الحوثي يضغط على تعز، وتعز بصمودها واستبسالها تضغط على الشرعية وتحرجها. وبين ضغط الحوثي وصمود المدينة، تتشكل معركة أكبر من حدود تعز نفسها؛ معركة تختبر السلطة، وتختبر المكونات والقوى المناهضة للحوثي، وتختبر الحوثيين أيضًا. فهل يستطيع الحوثي إخضاع المدينة التي استعصت عليه؟ وهل تستطيع القوى التي تقول إنها تريد استعادة الدولة أن تحوّل صمود تعز إلى نقطة تحول في مسار الحرب؟
خلال الأسابيع الأخيرة تصاعد القتال في تعز، وأعلنت القوات الحكومية عن عمليات وضربات مكثفة ضد مواقع الحوثيين وتحركاتهم وتعزيزاتهم. وفي أحدث بيان عسكري، قالت القوات المسلحة إنها نفذت 474 غارة وعملية استهداف خلال 24 ساعة. وبحسب الرواية الرسمية، أسفرت هذه العمليات عن مقتل وإصابة 1540 من عناصر الحوثي، وتدمير وإعطاب 216 وسيلة وقدرة عسكرية، مع تركيز مكثف على جبهات تعز.
كل ذلك مهم، ولا ينبغي التقليل منه. لكن يبرز هنا سؤال بريء: كيف تفسر قيادتنا الشرعية لمناصريها أن كل هذه الضربات والخسائر المعلنة تتزامن مع استمرار الموجات الحوثية ووصولها إلى مناطق جديدة وضغطها على محيط تعز؟
السؤال ليس تشكيكًا في شجاعة المقاتلين، ولا إنكارًا لما تحقق في بعض المحاور. إنه سؤال عن النتيجة الاستراتيجية. فالحرب لا تُقاس بعدد الضربات ولا بعدد الخسائر التي تعلنها البيانات، وإنما بما تمنعه تلك الضربات، وما تستعيده القوات، وكيف تتغير الخريطة بعد كل جولة.
وهنا تحديدًا تصبح الصورة أكثر تعقيدًا، بل أقرب إلى المفارقة. ففي الثاني من أكتوبر أصدر الناطق الرسمي للقوات المسلحة «تنويهًا هامًا للمواطنين في محافظة تعز»، يدعوهم فيه إلى تجنب المرور، حتى إشعار آخر، في تسعة عشر طريقًا قال إن الميليشيات الحوثية تستخدمها لتحركاتها وإمداداتها العسكرية، وفي مقدمتها طريق صنعاء–ذمار–إب–القاعدة–الحوبان. ومعنى هذا التنويه، أو هكذا يُفترض، أن خطوط إمداد الحوثي باتت مرصودة ومحددة وتحت النار.
لكن الواقع يقول شيئًا آخر: لا خطوط توقفت، ولا إمداد انقطع، والحوثيون يصلون كل يوم بأعداد أكبر وعتاد أكثر. فإذا كانت الطرق معروفة بأسمائها ومرصودة ومستهدفة، فكيف تعبر منها هذه الموجات المتلاحقة؟ ومن الذي توقف فعلًا عن المرور: الحوثي أم المواطن؟
ولعل جزءًا من الجواب أن الضربة الجوية لا تحصد شيئًا ما لم يتبعها تقدم بري يستثمرها. وحين يُضرب الحوثي بعد وصوله إلى التباب، فذلك يعني أن قطع إمداده قبل الوصول لم يتحقق. فالطيران يُوجع، لكنه لا يمسك الأرض.
بل إن التنويه نفسه يكشف ما هو أبعد. فقائمة الطرق لا تقتصر على خطوط قادمة من صنعاء وإب، بل تمتد إلى البرح والمخا وموزع والوازعية وجبل حبشي. ومعنى ذلك أن الحوثي لا يخوض معركة على موقع عسكري واحد، بل يتحرك على شبكة طرق تطوّق المدينة من الشمال والغرب. والأخطر، بحسب مراسلة الجزيرة في تعز، أنه قصف عبّارة أسفل نقيل هيجة العبد في سائلة المقاطرة، على الطريق الوحيد الذي بقي يربط تعز بعدن. وهكذا تنقلب المعادلة: الشرعية تحذّر مواطنيها من طرق الحوثي، والحوثي يقصف طريق المدينة الوحيد إلى العالم. فمن يحاصر من؟
ومن حق المواطن، إذن، أن يسأل: أين الفارق بين ما تقوله البيانات وما تراه تعز؟
ليس المطلوب من القيادة أن تكشف خططها العسكرية أو تفاصيل عملياتها. المطلوب أن تشرح، بالقدر الممكن: إلى أين تتجه المعركة؟ وما الذي تريد تحقيقه في تعز؟ وما الذي تحقق فعلًا؟ وما الذي لم يتحقق؟ ولماذا؟ ومن حق الناس أيضًا أن يعرفوا نتائج التحقيق فيما جرى في المخا والساحل، فالصمت عن الخسائر لا يحمي المعنويات، بل يترك الفراغ لمن يملؤه بالشائعة والتخوين.
فالقول إن القوات في جاهزية، وإن العمليات تسير وفق خطط مرسومة، يجب أن يجد ترجمته في الميدان. لا نريد من الشرعية أن تقول لنا إن الخطة موجودة؛ نريد أن نرى في الميدان ما يجعلنا نصدق أنها موجودة.
وتزداد أهمية هذا السؤال لأن اليمن قد يكون مقبلًا على مرحلة مختلفة. فقد أفادت «رويترز» بأن السعودية تدرس هجومًا واسعًا ضد الحوثيين لاستعادة السيطرة على باب المندب، مع خيارات تشمل عمليات متزامنة على جبهات بينها تعز ومأرب والجوف والبيضاء. وأفادت «أكسيوس» بأن السعودية والقوات الحكومية اليمنية تستعدان لهجوم مضاد على الساحل الغربي بدعم استخباراتي أميركي، دون مشاركة أميركية مباشرة حتى الآن. وهذه تقارير عن خطط وخيارات قيد الإعداد، وليست إعلانًا عن عملية بدأت بالفعل.
وبهذا تصبح تعز أكثر من جبهة صمود؛ تصبح بوابة اختبار للمرحلة المقبلة. فإذا كان الحوثي يسابق هذه المرحلة بتحسين موقعه على الأرض، وهو احتمال جدير بالقراءة، فإن بقاء تعز في موقع الدفاع وحده لا يكفي.
وفي الوقت نفسه، يجري بحث مسار سياسي في الإقليم. فقد أعلن وزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار أن اجتماعًا طارئًا لأعضاء اتفاقية مكة الدفاعية سيُعقد في الرياض لبحث الهجمات الحوثية، إلى جانب بحث فكرة الانخراط السياسي مع الحوثيين. وأوضح أن المقترح الإيراني ليس عرضًا رسميًا مكتوبًا، وإنما فكرة يجري بحثها كخيار سياسي إلى جانب استمرار الالتزام الدفاعي.
والمطلوب أن يكون الموقف اليمني واضحًا: السياسة ليست بديلًا عن حماية الدولة، والقوة ليست غاية في ذاتها. وأي مسار سياسي جاد يجب أن يستند إلى المرجعيات اليمنية المعلومة، وأن يستفيد من دروس التفاوض السابقة. فقد أُتيحت للحوثيين فرص سياسية متكررة، لكنهم لم يحولوها إلى سلام مستدام، ولا إلى إنهاء الانقلاب واستعادة مؤسسات الدولة. ولذلك ينبغي ألا تتحول المكاسب التي تُنتزع بالقوة إلى أوراق تكافئ المعتدي، أو إلى ترتيبات تتجاوز الشرعية، أو تنتقص من حق اليمنيين في دولتهم وأرضهم ووحدتهم.
أما تعز، فلا يجوز أن تنتظر حتى تتحدد كل هذه المسارات من حولها.
إنقاذ تعز ليس شعارًا، ولا يعني فقط صد الهجوم التالي. إنه يعني حماية المدينة وأهلها، وتأمين محيطها، وإبقاء شريانها إلى عدن مفتوحًا، ثم فك حصارها بفتح جميع الطرق منها وإليها، وصولًا إلى الانتقال من الدفاع عن تعز إلى تحريرها.
ثم يأتي امتحان المكونات والتشكيلات العسكرية. فلا قيمة لقوة متفرقة إذا عجزت عن إنتاج قرار موحد، ولا معنى لتعدد الجبهات إذا لم تلتقِ في هدف وطني واضح. والمطلوب اليوم ليس إلغاء التشكيلات أو تفكيكها، بل جعل تعددها مصدر قوة لا سببًا لتشتت القرار، إلى أن تنتظم جميعها في مؤسسة عسكرية وطنية واحدة.
والشرعية بدورها أمام امتحان لا تستطيع تأجيله. ليس المطلوب منها بيانات أكثر، وإنما نتائج أوضح: مراجعة ما تعثر، وتصحيح ما أخفق، وتوحيد القرار، وترتيب القوات، وتحديد البوصلة التي يعرف عندها المقاتل والمواطن معًا ماذا نريد وإلى أين نسير.
أما الحوثي، فهو أمام امتحانه كذلك. فإذا كان يراهن على إنهاك تعز وإخضاعها، أو تحويل الضغط عليها إلى ورقة سياسية، فإن صمود المدينة يضع هذا الرهان على المحك. وتعز التي لم تسقط طوال هذه السنوات ليست مدينة يمكن اختزالها في خريطة عسكرية؛ إنها جزء من معركة الدولة نفسها.
لذلك لا نريد أن تبقى تعز جبهة تُدار حتى لا تسقط؛ نريدها معركة تُخاض لكي تتحرر. ففك الحصار ليس نهاية المعركة بل بدايتها، وتحرير تعز ليس غاية منفصلة بل منطلق لاستعادة الدولة. من تعز يُستعاد زمام المبادرة، ومنها يمتد الطريق إلى استعادة مؤسسات الدولة والعاصمة صنعاء، وإنهاء سلطة الحوثيين، ومحاسبة من ارتكبوا الجرائم أمام قضاء عادل.
الحوثي يُمتحن في قدرته على إخضاع تعز، والشرعية تُمتحن في قدرتها على حمايتها وتحريرها، والتشكيلات العسكرية تُمتحن في قدرتها على توحيد قوتها وقرارها وغرفة عملياتها. أما تعز نفسها، فقد أدت ما عليها: صمدت، وما زالت تقاتل، ولن تستسلم.
وقد آن لمن يملك القرار أن يؤدي ما عليه.