في خضم معركة اليمنيين اليوم مع وكلاء إيران، الحوثيين، ظهر عديد من المحاربين على الساحة، فيما تمايزت بعض الأسماء التي ومض صيتها بين الجموع كقذيفة اخترقت جوف الليل.
من بين هؤلاء القادة، يبرز اسم اللواء حمدي شكري، قائد المنطقة العسكرية الرابعة، وقائد الفرقة الثانية عمالقة، وأحد أبرز جنرالات الحرب الذين خاضوا نزالات عنيفة ضد الحوثيين وأسقط أنساق هجماتهم في جبهات وميادين متعددة.
وفي نشأة تقليدية بسيطة، وُلد حمدي عام 1977 في قرية الغول بمديرية طور الباحة بمحافظة لحج، ونتيجة نشأته الملتزمة ظل بعيداً من نوازع الصراع السياسي والمكاسب الذاتية، ولكنه يحتفظ بموقف مبدئي شديد العداء للمشروع الحوثي، وهو الموقف الذي دفعه للانتقال إلى العمل العسكري مع اندلاع الحرب.
منذ بزوغ نجمه بداية الأعوام الـ10 الماضية، كرس جهده لهذا المبدأ من دون أن يحيد، حتى بات أحد أهم رجال المرحلة الذين يعول عليهم اليمنيون استعادة دولتهم من قبضة الجماعة الموالية لإيران.
بندقية لا تصمت
هذه الصيرورة اللافتة تؤكد حالة الرفض الناشئ من وسط جموع الناس، وهو ما قابله الحوثي باستماتة سعت إلى فرض مزيد من التوغل الميداني والإيغال في أساليب التطويع المتعددة.
وعقب سلسلة من المعارك التي شق غمارها وخرج منها شاهراً سيف النصر، يعول عليه اليمنيون اليوم لحمل مشعل الخلاص، وهي المهمة التي جدد تصديه لها بلا تردد.
إذ كان من أوائل مؤسسي المقاومة الجنوبية في الصبيحة ولحج عام 2015، وشارك في العمليات الأولى من أجل تحرير عدن وكسر الحصار المفروض عليها.
وقاد أيضاً جبهة كرش عام 2016 ونجح في تحريرها قبل أن يشارك في معارك معسكر لبوزة ومناطق حدودية بين لحج وتعز، ثم معارك الساحل الغربي 2017 وصولاً إلى مدينة المخا.
وفي إعادة لشريط الأحداث، سبق وأن شغل دوراً قيادياً بارزاً في عملية "الرمح الذهبي"، ونجح في اقتحام مواقع حوثية حصينة على طول الشريط الساحلي الغربي.
وشارك أيضاً في تحرير مواقع عسكرية مهمة أبرزها قاعدة ومعسكر خالد بن الوليد ومعسكر العمري وسلسلة جبال استراتيجية في تعز، وهي المواقع التي استطاعت الجماعة التابعة لإيران استعادة السيطرة عليها خلال الأسابيع الماضية، ليتولى حمدي شكري مهمة طردها مجدداً في مهمة مستنسخة الفصول.
من القتال إلى السلام
لم يقتصر هذا التمايز في ميدان المبارزة، ولكنه اقترن بنشاط فاعل في ميادين السلام.
وبرزت شخصيته التوافقية في عديد من المواقف الملتهبة كإطفائي بين فرقاء العمل السياسي داخل الحكومة الشرعية وقت اشتداد المعارك الجانبية.
ومنها دوره في فض النزاع واحتواء الأزمة التي بلغت ذروتها بين الحكومة المعترف بها والمجلس الانتقالي في العاصمة الموقتة عدن عامي 2018 وأغسطس/ آب 2019 في فترة شديدة الحساسية والتعقيد.
محاولة إخماد ثورته
يشعر الحوثيون منه بكثير من الألم جراء ضرباته المشهودة التي أصابت صميم مشروعهم في المحافظات الجنوبية والشرقية وتعز ومأرب والحديدة.
ولهذا سعت آلة القتل الحوثية للوصول إليه في سعي حثيث إلى وضع حد للشخصية التي وقفت صخرة صلبة أمام مشاريع تمددهم.
ومن أهمها عملية تفخيخ سيارته الخاصة التي تفجرت بجواره في الـ21 من يناير/ كانون الثاني الماضي في منطقة جعولة شمالي عدن.
فبينما قتل عدداً من مرافقيه، خرج من وسط الأشلاء والدخان شاهراً بندقيته التي لا يهدأ أزيزها، متوعداً بجولات نزال أخرى ضدهم.
لم يتوقف الأمر على هذه المحاولة، فقد سبقتها محاولات اغتيال عدة كادت تنال منه خلال مسيرته العسكرية، أبرزها عام 2018 حين استُهدف بصاروخ حراري داخل قاعدة خالد بن الوليد، مما أدى إلى إصابته بجروح بليغة وقتل سائقه الخاص وأحد مرافقيه، قبل أن يتلقى العلاج ويعود إلى مواصلة مهامه العسكرية.
تولى لاحقاً قيادة ألوية العمالقة، وتدرج في المناصب حتى أصبح قائداً للمحور الثاني ثم الفرقة الثانية عمالقة التي تضم أربعة ألوية قتالية، ونائب القائد العام، عبدالرحمن المحرمي، قبل أن يعينه رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، في أبريل/ نيسان الماضي، قائداً للمنطقة العسكرية الرابعة، قائداً للواء السابع مشاة، إضافة إلى عمله السابق قائداً للفرقة الثانية عمالقة، وترقيته إلى رتبة لواء.
ويمتد مسرح عمليات المنطقة العسكرية الرابعة في الجيش اليمني من عدن ليشمل خمس محافظات، هي لحج وأبين والضالع وتعز، ويقع مركز قيادتها الرئيس في مدينة عدن.
واليوم يقف حمدي شكري من فوق جبال كهبوب والوازعية، يراقب المعارك ويخوض النزال يمنة ويسرة، يستحث رجاله على التقدم واستعادة الأراضي من تحت أقدام الميليشيات التي تموت أمام مقاومة اليمنيين لأن لقادتها "حق إلهي في حكم اليمنيين والأمة" كما تردد سرديتها التاريخية.
(توفيق الشنواح)