منذ مطلع سبتمبر/أيلول الماضي تسارعت وتيرة النزوح في اليمن بصورة لافتة، وتصاعدت أرقام النازحين في تحديثات المنظمات الأممية والجهات الحكومية، مع سيطرة ميليشيات الحوثي على مدينتي حيس والخوخة جنوب محافظة الحديدة والمخا والمديريات الغربية لمحافظة تعز.
موجات النزوح الكبيرة التي شهدتها هذه المناطق، أعادت إلى الأذهان موجات النزوح الكبيرة وفرار آلاف المواطنين عقب دخول الحوثيين إلى العاصمة صنعاء في سبتمبر 2014، في تغريبة تتجدد وتعمق مأساة اليمنيين.
اليوم في أماكن نزوحهم الجديدة في عدد من مناطق اليمن يواجه النازحون، واقعاً أكثر قسوة حيث لا مأوى ولا تدخلات إغاثية في ظل أوضاع اقتصادية وإنسانية صعبة.
"اندبندنت عربية" زارت أحد المخيمات في شمال محافظة مأرب التي أنشئت أخيراً، وتقطنه عشرات الأسر النازحة حديثاً، والتقت عدداً من النازحين بعضهم من مناطق الساحل الغربي وآخرين نزحوا من مناطق أخرى لا يزال كثيرون منهم تحت تأثير صدمة النزوح وفقدان السكن والمأوى، ويرفضون التحدث للإعلام عن الأسباب التي دفعتهم إلى النزوح.
عسكرة الأحياء السكنية
في حديثه لـــ"اندبندنت عربية"، يقول النازح "محمد مسعد" (اسم مستعار لمواطن يمني رفض الكشف عن اسمه خوفاً من مصادرة منزله وسجن أشقائه الذين لا يزالون في مدينة الحزم عاصمة محافظة الجوف) الذي فر من مدينة الحزم ليحط رحاله في محافظة مأرب، "إن أسباب نزوحه من مدينة الحزم هو تحول المدينة إلى قاعدة عسكرية للحوثيين الذين لم يعودوا يوجدون في المعسكرات والمقرات الحكومية بل في البيوت داخل المربعات السكنية.
وأنا نزحت لأني في الفترة الأخيرة مُنعت حتى من فتح نافذة المنزل لأن المنازل التي بجوار منزلي حولوها إلى سكن لمقاتلين حوثيين، والمخبز الذي يبيع الخبز في الحي أصبح يقدم خدماته لهم، ومحطة البنزين الذي تخدم المواطنين هي نفسها الذي تعمل على تعبئة مركبات المشرفين والمقاتلين، فلهذا قررت خوفاً على أبنائي وعائلتي أن أترك منزلي وأذهب وأعيش في هذه الخيمة. كما أن الطيران يحلق بشكل مستمر في مدينة الحزم وإذا تم استهداف الحوثيين، حيث المنازل متلاصقة، سيطالنا الأذى".
لا مأوى ولا خدمات
وفي المخيم ذاته لا تتوقف المعاناة عند الخوف من القصف، بل تمتد لتطال تفاصيل الحياة اليومية وسط ظروف معيشية صعبة تفتقر لأدنى مقومات الحياة.
يمسك النازح محمد علي بطرابيل مهترئة تم تثبيتها على واجهة الكرفانة كستارة تحجب ما تيسر من مأواهم المفترض، عن النازحين المارين من أمامه داخل المخيم، الذي أصبح مسكناً له ولعائلته في نزوحه الجديد. ويقول إنه منذ وصل المخيم لم يحصل على مأوى، وأن الكرفانة قد أخذها من قريب له غادر المخيم.
في حديثه إلى "اندبندنت عربية"، يجد محمد علي صعوبة في وصف ما يعيشه داخل المخيم، مشيراً إلى أن واقع المعاناة أكبر من القدرة على التعبير، ويقول إن "الوضع أصعب من أن أتحدث عنه، ولا أستطيع أن أفسر الحقيقة الذاتية لما أمر به، فحتى لو تكلمت لا يمكنني وصفه".
ويصف محمد علي تفاصيل يومه في المخيم بغياب "الماء والكهرباء والخدمات، فضلاً عن غياب فرص العمل ونشاط المنظمات الإغاثية، ليجد نفسه وعائلته بلا مأوى حقيقي سوى تلك الكرفانة التي لا تكفي كمأوى له ولعائلته".
ولم تقف آثار النزوح عند حد الحرمان الخدمي والمعيشي، بل امتدت لتطال تعليم أبنائه الذين باتوا خارج مقاعد الدراسة، فيقول، "لا توجد مدارس قريبة، ولم نتمكن من تدريس الطلاب بسبب بعد المسافة بين المخيم والمدارس".
في المخيم تعمل أم علي، وهي نازحة جديدة من الساحل الغربي، بمجرفة يدوية على ردم التربة والرمال عند أسفل خيمتها لحمايتها من الرياح والأتربة، وتقول "نحن نازحون جدد نحاول ترتيب أوضاعنا في هذا المخيم، نصلح خيمتنا من الخارج ونعيش هنا حتى يفرجها الله. الوضع المادي متعب جداً، ونحن نمر بظروف قاسية، كما ترى أنا الآن أقوم بتركيب خيمتي بنفسي".
نزوح من فخاخ الألغام
وفي أثناء تجولنا في المخيم وقت الظهيرة صادفتنا مسنة تدعى "أم صالح" بادرتنا بالحديث ظناً منها أننا منظمة إنسانية. تحمل بطاقة شخصية بيدها استعداداً لإجراءات التسجيل.
وعن سؤالها عن عمرها، قالت إنها لا تعرف، لكن من ملامحها يبدو أنها تتجاوز الـ70 من العمر. تقول إن والدتها المسنة طريحة الفراش ومصابة بكل الأمراض المزمنة وأنها مقعدة. جلسنا معها في ظلال خيمتها وكانت الرياح تحمل الأتربة إلى وجوهنا.
نزوح جماعي
وعندما سئلت عن أسباب نزوحها من بلدتها، تقول "لقد غادر الجميع، ولم تعد هناك حياة تعاش في ديرتنا"، بهذه الكلمات تختصر النازحة اليمنية "أم صالح" أحوال أهالي بلدة ضبوعة في مديرية نهم شرق العاصمة صنعاء، بعد تحول مناطقهم إلى أرض مفخخة تصطاد كل ما يمر عليها بفعل الألغام التي زرعها الحوثيون.
تستذكر "أم صالح" شريط النزوح إذ أجبرتهم المعارك في البداية على الفرار من نهم باتجاه مناطق في محافظة مأرب، ومع تغير خارطة السيطرة الميدانية في نهم حينها، توهم الأهالي أن الأمل قد أشرق مجدداً، فقرروا خوض رحلة نزوح عكسي للعودة إلى قراهم، غير أن هذه العودة لم تكن سوى محطة قصيرة في موجات نزوح متعددة، كان آخرها نزوحاً عكسياً كانت آخر محطاته نزوح إلى أحد المخيمات في شمال مدينة مأرب.
هناك باتت "أم صالح" وعائلتها في مواجهة جحيم من نوع آخر، مخيمات هشة تفتقر لأبسط مقومات الحياة الأساسية، فلا مياه صالحة للشرب، ولا غاز للطهي، ولا حطب، وسط قسوة الطقس والحرارة الحارقة.
تقول أم صالح إن الألغام التي زُرعت بكثافة في الشعاب والأودية حوّلت أرضهم إلى حقول موت محقق وهي أحد الأسباب الرئيسة للنزوح لأنها أودت بالعديد من أطفالهم وأقاربهم. "حتى الصغار والفتيات الذين كانوا يرعون المواشي، لم يسلموا من فخاخ الموت المدفونة، فقُتلوا ونفقت مواشيهم، إلى جانب كثير من رجال القرية".
وفي مخيم آخر من المخيمات القديمة شمال المدينة لا تبدو المعاناة جديدة بل هي امتداد لسنوات من الشتات. تحدثت إلى المعلمة النازحة، جميلة يحيى، التي فقدت زوجها وابنها المعيلين في مواجهات مع الحوثيين.
وعن معاناتها في النزوح تقول جميلة يحيى إن "المعلمة النازحة التي فقدت زوجها وابنها تقع على عاتقها مسؤولية مضاعفة وتزداد الأعباء عليها، إذ تجد نفسها في موقع الأب والأخ والأم في وقت واحد، وتتحمل المسؤوليات كاملة داخل المنزل وخارجه، وسط ضغوط نفسية متزايدة تؤثر في نهاية المطاف في أداء المعلم ووضعه النفسي".
وتضيف أن "النازح يعاني، لكن المعلم النازح يعاني بصورة أكبر، فإذا نظرنا إلى الرواتب يتبين أنها لا تكفي حتى لتغطية الاحتياجات الأساسية للعيش".
ورغم انعدام الإمكانات تؤكد إصرارها على مواصلة رسالتها التعليمية، واصفة المعلمين في المخيمات بـ"الجنود المجهولين في الميدان".
(هشام الشبيلي)