لم ينتظر رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير كثيراً بعد كشف اللقاء السري الذي شارك فيه في ألمانيا مع نظرائه من دول أخرى، حتى استغل منصة "موسم الأعياد اليهودية الكبرى" يتحدث عن إنجازات جيشه في مختلف الجبهات إلى جانب قدرات إسرائيل الدفاعية والهجومية التي نقلها إلى قادة جيوش دول عربية، واعتبرها إنجازاً كبيراً أنتجته حرب غزة التي تشرف على انتهاء عامها الثالث.
زامير، بحسب الإسرائيليين، هو المحور المركزي في التعاون الإقليمي، بادعاء أنه اقنع نظيره الأمريكي قائد القيادة المركزية الأمريكية الجنرال براد كوبر بضرورة التعاون الإقليمي في مواجهة خطر إيران والحوثيين، وعرض فرص تعميق التعاون الأمني في الشرق الأوسط.
من جهته أبلغ كوبر المجتمعين بعدم وجود نية بالانسحاب لدى الجيش الأمريكي من المنطقة، مؤكداً استمرار القتال مع إيران، في حين شكل ملف الحوثيين أهمية أكبر بالنسبة إلى العلاقة بين إسرائيل والدول المشاركة في اللقاء، إذ كشف عن أن شعبة الاستخبارات العسكرية أقامت خلال سنوات الحرب الثلاث قسماً خاصاً باليمن إلى جانب قدرات دفاعية وهجومية. وهو ما عرضه زامير كتجربة متراكمة تشكل أهمية استراتيجية لهذه الدول.
"كنز استراتيجي"
وكشف عن أن شعبة الاستخبارات العسكرية كرست موازنة خاصة وموارد متنوعة ودربت الكثيرين من الجالية اليمنية، ممن هاجروا إلى إسرائيل واستقروا فيها، ليصبحوا وكلاء ناشطين للاستخبارات ومركزيين في مناقشة جوانب عدة للتعامل مع ملف اليمن وخطر الحوثيين.
جاء ذلك بعدما دخل الحوثيون منذ بداية الحرب كوكيل داعم لإيران و"حزب الله" وحولوا منطقة الجنوب الإسرائيلي إلى هدف يومي لهم.
وما يعرضه زامير من إنجازات للمؤسستين العسكرية والاستخباراتية يدرج في الملفات الأمنية كـ"كنز استراتيجي".
وبحسب عمل المنظومة الإسرائيلية مع اليهود اليمنيين فهي تستند إلى ثلاث دوائر، الأولى تركز على ضمان قدرات تحقيق اختراق استخباراتي لليمن.
وقد توزعت المهام لتشمل عمليات جمع معلومات تطلبها المنظومة الأمنية الإسرائيلية لبلورة خططها لمواجهة الحوثيين. ورصد المعلومات وتكثيف التعاون الاستخباراتي مع أجهزة استخبارات مختلفة غربية وعربية.
أما الدائرة الثانية فتمثل منظومة دفاع وهي تقدم رداً على القدرات الهجومية للحوثيين، بدءاً بإطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة، وصولاً إلى فهم قدراتهم على تنفيذ الغارات، وكذلك قدراتهم على إغلاق مسارات الملاحة في البحر الأحمر.
أما الدائرة الثالثة فتركز على الهجوم بآليات ومعدات قتالية متطورة وأخرى متعلقة بمجال "السايبر".
ولإنجاح المهمة في مواجهة الحوثيين أنشأ جهاز الاستخبارات العسكرية ليهود اليمن الذين تم اختيارهم للقيام بهذه المهمة، مدرسة استخبارات خاصة بساحة اليمن.
وجرى تأهيل المجموعة الأولى من رجال الاستخبارات الذين يتركز كل عملهم على متابعة الحوثيين وجمع المعلومات عنهم. وترجمت النتائج إلى نشاط هجومي لسلاح الجو وسلاح البحرية في عمق اليمن، من خلال مهاجمة أهداف نوعية لجماعة الحوثي.
كيف تبرز إسرائيل قدراتها تجاه اليمن؟
وفق أكثر من تقرير إسرائيلي فإن التركيز على هذا الملف جاء بعدما فشلت الولايات المتحدة، ثلاث مرات في محاولاتها لهزيمة الحوثيين جواً. ويذكر التقرير الذي اعتمد على حديث مسؤولين عسكريين وأمنيين أن القضاء على خطر الحوثيين يتطلب قوة عسكرية فعالة قادرة على التحرك براً في اليمن.
وأجرى التقرير الإسرائيلي مقارنة بين فشل الولايات المتحدة ونجاح إسرائيل بحسبه عامي 2024 و2025، إذ حاول الأمريكيون عبثاً شن ثلاث عمليات قصف جوي ضد الحوثيين.
وبعد الفشل الثالث في عملية قصف ضخمة في أبريل/ نيسان 2025، أطلق عليها اسم "الفارس القوي"، "أدرك الأمريكيون عجزهم عن هزيمة هذه الميليشيات المتطرفة من الجو"، وفق التقرير الإسرائيلي الذي ادعى أن سلاح الجو الإسرائيلي.
مقابل هذا الفشل، حقق نجاحاً أكبر، إذ قضى على جزء كبير من القيادة السياسية والعسكرية للحوثيين في غارة جوية، وضرب ميناء الحديدة، الذي يعد شريان الإمداد البحري الرئيس للحوثيين على ساحل البحر الأحمر.
وبذلك، يشدد مسؤول أمني إسرائيلي أن تل أبيب حققت الردع، على رغم أنها لم تتمكن من وقف الحوثيين عن إطلاق الصواريخ باتجاه الجنوب وحتى ناحية تل أبيب.
تهديد الملاحة إلى إيلات
بالنسبة إلى إسرائيل، لا يشكل الحوثيون تهديداً لحرية الملاحة إلى إيلات فحسب، بل إنهم استغلوا أيضاً وقف إطلاق النار الذي دام عاماً منذ فشل عملية القصف الأمريكية الأخيرة، وأصبحوا قادرين مجدداً على تهديد إسرائيل بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة.
و"اكتسبوا أخيراً أيضاً القدرة على تهديدنا من الشرق بصورة أكثر فاعلية بمساعدة حلفائهم من الميليشيات الشيعية العراقية"، وفق التقرير الإسرائيلي.
واستخلصت إسرائيل، بعد عرض ما اعتبرته إنجازاً استراتيجياً إقليمياً لها تجاه اليمن والحوثيين، أن بإمكانها مساعدة دول أخرى في التعامل مع اليمنيين وتحقيق نجاحات وذلك من خلال المعلومات الاستخباراتية التي يمكنها جمعها من خلال يهود اليمين إلى جانب استخدام وسائل متقدمة، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي.
وتؤهلها هذه القدرة لتصبح عاملاً استخباراتياً بالغ الأهمية في الحرب ضد الحوثيين، وفق ما نقل عن مسؤول إسرائيلي.
في المقابل تبحث جهات أمنية مسؤولة كيفية التزود بمعدات متطورة، بما فيها منظومات كشف واعتراض وهجوم، بطرق أكثر فاعلية.
وفي طرحها لمدى قدراتها على مواجهة خطر الحوثيين، اتخذت من تلة "علي الطاهر" في جنوب لبنان مثلاً لما تصفه بالإنجاز الاستراتيجي والأمني.
وبحسب مسؤول عسكري، يمكن أن تدرب إسرائيل جهات خارجية، على كيفية مهاجمة المنشآت تحت الأرض، حيث يصنع الحوثيون الصواريخ الباليستية، وصواريخ كروز، والطائرات المسيرة، باستخدام قطع غيار مهربة إليهم من إيران.
لكن، وفي طرح ونقاش هذه القدرات الإسرائيلية، حذّر عسكريون من "الاعتماد فقط على هذه الجوانب لمواجهة الحوثيين وخطرهم، وأكدوا أن الأمر يتطلب أيضاً، قوات برية تجبرهم على الفرار والتشتت والعودة لمحافظة صعدة شمال اليمن، من حيث أتوا، ومنها انطلقوا لغزو صنعاء ومناطق أخرى في اليمن"، وفق التقرير الإسرائيلي.
تشكيل تحالف دولي
في هذه الأثناء تعمل إسرائيل أيضاً على تشكيل تحالف دولي يضم دولاً أوروبية متضررة من سيطرة الحوثيين على مضيق باب المندب.
ويقول المتخصص في الشأن العسكري إيتمار إيخنر إن "الأمر لا يتعلق فقط بالإسرائيليين، بل إن الأمريكيين أدركوا أهمية ما تطرحه إسرائيل وهم يعملون بالتوازي على صياغة بنية أمنية إقليمية جديدة".
ويضيف أن "واشنطن تسعى إلى تشكيل تحالف ضد إيران بمشاركة دول عربية. ومن أهم مهام دول المنطقة ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز وباب المندب، وهما ممران مائيان تحولا من مشكلة إقليمية إلى مشكلة عالمية، ولذلك يعتقدون أن على العالم أن يحشد جهوده لمساعدة الأمريكيين في ضمان حرية الملاحة فيهما".
في الوقت نفسه أشار إيخنر إلى أن "الأمريكيين يدرسون حلولاً طويلة الأجل تهدف إلى تقليل الاعتماد على مضيق هرمز من بين أمور أخرى.
يشمل ذلك إمكان مد خط أنابيب نفطي يتجاوز المضيق، إضافة إلى توسيع طاقة التكرير على الأراضي الأمريكية، بما يسمح بزيادة إمدادات الوقود للاقتصاد الأمريكي وتقليل تأثره بالاضطرابات في المنطقة".
(أمال شحادة)