15 أكتوبر 2026
15 أكتوبر 2026
يمن فريدم-اندبندنت عربية


درج النظام الإيراني في استقطابه الأفراد والجماعات وتشكيل ولاءاتهم، على استخدام التغلغل الأيديولوجي، ثم إخضاعهم للتدريب والانضباط العسكري، عبر المراكز الأكاديمية والمعسكرات في إيران، لتلقي البرامج ذات الطابع الأيديولوجي والعسكري، ويشمل ذلك تلقي الدروس والدورات التدريبية، وإنشاء ورش تصنيع وتجميع، ونقل تقنيات الصواريخ والطائرات المسيرة.

وتستضيف طهران كوادر أذرعها الإقليمية، ومنهم الكوادر الحوثية لإعدادهم فكرياً وعسكرياً، وذلك لخدمة مشروعها الأيديولوجي والعسكري العابر للحدود، وتندرج هذه الاستراتيجية ضمن نطاق ما يُعرف بـ"القوة الحادة".

ومن خلال هذه القوة، التي تختلف عن "القوة الصلبة" في أن الأخيرة تعتمد على الإكراه العسكري أو الاقتصادي بينما "القوة الحادة" تعتمد على التلاعب بالمعلومات والتأثير الخفي، تُخضع إيران الجماعة لتدريب فكري يهدف إلى تعبئة أيديولوجية ممنهجة، ترتبط ارتباطاً مباشراً بالعمليات العسكرية والسيطرة السياسية.

كما صممت عمليات التلقين العقائدي والمناهج التي يستقيها الحوثيون في المقام الأول لإعداد مقاتلين وتبرير العنف، وهو ما يجعل الأيديولوجيا أداة لخدمة الآلة العسكرية، ويصب ذلك في مسعى تعميق الانقسامات لتحقيق مكاسب جيوسياسية، وبناء وكلاء مسلحين يدينون بالولاء لمشروع "ولاية الفقيه".

دأب النظام الإيراني، بصورة مكثفة ومستمرة، على توظيف أدوات "القوة الحادة"، لتحقيق "التشيّع السياسي" من خلال التدريب الفكري والعسكري، وذلك لاستمالة المجتمعات الشيعية في أنحاء المنطقة وحشدها ودمجها ضمن الأجندات الإقليمية الإيرانية.

وقد مكّنت هذه الاستراتيجية إيران من تأمين أدوار محورية وبعض النفوذ السياسي في دول تضم نسبة من السكان الشيعة، مثل العراق ولبنان وسوريا واليمن، واصطدمت بمعارضة شرائح مجتمعية. وينبع تقديم إيران تدريبات أيديولوجية وعسكرية لوكلائها الإقليميين، في هذه الدول لا سيما جماعة الحوثي في ​​اليمن، من استراتيجية جيوسياسية وعقائدية متكاملة تهدف إلى توسيع نفوذها الإقليمي وتأمين مصالحها الحيوية بأقل تكلفة مباشرة ممكنة، إذ تدمج هذه السياسة بين المنطلقات الأيديولوجية والاعتبارات العسكرية والأمنية. بعض النفوذ واصطدمت بمعارضة شرائح مجتمعية.

تصاعد الدور

بدأت علاقة إيران بمؤسسي حركة الحوثي ودعمها لهم في أوائل ثمانينيات القرن الـ20، حين زار وفد يضم كبار الفقهاء "الإماميين"، بمن فيهم بدر الدين الحوثي ومجد الدين المؤيدي، طهران عام 1980، بعد عام من قيام الثورة الإيرانية عام 1979، سعياً منهم للحصول على الدعم للمشروع "الإمامي" الذي كان حينها يحشد جهوده لإحياء دوره، وذلك بعد نحو عقد من انتهاء الحرب التي تلت ثورة الـ26 من سبتمبر/ أيلول 1962.

وخلال حقبة الثمانينيات أيضاً، وجهت إيران دعوات لشباب وعلماء ينتمون إلى المذهب الزيدي لزيارة إيران والاطلاع على التجربة الثورية هناك. ومن أبرز الشخصيات التي لبت هذه الدعوة، بدر الدين الحوثي، رفقة مجموعة من بينها ابنه الطفل آنذاك، عبدالملك.

وتأثرت حركة الحوثيين بشكل عميق بنموذج "الثورة الإيرانية" وشعاراتها، وقد تجلى هذا التأثير بوضوح في خطابات حسين الحوثي بعد ذلك، الذي كان كثيراً ما يستشهد بأقوال الخميني.

وفي عام 1986، بدأت الحركة في تدريس مقرر خاص حول "الثورة الإيرانية" ومبادئها للطلاب الملتحقين بالدورات التدريبية في "منتدى الشباب المؤمن"، وهي المجموعة التي عُرفت لاحقاً في أوساط الحوثيين باسم "أنصار الله".

وعقب ذلك، بدأت إيران في تقديم منح دراسية للطلاب التابعين للحركة للدراسة في مدينة قم، إضافة إلى بعثات تعليمية أخرى بتمويل من السفارة الإيرانية في اليمن. وقد التحق هؤلاء الطلاب بالحوزات الدينية الإيرانية لفترات امتدت لأربعة أعوام لدراسة العقيدة الشيعية الإثني عشرية ومبادئ الثورة الإيرانية، بالتزامن مع اكتساب المهارات اللازمة لنشر أيديولوجية المذهب وتلقي تدريبات قتالية أساسية.

وكشفت تقارير أن هؤلاء الطلاب يستقبَلون فور وصولهم من قبل قادة في الحرس الثوري الإيراني، ليتم توزيعهم بعد ذلك على معسكرات تابعة للحرس في مدن شيراز ومشهد وأصفهان، وغيرها.

تصاعد الدور الإيراني خلال حقبة التسعينيات، إذ بدأت عملية الاختراق الإيراني الفعلي للمجتمع الزيدي في اليمن عبر استقطاب أتباع تحولوا، بعد حصولهم على منح دراسية في إيران بموافقة السلطات اليمنية، إلى المذهب الشيعي الإثني عشري. وقد شجع هذا الاختراق المبكر للمجتمع الزيدي إيران على دعم ما وصِف بـ"الإحياء الزيدي".

وخلال النصف الثاني من التسعينيات، استغلت إيران تحسن علاقاتها مع اليمن لإبرام اتفاقات عدة ركّزت على مجالي الثقافة والتعليم، مما مكّن طهران من ترسيخ موطئ قدم لها في قطاعات حيوية، وأتاح لها ترويج نسختها من المذهب الشيعي وبناء قنوات تواصل أعمق مع الحوثيين.

تدريبات متقدمة

أعلنت صحيفة "التلغراف" البريطانية، في تقرير لها في يناير/ كانون الثاني 2024، أن الحوثيين تلقوا تدريباً في "جامعة خامنئي لعلوم وتقنيات البحار" في زيبا كنار قرب رشت، بإشراف المرشد آنذاك علي خامنئي، الذي كان له دور "محوري وشخصي" في عمليات الحوثيين بالهجوم على السفن في البحر الأحمر.

كما ذكرت الصحيفة أيضاً أنه أمر بتقديم مزيد من الأسلحة والمعدات لهم. وربطت بين الهجوم، وعناصره البالغ عددهم نحو 200 حوثي، كانوا قد تلقوا تدريبات أشرف عليها "الحرس الثوري" في الجامعة، منها دورة لمدة ستة أشهر في عام 2020.

وأورد التقرير أن جزيرة فارور، وهي جزيرة صغيرة غير مأهولة في وسط الخليج العربي وتسيطر عليها البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني، استُعملت لتدريبهم.

وذكر فريق خبراء الأمم المتحدة المعني باليمن، في تقريره لعام 2024، أن الحوثيين تلقوا مساعدات تقنية وتدريباً وأسلحة ودعماً مالياً من إيران، فضلاً عن تدريبات تكتيكية وفنية خارج اليمن.

وأشار الخبراء في تقريرهم إلى أن الحوثيين تحولوا من جماعة مسلحة محلية ذات قدرات محدودة إلى منظمة عسكرية قوية، وذلك بفضل الدعم المقدم من إيران وجماعات مسلحة عراقية ومقاتلين من "حزب الله" اللبناني وأطراف أخرى.

كما ذكروا أن الحوثيين استغلوا الحرب التي اندلعت عام 2023 بين إسرائيل وحركة "حماس" في غزة لتعزيز مكانتهم ضمن ما تطلق عليه إيران اسم "محور المقاومة"، سعياً إلى كسب التأييد الشعبي داخل المنطقة وخارجها.

وأخيراً، كشف تقرير حديث نشرته منصة "ديفانس لاين" عن أدلة مادية موثقة تظهر تلقي قيادات عسكرية حوثية رفيعة تدريبات متقدمة داخل منشآت سرية تابعة للقوة الجوفضائية في "الحرس الثوري"، بما في ذلك مختبرات ومجمعات متخصصة في تطوير الصواريخ، في تطور نوعي يعيد تشكيل فهم طبيعة العلاقة بين الحوثيين وإيران.

وبحسب التقرير، فإن صوراً ومواد وثائقية بثتها وسائل إعلام إيرانية وأخرى موالية لطهران، تظهر بوضوح وجود شخصيات حوثية بارزة مسؤولة عن برامج الصواريخ والطائرات المسيرة، إلى جانب قيادات عسكرية إيرانية.

ضمان التعبئة

توزع إيران عملية استضافة كوادر الحوثيين بين مراكز التعليم الديني في مدينة قم، لضمان التعبئة الفكرية والأيديولوجية، ومنشآت تابعة للحرس الثوري في أصفهان والمناطق الساحلية، حيث يتلقون تدريبات عسكرية متطورة تشمل الصواريخ والطائرات المسيرة والعمليات البحرية.

ويمكن تصنيف هذه المنشآت إلى فئتين، الأولى هي مراكز الإعداد الفكري والعقائدي، وتركز هذه المؤسسات على التدريب المذهبي، وترسيخ مفهوم "ولاية الفقيه"، وإعداد القيادات الإدارية والسياسية للجماعة.

وبحسب موقع "إيران واير"، تُعد "جامعة المصطفى العالمية" في قم مثالاً بارزاً على ذلك، فهي أكبر مؤسسة دينية يستخدمها "فيلق القدس" التابع للحرس الثوري كغطاء أكاديمي لاستقطاب وتجنيد كوادر الحوثيين وعناصر أجنبية أخرى.

وذكر الموقع أن للجامعة فروعاً في أنحاء إيران، في مدن مثل مشهد وطهران وأصفهان وجرجان وقشم، وهي تخضع لعقوبات دولية لاستغلالها الطلاب الأجانب في إنشاء شبكات استخباراتية وأيديولوجية.

وإضافة إلى ذلك، توجد "بيوت عمليات" ومدارس دينية تابعة، فرعية، في قم وطهران، وهي عبارة عن شبكة من المخابئ الآمنة والمدارس المذهبية المرتبطة بالحرس الثوري و"حزب الله" اللبناني، والمنتشرة في أحياء مختلفة من هاتين المدينتين، وتُستخدم هذه المواقع لإيواء وفود الحوثيين وإخضاعهم لدورات تعبئة مكثفة بعيداً من الأنظار والرقابة العامة.

أما الفئة الثانية، فتوجد أكاديميات ومعسكرات عسكرية تتولى مهمات التدريب العملياتي والتكتيكي على الأسلحة الاستراتيجية ونقل التكنولوجيا العسكرية.

وتشمل هذه المنشآت "جامعة أمير المؤمنين للعلوم والتكنولوجيا العسكرية" في أصفهان، وهي أكبر كلية للقوات البرية تابعة للحرس الثوري الإيراني، حيث يتم تدريب الأفراد على المدفعية، والقوات الخاصة (الكوماندوز)، وتكتيكات الحروب البرية وحرب العصابات.

وهناك موقع آخر هو معسكر "15 خرداد" الواقع جنوب أصفهان، ويعمل كمركز لوجيستي عسكري ومستودع للصواريخ الباليستية، ويُستخدم لتدريب عناصر الميليشيات على تجميع وصيانة الصواريخ والمعدات العسكرية الثقيلة قبل نقلها كأجزاء مفككة إلى اليمن، إضافة إلى جامعة خامنئي لعلوم البحار، السابق ذكرها، الواقعة على ساحل بحر قزوين.

وتشير تقارير استخباراتية إلى أن هذا الموقع يعد المركز الرئيس الذي تلقى فيه مئات المقاتلين الحوثيين تدريبات متقدمة استمرت ستة أشهر تحت إشراف "فيلق القدس" التابع للحرس الثوري، وشملت التدريبات تشغيل الطائرات المسيرة، والصواريخ البحرية، والقوارب المفخخة المستخدمة في تهديد الملاحة الدولية.

وقبل تأسيس هذه الجامعة، كان علي فدوي، قائد القوة البحرية للحرس الثوري، حينذاك، قد صرح بأن "جامعة الإمام الخامنئي البحرية" ستنشأ من خلال دمج كلية الصواريخ التابعة للبحرية في شيراز، والكلية البحرية في تشالوس، ومؤسسات أخرى مماثلة، وذلك بهدف تحدي القوة البحرية للدول الأخرى.

مرتكزات الاستراتيجية

تدفع مرتكزات عدة، طهران إلى تبني استراتيجية تركز على البنية التحتية المؤسسية والمادية للمراكز الأكاديمية والعسكرية داخل إيران، وهي مرافق تسهل تقدم جماعة الحوثي من خلال التلقين التعليمي، والتدريب العسكري، والتوجيه التنظيمي.

تكمن في المحور الأول، وهو الأسس الفكرية والأيديولوجية، عوامل عدة، إذ يعد مبدأ "تصدير الثورة" حجر الزاوية في الدستور الإيراني منذ عام 1979.

وتنظر طهران إلى التدريب الأيديولوجي لوكلائها بوصفه وسيلة لنشر أيديولوجيتها السياسية والدينية وإعادة تشكيل الهويات الثقافية للمجتمعات المستهدفة لتتماشى مع أجندتها الخاصة.

ومن خلال الحوزات الدينية والمراكز الثقافية ودورات التعبئة، تسعى إيران إلى تعزيز التقارب الفكري بين المذهب الزيدي، الذي تنتمي إليه قيادة الحوثيين تاريخياً، والمذهب الشيعي الإثني عشري الإيراني.

ويضمن ذلك ولاء المقاتلين التابعين لها، سياسياً ودينياً، للمرشد الأعلى في طهران بصفته رئيساً لـ"المحور"، مما يرسخ مبدأ "ولاية الفقيه".

وعلاوة على ذلك، تعمل هذه العملية على خلق وعي عدائي مشترك، حيث يركز التدريب الأيديولوجي على غرس عقيدة "محور المقاومة" في نفوس المجندين، وهي عقيدة تتسم بمعاداة الغرب وإسرائيل والأنظمة الإقليمية، مما يدفع المقاتلين المحليين إلى تبني أيديولوجية قتالية صارمة تخدم المصالح الإيرانية تلقائياً.

أما المحور الثاني، فتتعلق عوامله بالاعتبارات العسكرية والجيوسياسية، بما في ذلك حروب الوكالة وقواعد الاشتباك منخفضة التكلفة، إذ تتبنى إيران استراتيجية إقليمية تقوم على خوض الصراعات عبر وكلاء محليين بدل الانخراط في مواجهة مباشرة. ويعزز التدريب العسكري قدرة الحوثيين على تنفيذ عمليات معقدة، مثل إطلاق الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية، من دون الحاجة لتحمل التبعات العسكرية أو السياسية المباشرة لتلك الهجمات.

وفضلاً عن ذلك، تبرز مسألة السيطرة على الممرات المائية الاستراتيجية، إذ يمنح التسليح العسكري للحوثيين، طهران وسيلة غير مباشرة لتهديد حركة الملاحة الدولية في مضيق باب المندب والبحر الأحمر، كما هي الحال راهناً، مما يوفر لإيران ورقة مساومة قوية في مفاوضاتها مع الولايات المتحدة.

وترى طهران في الجمع بين الإعداد الأيديولوجي والعسكري لجماعة الحوثي وسيلة لتحويلها من مجرد حركة تمرد محلية في صعدة إلى منظمة عسكرية متحالفة معها وتدور في فلكها، تعمل كذراع فاعلة ضمن خطوط إيران الدفاعية والهجومية المتقدمة.

(منى عبدالفتاح)

الفيس بوك
تويتر

جميع الحقوق محفوظة YemenFreedom ---- تصميم وبرمجة ALRAJIHI