي أسقطتها هذه الجماعة بانقلابها على الإجماع الوطني عند اجتياح ميليشياتها للعاصمة صنعاء في الحادي والعشرين من سبتمبر/أيلول 2014 وفرضها الإقامة الجبرية على الرئيس المنتخب الراحل عبدربه منصور هادي.

من جانبها، بدت السعودية مدركةً لهذه المحاولة التي حاولت إيران إيقاعها فيها، فقررت تجنب استفزازات الحوثيين وعدم العودة إلى مهاجمتهم وشكلت تحالفا بحريا دفاعيا عن الملاحة في البحر الأحمر ودخلت في تحالف آخر مع كل من تركيا وباكستان للغرض نفسه.

غير أنها في الوقت ذاته قررت، وهذا هو الأرجح في نظر محللين عدة، أن تلقي بثقلها السياسي والمالي وراء الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً لإعادة بناء قدراتها العسكرية بشكل لا بد أنه كان صادماً للحوثيين بعد استخدام الجيش اليمني لمنظومة من الطائرات المسيرة الأكثر تطوراً مما لدى الميليشيات الحوثية، وكذلك عقب دخول سرب من طائرات "إف-16" في المواجهات في عدد من جبهات القتال في مأرب والجوف والضالع.

خلال سنوات الهدنة الثلاث، عزّزت الميليشيات الحوثية ترسانتها من الصواريخ والطائرات المسيرة عبر شبكات تهريب تشير تقارير لتورط جماعة "الشباب" الصومالية المتطرفة فيها، رغم الخلاف المذهبي بين الجماعتين

ما فعلته ميليشيات الحوثيين من خلال تصعيدها الأخير في محاولتها إيجاد موطئ قدمٍ لها في الساحل الغربي لليمن على مقربةٍ من مضيق باب المندب يشبه في طريقته وغاياته العبث نفسه الذي تمارسه طهران اليوم في مضيق هرمز، ما قد يستوجب ردا عالميا وإقليميا موحدا ومنسقا، غير مستبعد إلى حد كبير، يشمل تمكين اليمن أكثر من حماية أراضيه ومياهه الإقليمية فوصول الميليشيات إلى باب المندب أمامه تحديات ووراءه عواقب لا قبل لهذه الميليشيات ولا لإيران بتحملها.

خطورة سقوط جنوب الساحل الغربي لليمن

يجمع كثير من الخبراء والمحللين على أن من شأن وقوع جنوب الساحل الغربي لليمن في قبضة الميليشيات الحوثية المتحالفة مع إيران أن يمثل تحولا استراتيجيا لمصلحة طهران على حساب جميع الدول العربية المطلة على البحر الأحمر، وفي مقدمتها السعودية وكذلك مصر التي أكد رئيسها عبدالفتاح السيسى قبل أيام على أن أمن هذا الممر المائي الحيوي هو "مسؤولية الدول المشاطئة فقط".

خلال سنوات الهدنة الثلاث الماضية يبدو أن الميليشيات الحوثية، تمكنت من الحصول على مزيد من الصواريخ والطائرات المسيرة والذخائر وشبكات الاتصالات وذلك عن طريق التهريب عبر الصحراء أو البحر الأحمر اللذين تم إغلاقهما في وجه العصابات وشبكات التهريب التي تشير تقارير إلى أن من بينها جماعة "الشباب المسلم" المتطرفة في الصومال رغم الخلاف المذهبي بين الجماعتين.

وهذا ما يفسر ضراوة الهجوم الذي شنته الميليشيات الحوثية على محافظتي تعز والحديدة في محاولتها لتحقيق اختراق يمكنها من الوصول إلى جنوب البحر الأحمر، وقبل ذلك في هجماتها على محافظتي مأرب وحضرموت بعشرات من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة.

كما استطاعت الميليشيات قبل هذا التصعيد تجنيد وحشد أكبر عدد من العناصر الشابة من مناطق قبلية وريفية يغلب عليها الفقر والبطالة والأمية. ودفعت بأغلبهم إلى محارق الموت وتحديدا إلى محافظة تعز ذات التضاريس الجغرافية الجبلية أو السهلية شديدة الوعورة، ما أدى إلى سقوط الكثير منهم بين قتيل أو جريح أو أسير، وهو ما اضطر بعضهم إلى الفرار تاركا وراءه سلاحه وذخائره ومركباته، وذلك وفق الكثير من مقاطع الفيديو التي بثها الجيش اليمني أو الصور التي تداولها ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي.

لماذا تحول اهتمام الحوثيين نحو باب المندب؟

في واقع الأمر، إن خيار الجماعة بالاستمرار في استهداف السفن التجارية السعودية وموانئ المملكة على البحر الأحمر سقط بعد أن تأكد للميليشيات عدم جدوى هذا الخيار. كما أن مسعى ميليشيات الجماعة شرقاً نحو مأرب الغنية بالنفط لتأمين مصدر للطاقة، خاب تحت الضربات الجوية والقصف المدفعي اللذين تلقتهما عناصر الميليشيات في محيط مأرب.

بعد فشل خيار استهداف السفن والموانئ السعودية، وإخفاق الزحف شرقا نحو مأرب النفطية، حوّل الحوثيون بوصلتهم نحو باب المندب، فيما حشدوا سابقا آلاف الشباب من مناطق الفقر والأمية لمحارق الموت في جبهات تعز الوعرة

بعدما تجاوز أغلب اليمنيين خلافاتهم، فإنهم يرون الآن أن أمامهم "معركة مصيرية واحدة وعدو واحد هو الحوثي" حيث يرى السفير اليمني لدى المملكة المتحدة، ياسين سعيد نعمان، أنه "لا خيار سوى أن ينكسر الحوثي ويهزم غرب تعز، وتتحول مقبنة إلى مقبرة لمشروعه الحربي الخبيث".

ويتفق يمنيون كثر على أن ما يحدث اليوم في جنوب غرب اليمن ليس صراعا يمنياً وليست له علاقات بمزاعم الحوثيين عن معاناتهم من الحصار الذي يفرضه التحالف العربي.

فمطارات اليمن وموانئه مفتوحة عدا تلك التي يستخدمها الحوثيون لتهريب السلاح، وأن التصعيد الأخير الذي تقوم به الميليشيات ليس أكثر من مهمة تقوم بها نيابة عن إيران في محاولة طهران لخلق واقع جيوسياسي جديد لصالحها بعد تضييق الخناق عليها وانكسار حليفها "حزب الله" اللبناني وتنامي الاستعداد لدى حلفائها من شيعة العراق لأن يصبحوا جزءاً من الدولة الوطنية في بلدهم.

إلى جانب ما يحدث في اليمن، فإن الاعتداءات الإيرانية على بعض دول الخليج ومعها الأردن، خلال الأيام القليلة الماضية تبرهن على صعوبات حقيقية في التعامل مع السلوك الإيراني الذي تجاوز حدوده مع دول الجوار العربي كافة في إطار النزاع مع واشنطن.

سقوط جنوب الساحل الغربي لليمن بيد الحوثيين ليس صراعا يمنيا، بل مهمة تنفذها الميليشيات نيابة عن إيران على حساب الدول العربية المطلة على البحر الأحمر، بعد انكسار حليفها "حزب الله" في لبنان وتراجع نفوذها في العراق

لكن هذا ليس عدلاً. أولا، يعني أنه لا توجد وسيلة لكبح جماح الجنون "الشمشوني" لإيران المستمر منذ 47 عاماً حيث تضررت منه دول عدة في المنطقة بشكل بالغ بسبب تنمر طهران والتعامل مع الجار العربي كأنه أرضٌ مستباحة.

حديث كهذا لا يعني تبريرا أيضا للموقفين الأمريكي والإسرائيلي تجاه طموحات إيران ولا قبولا لهما، ولكن لماذا يجب أن يدفع الجانب العربي ثمنا كبيرا لهذا النزاع؟

بما أن ما يجري بالقرب من المدخل الجنوبي للبحر الأحمر ليس بمعزل عن انتهاكات إيران لسيادة الدول العربية الأخرى الجارة، فإن السؤال اليوم هو كيف يمكن لليمن أن يكون معادلا موضوعيا واستراتيجيا لأمن الجزيرة والخليج في مواجهة هذه الفوضى العسكرية والأمنية الحاصلة في محيطه؟

بالتزامن مع نهاية شبه متوقعة للصراع في اليمن، سواء عسكرية أو سياسية، فقد عادت سيناريوهات قديمة جديدة تُطرح للتداول والنقاش بشأن مستقبل هذا البلد ذي الموقع الاستراتيجي المهم وبالأخص منها هل سوف تترك دول الخليج العربية الغنية بالنفط هذا الجار الفقير ذا الأهمية الجيوسياسية البالغة في حسابات المصالح الدولية وحيدا أمام التجاذبات الإقليمية، وكذلك بشأن ما إذا كان استبعاد اليمن من الانضمام إلى المنظومة الخليجية ومجلس التعاون الخليجي، سبباً رئيساً أو واحداً من أسباب الاختراق الإيراني لدولته ومجتمعه سابقا، ولاحقا في ضعف الموقف الدفاعي لدول الخليج أمام تكرار اعتداءات إيران على أمنها واستقرارها وسلامة أراضيها.

يبدو هذا السؤال اليوم موضوعيا ووجيها ومبررا، في ضوء إصرار إيران المزمن على "تشييع" دول الجوار وغير الجوار كاليمن البعيد عنها وفق منظورها الخاص المتشدد للإسلام، وعلى "عسكرة" كامل المنطقة مثل جنوب الجزيرة العربية بما تعتقد أنه سوف يؤدي في النهاية إلى محو إسرائيل كدولة احتلال، كمفهوم سياسي دولي لا خلاف عليه منذ عام 1967، وإلى زوال الولايات المتحدة كـ"قوة استكبار" عالمية على حد وصف ملالي طهران وفقهائها وؤسائها منذ ما يقرب من نصف قرن.

(أنور العنسي)
 

الفيس بوك
تويتر

جميع الحقوق محفوظة YemenFreedom ---- تصميم وبرمجة ALRAJIHI