14 أكتوبر 2026
آخر الاخبار
13 أكتوبر 2026
يمن فريدم-اندبندنت عربية


تعاني المدارس الواقعة داخل مخيمات النازحين في اليمن نقصاً حاداً في مستلزمات العملية التعليمية، وهو نقص تتفاوت حدته من مخيم إلى آخر، بل ومن مدرسة إلى أخرى داخل المخيم الواحد، كما هو الحال في المخيمات المكتظة بالنازحين بمحافظة مأرب شرق البلاد.

وفي يوم دراسي جديد بمخيم "الميل" شمال مدينة مأرب، رصدت "اندبندنت عربية" رحلة الطلاب الصباحية نحو مقاعد الدراسة.

على الطريق المؤدي إلى المخيم، تلفت انتباهك حافلة مدرسية تقل عدداً من الطلاب الذين يرتدون زي المدارس الأهلية في طريقهم إلى وسط المدينة هؤلاء ينتمون لعائلات تملك القدرة المالية على تسجيل أبنائها في التعليم الخاص، بعد أن فقدوا الأمل في أن يحصل أبنائهم على تعليم جيد داخل المخيمات.

مشقة الرحلة اليومية

عند أطراف المخيم، توقفت السيارة لقليل من الوقت لدى الحاجز الأمني، إذ طلب الجندي نسخة من تصاريح العبور، وهو إجراء روتيني بات جزءاً من تفاصيل العمل اليومي للصحافيين والفرق الإنسانية العاملة في القطاعات الإغاثية والصحية والتعليمية.

عقب تجاوز النقطة الأمنية بخطوات معدودة، استوقفتنا طالبتان في المرحلة الثانوية طلبن منا إيصالهن إلى مدرستهن، يضعن على رؤوسهن قبعات لمواجهة حرارة الشمس، عند العودة ظهراً تبادلنا الحديث معهن عن الصعوبات التي تواجهن في تعليمهن، فكان الازدحام هو العنوان الأول للحديث، يليه الكتاب وبعد المسافات بين إقامتهن وبين المدرسة وغياب بعض التخصصات من المعلمين المؤهلين للمواد العلمية.

مدرسة نازحة

ولم تكن حكاية النزوح حكراً على السكان والطلاب والمعلمين، فالمدرسة التي زارتها "اندبندنت عربية" داخل المخيم هي "مدرسة الرقل"، وهي في الأصل مدرسة نازحة، فالمدرسة جغرافياً في إحدى المديريات الحدودية لمأرب مع مديرية نهم (شرق العاصمة صنعاء)، وقبل نحو سبع سنوات، ومع موجات النزوح الجماعية للأهالي والطلاب وكادرها التعليمي، ورغبة الأهالي في عودة أبنائهم للمقاعد الدراسية وعدم اعتماد وزارة التربية والتعليم للمدارس الجديدة استأنفت العملية التعليمية باسم المدرسة السابقة على أمل أن يكون حلاً موقتاً ويعود الطلاب والمعلمون لمدرستهم القديمة.

وتضم المدرسة نحو 1500 طالب وطالبة نزحوا من مديريات مأرب الشمالية والغربية كمدغل ومجزر وصرواح، ومن محافظة الجوف المجاورة قامت المدرسة قبل سبع سنوات على صورة خيام وكرفانات بتمويل من جهات مانحة، لكنها اليوم تقف عاجزة أمام الاكتظاظ المجهد والمشكلات المتراكمة كل عام.

معلم يشكو

في طابور الصباح، يقف المعلم علي يحيى، النازح من محافظة عمران، ينظم صفوف التلاميذ في ساحة المدرسة قبل توجههم إلى الفصول، ويعمل علي معلماً للغة العربية في "مدرسة الرقل"، ويشكو حاله وحال المعلمين قائلاً "خسرت منزلي وأسرتي ووظيفتي وراتبي في عمران، واليوم يعتمد المعلم هنا على فتات مكافآت غير منتظمة لا تسد أدنى الاحتياجات الأساسية في ظل ظروف معيشية صعبة".

ولفت يحيى إلى أن موضوع العقود التي يوقعها المعلمون مع الجهات المانحة أو مكاتب التربية لا يشمل العام كاملاً، فهي محصورة فقط بأشهر الدراسة، وعندما تنتهي يبدأ المعلم في البحث عن فرصة عمل جديدة، وهذا إشكال يجعل المدرسين يتسربون من قطاعات التعليم إلى قطاعات أخرى.

انعدام الأمان النفسي

ويقول المعلم إن الطلاب يعانون غياباً تاماً للأمن والدعم النفسي، فغالبية هؤلاء الأطفال يحملون فواجع وفقدان "منهم من فقد أباه، ومنهم من فقد أخاه في الحرب، وآخرون فقدوا منازلهم وألعابهم، يلتحق الأطفال بصفوف دراسية تخلو من أبسط وسائل الترفيه أو المساحات الآمنة والحدائق التي قد تخفف عنهم آثار الصدمات والحروب، ونعاني نقصاً حاداً في الكتاب المدرسي، أما المقاعد الدراسية فلم تعد تتسع للأعداد المتزايدة مما يضطر كثيراً من الطلاب للجلوس على الأرض مباشرة طوال ساعات اليوم الدراسي".

مشكلات متكررة

كشف التنقل بين عدد من المدارس داخل المخيم أنه لا تزال التحديات ذاتها منذ سنوات، ولا يزال الطلاب والمعلمين والآباء يشكون الازدحام ويتوسلون الجهات المعنية فصولاً دراسية مناسبة، إذ تعاني معظم المخيمات عدم وجود المدارس، وإن توفرت على هيئة خيام لكنها لا تتسع للأعداد الكبيرة من الأطفال النازحين واحتياجاتهم المتزايدة للكتاب المدرسي، ونقص الكادر التربوي، إضافة إلى محدودية المستلزمات الدراسية في ظل عجز السلطات عن توفير البدائل وإيجاد الحلول لمعوقات كثيرة تضع النظام التعليمي على المحاك وسط غياب تدخلات للمهتمين بقطاع التعليم.

ازدحام الفصول

​داخل فصل دراسي مكتظ، يقف المعلم علي الجولبي ويتحدث عن معاناة الطلاب والمعلمين داخل المخيمات على حد سواء قائلاً ​"نعاني ازدحاماً يتجاوز حدود القدرة الاستيعابية، إذ يضم الفصل الواحد ما بين 110 إلى 129 طالباً وطالبة، كما هو الحال في الصف الثاني الثانوي، إنها أرقام قابلة للزيادة اليومية، والقاعات لا تتسع لهذه الأعداد الهائلة، مما يحرم قطاعاً واسعاً من الطلاب حتى من مجرد إيجاد مقعد يجلسون عليه".

​من منازل إلى خيام

​يقول المعلم أن إثر النزوح نفسياً يؤثر في الطلاب "كان الطالب قبل النزوح يعيش في منزله، وبعضهم كان يقيم في بيوت من دورين وثلاثة أدوار، ويتعلم في صفوف نموذجية لا يتجاوز عدد الطلاب فيها 20 طالباً، اليوم، يجد نفسه يعيش داخل خيمة أو ’كرفانة‘ ضيقة، ويتكدس مع أكثر من 100 زميل في فصل واحد".

​التسرب بسبب الازدحام

مئات الأسر في مخيمات النزوح منعت أبناءها من مواصلة تعليمهم بسبب الازدحام الشديد في مدارس المخيمات، والطفلة مريم عز الدين نزحت مع عائلتها من مديرية نهم شرق العاصمة صنعاء واستقر بهم الحال في مخيم الميل جنوب مدينة مأرب لكنها لم تلتحق هذا العام بالمدرسة التي تبعد من المخيم مسافة 20 متراً فقط، بسبب شدة الازدحام في الفصول الدراسية.

في حديث الطفلة مريم عن أسباب انقطاعها عن التعليم تقول "تركت المدرسة مع أخواتي لكثافة الطلاب في المخيم، لا نستطيع أن نفهم ولا أن نستوعب الدروس المقررة داخل الفصل بسبب الازدحام، وفي سؤالها عن العودة لمقاعد الدراسة أجابت بنعم، ولكن عندما تتوفر فصول دراسية تستوعبها".

يقول والدها "يقول لدي ثلاث فتيات امتنعن عن التعليم بسبب زحمة الطلاب وما بيننا وبين المدرسة إلا 20 متراً، وذهبت إلى نائب مدير المدرسة أبحث عن حلول لمشكلة الازدحام، فأخبرني أنه أجرى محاولات عدة لتوفير فصول للطلاب ولكن لم يلقى الأمر أي تجاوب من الجهات المعنية".

المدارس الموجودة في مخيمات النزوح هي في الغالب خيام وأكواخ تستخدم كفصول دراسية، ويستقبل كل فصل عدداً محدوداً من الطلاب، وتفتقر إلى التهوية المناسبة والحماية من الظروف الطقس القاسية.

ويجد المعلمون صعوبة في توفير جو تعليمي للطلاب في ظل البيئة غير الملائمة، في حين يواجه الطلاب صعوبة في فهم الدروس في فصول الصيف الخانقة أو الشتاء البارد، وقد فرضت هذه التحديات، إلى جانب الركود الاقتصادي، ضغوطاً على الأسر غير القادرة على تحمل نفقات التعليم، مما أدى إلى تسرب عدد كبير من الطلاب وخصوصاً الفتيات من المدارس.

(هشام الشبيلي)

الفيس بوك
تويتر

جميع الحقوق محفوظة YemenFreedom ---- تصميم وبرمجة ALRAJIHI