تسارعت وتيرة التصعيد العسكري بين السعودية والحوثيين، مع تجدد المعارك بين القوات الحكومية اليمنية والجماعة المدعومة من إيران، بالتزامن مع استهداف منشآت مدنية واقتصادية في مدن سعودية، واتهامات وجهها الحوثيون للرياض بشن ضربات جوية على مواقعهم.
وبدأت المواجهات في تعز والساحل الغربي قبل أن تمتد إلى الحديدة ومأرب والجوف والبيضاء.
واتهم الحوثيون السعودية باستهداف قواعدهم بغارات جوية وصواريخ كروز، وبقصف سجن في مدينة الحزم بمحافظة الجوف. ولم تعلن المملكة تنفيذ أي ضربات جوية أو صاروخية في اليمن.
ووسع الحوثيون، الذين تصنفهم واشنطن جماعة إرهابية، رقعة أهدافهم خارج حدود اليمن واستهدفوا عدة مدن جنوبية في السعودية التي تقود تحالف دعم الحكومة الشرعية.
وقال المتحدث الرسمي باسم التحالف، اللواء الركن تركي المالكي، في بيان إن الحوثيين استهدفوا أعيانا مدنية واقتصادية في مدن أبها وخميس مشيط وجازان ونجران، ونتج عنها إصابة 73 شخصا من المدنيين بينهم نساء وأطفال.
وأكد المالكي أن هذه الهجمات "تصعيد خطير" وأن قيادة القوات المشتركة للتحالف "ستتخذ كافة الإجراءات العملياتية اللازمة لردع هذه المليشيا الإرهابية، ومواجهة نهجها العدائي".
وهذ التصعيد هو الأكبر منذ الهدنة التي رعتها الأمم المتحدة في اليمن في أبريل 2022، واستمرت 6 أشهر قبل انتهاء مدتها من دون تمديد، لكن مستوى المواجهات العسكرية بقي منذ ذلك الحين منخفضا بشكل كبير مقارنة بالسنوات السابقة.
ووصف الوزير السابق ومستشار رئيس مجلس القيادة اليمني، مروان دماج، جولة القتال الحالية بأنها "أكثر من معركة تكتيكية"، وقال إنها اتسعت جغرافيا لتشمل معظم الجبهات الرئيسية، رغم أنها لم تصل إلى مستوى حرب مفتوحة.
وربط دماج تحركات الحوثيين باتجاه الساحل الغربي بأهداف تشمل تحقيق مكاسب ميدانية، تعزز وضعهم العسكري والتفاوضي، واعتبر اقترابهم من باب المندب مرتبطا بإيران والحرس الثوري الإيراني ودور الحوثيين في الضغط على الملاحة والتجارة الدولية.
ولأول مرة منذ سنوات، تزامنت المواجهات البرية مع عودة الضربات الجوية إلى عدد من الجبهات، وأعلنت القوات الحكومية اليمنية خلال الأيام الماضية تنفيذ غارات على مواقع للحوثيين في تعز والحديدة، ثم أعلنت تنفيذ ضربات في البيضاء ومناطق أخرى، استهدفت مواقع عسكرية ومنصات لإطلاق الصواريخ وآليات وتجمعات للحوثيين الذين تصنفهم واشنطن جماعة إرهابية.
ورجح العميد الركن اليمني المتقاعد ثابت صالح أن تكون طائرات سعودية وليست يمنية هي من نفذت بعض الضربات الجوية الأخيرة، بينما اختلف معه الأكاديمي السعودي خالد باطرفي مستندا إلى عدم وجود إعلان سعودي رسمي بذلك وإلى غياب أدلة مستقلة قاطعة تثبت هوية منفذي الضربات.
وتوقفت الغارات الجوية التي شنها التحالف بقيادة السعودية على مناطق الحوثيين، منذ دخلت هدنة 2022 حيز التنفيذ.
وعملت السعودية خلال السنوات التي تلت ذلك على دعم القوات التابعة للحكومة اليمنية وتعزيز قدراتها، إضافة إلى محاولات توحيد القرار العسكري والسياسي داخل معسكر الشرعية.
ورغم عودة الضربات الجوية، إلا أنها لم تغير، حسب صالح، موازين السيطرة على الأرض، حيث استعادت القوات المناهضة للحوثيين بعض المواقع في مديرية حيس، دون وجود تقدم مماثل في جبهات أخرى، ولا سيما في مناطق مقبنة والكدحة والبرح غرب تعز.
وحولت السعودية منذ سنوات جهودها في اليمن إلى حل سياسي عبر مسار تفاوضي مباشر مع الحوثيين، إلا أن استهداف أراضي المملكة ومحاولة التمدد في الساحل الغربي قريبا من خطوط الملاحة، قد تغير حسابات الرياض.
ويفرّق الأكاديمي السعودي باطرفي بين مساعي التسوية السياسية التي تخوضها الرياض وعدم رغبتها في خوض معركة مفتوحة، وبين الرد على الهجمات التي تستهدف أراضيها ومنشآت الطاقة الحيوية.
وذكرت تقارير صحفية أن مصفاة جازان للنفط المملوكة لأرامكو السعودية تعرضت لهجوم، يوم الاثنين، ولم تؤكد الرياض الواقعة.
ويقول باطرفي إن مثل هذه الهجمات، قد تجعل القضية بالنسبة للمملكة مرتبطة بصورة مباشرة بحماية الأراضي السعودية وأمنها الاقتصادي، ويرجح أن يكون التحرك السعودي في هذه الحالة أقرب إلى "الردع الانتقائي"، عبر عمليات تستهدف مصادر التهديد ومنصات إطلاق الصواريخ والمسيرات ومخازن الأسلحة.
ويشير دماج إلى أولوية الاستقرار والخطط والمشاريع الاقتصادية بالنسبة للرياض، لكنه يرى أن استمرار الحوثيين كتهديد على الحدود الجنوبية قد يجعل التدخل المباشر للمملكة خيارا مطروحا في مرحلة لاحقة.
وبدأت أولى بوادر التصعيد في يوليو الماضي، عندما منع الجيش اليمني طائرة إيرانية من الهبوط في صنعاء، وقالت الحكومة الشرعية إنها كانت تحمل عناصر في الحرس الثوري الإيراني ومعدات عسكرية.
وأعلن الحوثيون بعدها فرض ما أسموه "حظرا بحريا شاملا" يستهدف الملاحة وناقلات النفط السعودية وهاجموا عدة ناقلات تابعة للمملكة.
ومنذ عودة هذه الهجمات، أصبحت حسابات السعودية ترتبط بأمن أراضيها، ومنشآت الطاقة، والملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، وحسب باطرفي فإن استمرار استهداف الأراضي السعودية بالتزامن مع تصاعد القتال باتجاه الساحل قد يقلص قدرة الرياض على الاستمرار في سياسة ضبط النفس.
ويبقى اتساع المعركة أو انحسارها مرتبطا بدرجة كبيرة بما ستشهده خارطة السيطرة الميدانية من تغيرات، أو تجاوز الحوثيين لما تعتبره السعودية خطوطا حمراء تمس أرضها وأمنها الاقتصادي.
(سكينة المشيخص)