تزامناً مع تقدم قوات الحكومة الشرعية المعترف بها دولياً في اليمن على جبهات عدة ضد الحوثيين، جدد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، التزام الولايات المتحدة باتفاقاتها والتزاماتها الأمنية مع السعودية، مؤكداً أن واشنطن ستلتزمها، مشيراً إلى حق السعودية في الدفاع عن نفسها، بعد تعرضها لهجمات من الحوثيين، فيما أبدى الرئيس ترمب تفاؤلاً في شأن الهجمات الأخيرة ضد الحوثيين، وأعلن أن الأمور تسير بصورة جيدة، فما حدود الدعم الأمريكي للرياض والحكومة اليمنية الشرعية، وما العوامل التي تحكم دور إدارة ترمب في اليمن؟ وهل يمكن أن يتحول الدور الأمريكي إلى اندماج مباشر في العمليات العسكرية؟
دعم راسخ
لم تكن تصريحات وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بالتزام واشنطن الاتفاقات الأمنية التي وقعت عليها مع السعودية كحليف استراتيجي، وتأكيده على الوفاء بهذه الالتزامات سوى ترسيخ لموقف الولايات المتحدة الثابت بمساندة السعودية التي صنفتها كحليف رئيس من خارج حلف سمال الأطلسي (الناتو)، ووافقت على تبيع للسعودية أسراباً من طائرات مقاتلة متطورة من طراز "أف-35" لم تشرع في بيعها لأي دولة أخرى في المنطقة باستثناء إسرائيل.
توقيت الإعلان عن هذا الالتزام، يحمل معاني عدة، فهو يتزامن مع التطورات الميدانية المتسارعة في اليمن، عقب إعلان رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي بدء عملية عسكرية واسعة تحت اسم "فجر اليمن"، بهدف بسط سلطة الدولة على كامل التراب الوطني، والسيطرة على مناطق في الساحل الغربي، بينها باب المندب وذو باب، مع التقدم باتجاه المخا، واستمرار العمليات العسكرية على جبهات عدة.
وصاحب هذا الدعم الأمريكي، تفهم واضح من الولايات المتحدة بأن ما يحدث حالياً في اليمن هو رد فعل وهجوم مضاد على اعتداءات الحوثيين، لاستعادة الأراضي التي دخلوها نتيجة هجومهم، بما لا يدع مجالاً للشك بأن الولايات المتحدة لم تكن تتوقع فقط هذا الأمر، بل تدعمه أيضاً لأسباب تتعلق بمصلحة واشنطن في ألا يتمكن الحوثيون من فرض سيطرتهم على مضيق باب المندب في أي وقت، واستخدامه كورقة استراتيجية مثلما يفعل الإيرانيون في مضيق هرمز.
تردد أم تريث؟
قبل أيام قليلة، نشرت وسائل إعلام أمريكية تقارير حول تردد الرئيس دونالد ترمب في اتخاذ قرار بشن هجمات عسكرية أمريكية مباشرة ضد الحوثيين، وأنه تراجع في اللحظة التي كانت فيها الطائرات الحربية الأمريكية تستعد للإقلاع لتنفيذ طلعات جوية تستهدف مواقع الحوثيين، لكن تأكيد البيت الأبيض أنه إذا اقتضى الأمر، فإن الولايات المتحدة ستقف دائماً إلى جانب السعودية وتدعمها، أبقى الباب مفتوحاً أمام تدخل أميركي مباشر بدا أنه يتوقف على تطور الأحداث المستقبلية، وما إذا كان ترمب سيتخذ قراراً في شأن ما إذا كان سيستأنف قصف النظام في طهران، ومتى سيقوم بذلك.
كان من الواضح أن الرئيس الأمريكي لم يقاوم فكرة المشاركة في الصراع عبر شن غارات جوية أميركية، بعدما أوضح أنه لا يميل إلى التخلي عن اتفاق وقف إطلاق النار الذي توصلت إليه الولايات المتحدة مع الحوثيين بعد أسابيع من الاشتباكات العام الماضي، وتأكيده أن الحوثيين تعهدوا عدم إطلاق النار على السفن الأمريكية، وإنما فضل التريث والحذر، كتكتيك سياسي وعسكري، بينما تستقدم الولايات المتحدة حاملة طائرات ثالثة والآلاف من القوات البرية إلى الشرق الأوسط، لمواجهة بدت أكثر احتمالاً مع طهران خلال أسابيع قليلة، بما يشير إلى أن فتح جبهة ثانية مع الحوثيين، قد يشتت جهوده الحربية مع طهران، وهو ما أكده المبعوث الأمريكي الخاص السابق إلى اليمن تيم ليندركينغ، والذي أبدى تفهمه بأن الصراع لم يحسم مع إيران بعد، ولذا لا يرغب ترمب في فتح جبهة أخرى الآن في الأقل.
وهناك أيضاً عامل آخر، وهو أن الولايات المتحدة استنزفت بعض مخزوناتها من الذخائر الموجهة بدقة، مما أثار مخاوف متزايدة لدى المخططين العسكريين في شأن مستويات المخزون والجاهزية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وكما أظهر الإيرانيون في الأشهر الأخيرة، فإن استراتيجية الحوثيين القائمة على استخدام أسلحة دقيقة تزامناً مع أنظمة منخفضة الكلفة وقابلة للتوسع، تشكل تحدياً يصعب على أنظمة الاعتراض الأميركية المحدودة والمكلفة، التعامل معه بفاعلية.
تغير محتمل
ربما يبدو موقف ترمب حذراً بصورة لافتة لرجل أظهر نزعة كبيرة نحو المخاطرة السياسية هذا العام، سواء كان ذلك من خلال شن حرب على إيران، أو إطاحة رئيس فنزويلا، أو فرض حصار على الطاقة لإطاحة النظام الكوبي، لكن ترمب كثيراً ما يغير رأيه، وغالباً لأسباب مفاجئة، مما يعني أنه قد يغير رأيه وينتهي به الأمر بضرب الحوثيين في أي وقت.
يدرك الرئيس ترمب وكبار المسؤولين في إدارته أن ثمة روابط بين الصراع مع إيران والقتال الدائر ضد الحوثيين، إذ يدعم النظام الإيراني الحوثيين في اليمن ويزودهم بالسلاح، كذلك يشترك قادة طهران وقيادات الحوثيين في عدد لافت من السمات، بما في ذلك وجود قادة يلتزمون السرية والاختفاء، وتبني أفكار توسعية، ويشتركان أيضاً في العداء الشديد للولايات المتحدة، ويسعى كل منهما للسيطرة على ممرات بحرية حيوية للتجارة العالمية، إيران في مضيق هرمز، والحوثيون في مضيق باب المندب.
وإذا كان بعض مساعدي الرئيس الأميركي ممن لديهم دراية بالمنطقة يحذرون من أن مجرد إرسال قوات برية أميركية، قد لا يكون كافياً لوقف هذه الجماعة، يرى بعض المشرعين في الكونغرس ومسؤولين أميركيين حاليين وسابقين أن شن غارات جوية على الحوثيين أمر يستحق العناء، بهدف إضعاف قدرات هذه الميليشيات اليمنية في الأقل.
ويرى أستاذ دراسات الشرق الأدنى في جامعة برينستون، برنارد هيكل، أن ثمة احتمالاً ضئيلاً أن تسهم الولايات المتحدة في مثل هذه المعركة عبر إرسال قوات برية، ومع ذلك، يمكن للولايات المتحدة تقديم دعم استخباراتي ولوجستي، تماماً كما فعلت عام 2015، كذلك يمكن للبحرية الأميركية شن ضربات، على غرار ما حدث عندما فرض الحوثيون حصاراً على البحر الأحمر عام 2025، قبل أن يعلن ترمب وقفاً لإطلاق النار.
أوجه مساندة متعددة
تتسم طبيعة الالتزام الأمريكي بدعم السعودية والحكومة اليمنية المعترف بها دولياً في مواجهة الحوثيين بأنها غير مباشرة في المقام الأول، إذ تتمحور حول التمكين وتبادل المعلومات الاستخباراتية، بدلاً من شن واشنطن حملة قصف أميركية مباشرة ومنفردة، إذ توفر أمريكا بفاعلية خدمات تبادل المعلومات الاستخباراتية، والمساعدة في تحديد الأهداف، والتنسيق اللوجستي، والاستشارات العسكرية في مراكز التخطيط والعمليات.
وفي حين تتزايد احتمالات الدعم والمساندة في جوانب أخرى من دون إعلان رسمي أمريكي، يبقى الإعلان عن التزام الإدارة بالاتفاقات الأمنية الثنائية مع السعودية، وحق الرياض في الدفاع عن النفس في مواجهة هجمات الحوثيين، أمراً مهماً للغاية في خضم عمليات قد تشهد تحولاً في أي وقت قريب.
وبينما تتولى القوات اليمنية الجانب البري من العمليات، مع دعم جوي سعودي، يتيح ذلك لواشنطن احتواء تهديدات الحوثيين مع الحفاظ على المرونة الدبلوماسية والقدرات العسكرية، ووجود بحري قوي في المنطقة لحماية مسارات الشحن التجاري وضمان حرية الملاحة قرب الممرات المائية الاستراتيجية الحيوية، مثل مضيق باب المندب، فضلاً عن احتفاظ واشنطن بقاذفاتها الثقيلة، ومجموعات حاملات الطائرات الضاربة، والذخائر عالية الدقة والقيمة، لاستخدامها في بؤر التوتر ذات الأولوية القصوى.
وإذا كان الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، أجاز توجيه ضربة واحدة في الأقل ضد الحوثيين، واصفاً إياها بأنها رد على هجمات حوثية استهدفت سفناً أمريكية، وإصدار الرئيس جو بايدن، أوامر بسلسلة من الضربات عندما كثف الحوثيون هجماتهم في ذروة الحرب على غزة، زاعمين أنهم يتحركون ضد المصالح الإسرائيلية في المنطقة، وإعلان ترمب نفسه استسلام الحوثيين العام الماضي بعد ضربات مكثفة استمرت نحو 50 يوماً، إلا أن الأمر قد يصبح أكثر صعوبة إذا ازداد الحوثيون جرأة، وبدأوا يهددون ليس فقط مضيق باب المندب، بل أجزاء أخرى من المنطقة أيضاً.
صعوبة الدبلوماسية
وإذا كان ترمب يريد تجنب فتح جبهة أخرى، فإنه لا يبدو مقتنعاً بإمكان التوصل إلى حل دبلوماسي طويل الأمد مع الحوثيين، إذ لم يكرس سوى القليل من الجهد الدبلوماسي لحل هذا الصراع، ولم يعين أي أمريكي في منصب مبعوث الولايات المتحدة الخاص المعني بالصراع في اليمن، متجاهلاً أن تيموثي ليندركينغ الذي شغل هذا المنصب سابقاً، كان ساعد في التوسط لإبرام هدنة عام 2022، علماً أن الشهر الماضي عينت واشنطن في السعودية وسلي هانت سفيراً لها، كذلك أن المفاوضين المفضلين لدى ترمب، مثل ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، منشغلون تماماً بالتعامل مع الصراعات في إيران وغزة وأوكرانيا.
ومما يزيد الأمور تعقيداً أن العمانيين الذين غالباً ما يلعبون دور الوسيط، لا يتمتعون بأفضل العلاقات مع الولايات المتحدة في الوقت الراهن، كذلك أن الحوثيين هم من بدأ شن الهجمات ضد قوات الحكومة الشرعية في توقيت بدا من الواضح أنه يخدم أجندة طهران في صراعها الطويل مع واشنطن، كورقة ضغط إضافية يمكن أن تهدد بإغلاق باب المندب لزيادة الألم على الاقتصاد العالمي والأميركي، مما يعني أن الدبلوماسية مع الحوثيين لن تكون أمراً سهلاً أو مفيداً لأن القرار في طهران وليس صنعاء.
وإذا كان هناك من دليل على الصعاب التي يمكن أن تواجه الدبلوماسية، فليس أدل على ذلك ما قاله المبعوث الأممي الخاص السابق إلى اليمن، مارتن غريفيث، والذي يعد واحداً من قلة من الأجانب الذين تعاملوا مباشرة مع زعيم الحوثيين الأول، عبدالملك الحوثي، داخل اليمن، حيث يقول غريفيث إنه في نهاية المطاف، وحتى لو كانت هناك علاقات طيبة ظاهرياً بين المفاوضين الأمريكيين وممثلي الحوثيين في لقائهما الأخير في مسقط، فإن الحوثيين يظلون محتفظين بمسافة تجعل من الصعب فهم دوافعهم الحقيقية بدقة، كذلك اعترف غريفيث بأنه وجد أن الحقائق التي كان الجميع يسعى إلى الكشف عنها طوال هذه الأعوام، كانت بعيدة المنال.
نهج "أمريكا أولاً" في اليمن
وفي ظل عدم جدوى الدبلوماسية في الوقت الراهن في الأقل لارتباط الصراع اليمني بالحرب الأكبر بين أمريكا وطهران، يبدو أن الرئيس ترمب اختار موقتاً في الأقل، نهج "أمريكا أولاً" الذي تعهَّده في حملته الانتخابية الرئاسية متعهداً بعدم الزج بالقوات الأميركية في صراعات الشرق الأوسط، على رغم أنه نكث هذا الوعد في إيران، بحسب مديرة التخطيط الاستراتيجي السابقة للشرق الأوسط في مكتب مدير الاستخبارات الوطنية الأميركية، غريس ويرمنبول.
وفي واحدة من أولى صفقات سياسة "أمريكا أولاً" في عهد إدارة ترمب الثانية، انتزعت الولايات المتحدة نفسها من صراع إقليمي من دون أن تعمل على حله، ففي السادس من مايو/ أيار 2025، وعقب أسابيع من القصف الذي استهدف مواقع للحوثيين في اليمن، أعلن ترمب انتهاء المعركة، واستسلام الحوثيين الذين وصفهم بأنهم مجموعة من الأفراد يمتلكون أسلحة متطورة ويهددون حركة الملاحة العالمية، واتفق معهم على وقف هجماتهم على حركة الملاحة البحرية في البحر الأحمر.
ومع ذلك، لم يتعرض الحوثيون إلا لضرر عسكري محدود، إذ ظل بإمكانهم مواصلة القتال ضد إسرائيل، التي جرى تهميشها بعدما استبعدت من اتفاق ترمب مع الحوثيين، وتركت لتواجه جماعة الحوثي بمفردها، بينما انسحبت الولايات المتحدة من صراع إقليمي من دون أن تعالج جذوره أو تحله.
هل حان وقت الحسم؟
في حين تبدي الولايات المتحدة تردداً في إعادة تخصيص موارد عسكرية ضخمة لليمن في المدى القريب، ولا تزال بعد مرور سبعة أشهر غارقة في حرب مع إيران، كان من المفترض ألا تستغرق سوى بضعة أسابيع، تحول محور الحرب، التي بدأت بهدف تغيير النظام، ليتركز الآن على إيجاد حل لأزمة مضيق هرمز، في ظل وجود قيادة إيرانية جديدة تتبنى نهجاً أكثر تشدداً، وفي الوقت ذاته، يواجه البيت الأبيض انتقادات سياسية وشعبية متزايدة في شأن الكلف الباهظة للحرب قبيل انتخابات التجديد النصفي الأميركية.
كانت جهود واشنطن السابقة لمواجهة الحوثيين بمثابة مؤشر مسبق إلى نقاط ضعف تكشفت خلال الحرب مع إيران، فعندما بدأ الحوثيون بمهاجمة أهداف بحرية في البحر الأحمر في أعقاب الهجمات التي قادتها حركة "حماس" ضد إسرائيل في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول عام 2023، كان من الواضح أن الحوثيين عملوا مثل إيران على صقل تكتيكات الحرب غير المتكافئة، حيث استخدموا طائرات مسيرة منخفضة الكلفة، مما أدى إلى خفض حركة الملاحة في قناة السويس بنسبة 50% خلال عام 2024.
وواجهت عملية "حارس الازدهار"، وهي تحالف بحري بقيادة الولايات المتحدة لتأمين الملاحة في البحر الأحمر منذ ديسمبر/ كانون الأول 2023، صعوبة في عكس هذا المسار، إذ قامت عديد من شركات الشحن بتغيير مساراتها لتلتف حول أفريقيا عبر "رأس الرجاء الصالح" تجنباً لارتفاع أقساط التأمين وأخطار هجمات الحوثيين، وحتى بعد مرور أشهر على توقف هجمات الحوثيين، ظلت حركة الملاحة أقل بنسبة 60% مقارنة بمستويات منتصف عام 2023.
لم تحقق الحملات الجوية السابقة التي شنتها واشنطن ضد الحوثيين سوى نتائج محدودة، فبحلول وقت أعلن فيه ترمب الانتصار، كان الحوثيون نقلوا أصولاً استراتيجية إلى مخابئ تحت الأرض، مع استمرارهم في إطلاق طائرات مسيرة وصواريخ منخفضة الكلفة نحو السفن في البحر الأحمر.
أما الآن، فإن سياسة التريث والانتظار في لحظة حاسمة، قد يفهمها الحوثيون والإيرانيون على أنها علامة ضعف من أقوى جيش في العالم، بحسب ما يردد الرئيس ترمب دائماً، وقد يدفع ذلك طهران إلى توظيف الحوثيين كما يفعلون دائماً، لمحاولة تكريس هيمنتهم على باب المندب، مما يهدد مصالح الأمن القومي الأمريكي والاقتصاد العالمي بصورة مباشرة، مما يستدعي هذه المرة وفي هذا التوقيت تدخلاً عسكرياً حاسماً، من شأنه إنهاء هذا التهديد أو في الأقل خفض أخطاره وتخفيف آثاره على حركة الملاحة البحرية العالمية، بما يقوض جهود إيران للسيطرة على مضيقين عالميين في وقت واحد.
(طارق الشامي)