بزي مموه بدائي يلفه على جسده، وفم ممتلئ بالعشبة المخدرة الخضراء "القات"، ظهر جندي حوثي مهدداً شرعية البلاد وحكومتها، قائلاً إنهم ماضون في السيطرة على صنعاء.
كان الجندي، الذي لا يرتدي زياً عسكرياً رسمياً، لا يتحدث باسم كتيبة أو لواء عسكري، كان حديثه ومثله جند كثيرون باسم عبدالملك الحوثي، الزعيم المختبئ في كهوف صعدة وجبالها.
على عكس الحكومة الشرعية، بزيها العسكري الرسمي وقواتها، "درع الوطن" و"العمالقة الجنوبية" وألوية أخرى، يظهر جنود الحوثي، المدعوم من إيران، بلا زي عسكري موحد أو كتائب تحمل مسميات رسمية، ويسيرون جماعات وأفراداً على متن سيارات دفع رباعي يابانية الصنع، وقد جرى تحويل عدد منها إلى مركبات مسلحة تعرف باسم "تكنيكال".
وللمفارقة أن هذه الميليشيات البدائية الصغيرة ابتلعت في عام 2014 دولة كاملة، بما فيها الجيش حين شكلت بقوة السلاح خريطة جاءت على مقاس نفوذها في الشمال اليمني فقط، من "صنعائه إلى حديدته"، المشاطئة للبحر الأحمر، وكادت أن توسع نفوذها نحو بحر العرب الجنوبي، لولا يقظة التحالف ودعمه للشرعية.
وإذا أردنا فهم بعض التساؤلات السابقة حول السلاح والقوة، فلنعد لشرارة الحرب الأولى عام 2011، مع هتافات ما سمي بـ"الربيع العربي".
كانت تلك الحقبة تمهيداً لإزاحة الرجل الذي كاد يخلده قصره الجمهوري، لولا آثام تحالفاته الأخيرة مع الجماعة المارقة، والحديث هنا عن علي عبدالله صالح، الرئيس الذي أحكم قبضته على اليمن، من صعدته إلى مكلاه، لأكثر من 33 عاماً.
وصالح، الذي لم تكتب له نهاية تليق بحكمه الطويل، وحد اليمن المتشظي اليوم، شماله وجنوبه عام 1990. وكأنما أبى إلا أن يعيده لـ"أيمان" كثيرة بعد نهاية حكمه، وهذا ما حدث.
فالشرارة التي أطاحت بصالح مهدت لوصول الحوثي إلى حكم صنعاء، وهذه آفة بلاد البن واللبان والبحار والعسل اليوم.
"كنا جوعى.. فأصبحنا جوعى وخائفين"
في يناير/ كانون الثاني الماضي، سألت خلال رحلة صحافية إلى اليمن، يمنياً بلغ الـ70 من عمره عن السيناريو الذي عصف بالبلاد منذ ثورة يناير/ كانون الثاني 2011، قال "استجرنا بلا وعي من الرمضاء بالنار"، وأضاف "كنا جوعى في حقبة صالح، لكننا بتنا اليوم جوعى وخائفين".
وبقراءة المشهد أعلاه، يتضح أن جزءاً من السلاح الذي بات الحوثي يهدد به شركاءه في الوطن ومحيطه الجغرافي هو تركة صالح، إلى جانب الإمدادات الإيرانية اللاحقة وعمليات التهريب عبر البحر، التي تصل عبر حلفاء غالباً ما يأتي ذكرهم على استحياء.
تمثل قوة الحوثي 0.9% من سكان اليمن
المفارقة أن جماعة الحوثي، التي لا تمثل سوى نحو 0.9% من سكان اليمن البالغ عددهم نحو 40 مليون نسمة، استطاعت بناء قوة عسكرية وفرض نفوذها على مناطق واسعة، على رغم أن عدد مقاتليها لا يزيد على 350 ألف، وفق تقديرات غير رسمية.
حتى أن تهديدات هذه الميليشيات تعدت حدود اليمن واليمنيين، لتطاول الدولة التي استنجدت بها الحكومة الشرعية في أعقاب انقلاب مارس/ آذار 2015 على الرئيس الذي خلف صالح في فترة انتقالية، وهو عبدربه منصور هادي، الذي عاش غربتين، غربة المرض، وغربة الكمد على بلاده التي تشظت من بعده.
لثلاثة عقود، ظل صالح يملأ خزائنه بالأسلحة السوفياتية والأميركية والبريطانية. فخلال 33 عاماً من الحكم، امتلك دبابات سوفيتية الصنع، مثل T-55 وT-62، وناقلات جند مدرعة، ومدافع ميدانية، وراجمات صواريخ BM-21 "غراد".
لكنه، في شهوة جامحة للانتقام من كل من أطاح به، بدءاً من ثورة فبراير/ شباط 2011، من اليمني البسيط إلى نائبه خلال حقبة حكمه عبدربه هادي، واللواء المنشق علي محسن الأحمر، وكل من أسهم وشارك في الحراك الذي أسقطه، اختار الوقوف إلى جانب الحوثيين حليفاً حميماً.
وانتهى تحالفه مع الذين يختلفون عنه فكرياً ومذهبياً بعد ثلاث سنوات برصاصة في رأسه، فمنذ سيطرتهم على صنعاء في سبتمبر/ أيلول 2014، حتى مقتله في الرابع من ديسمبر/كانون الأول 2017، انتهى به المطاف جثة في حوض سيارة دفع رباعي، بعدما أمطر الحوثيون جسده بالرصاص.
ومن هنا، وبالحديث عن سلاح اليوم، ورث الحوثيون ترسانة الجيش اليمني، شملت دبابات وأسلحة خفيفة ومتوسطة ورشاشات ثقيلة ومضادات للطائرات، فضلاً عن ترسانة من الصواريخ الباليستية والمعدات الجوية التي كانت ضمن مخزون القوات الحكومية.
68 %.. أسلحة صالح والحوثي
ووفقاً لتقرير فريق خبراء الأمم المتحدة، شكل تحالف الحوثيين وصالح قوة عسكرية كبيرة بحلول عام 2015، ضمت دبابات ومدرعات ومدفعية وراجمات صواريخ وذخائر، إضافة إلى أسلحة جوية وصاروخية، ويقدر أن هذه الترسانة شكلت نحو 68% من مخزون أسلحة اليمن.
كما تشير التقارير الأممية إلى أن الحوثيين امتلكوا صواريخ باليستية من طرازي "سكود-B" و"هواسونغ-6" (سكود-C)، وظهرت لاحقاً صواريخ "بركان-2H".
إيران.. مركز العمليات
كانت تلك تركة صالح، لكن ماذا عن "مرشدهم" الأول وقبلة عقيدتهم الأولى، إيران؟ يشير تقرير أشرف عليه خبراء أمميون إلى أن الطائرات المسيرة التي استخدمت في المرحلة اللاحقة لحقبة صالح ذات منشأ إيراني.
وأثارني تعليق لأحد قراء صحيفة "ديلي ميل" البريطانية، حين كتب ساخراً على قصة عن الميليشيات الصغيرة، "يبدو أن هؤلاء الذين لا يجيدون القراءة والكتابة قادرون تماماً على قراءة تعليمات إطلاق الصاروخ".
وهو أمر محل تساؤل دائم، لكن تقارير الأمم المتحدة وخبراؤها لم تغفله، إذ أكدوا مراراً أن الحوثيين لا يمتلكون الخبرات اللازمة من دون مساعدة خارجية، فالقدرة على تطوير وإنتاج منظومات معقدة، تشمل الصواريخ الباليستية قصيرة ومتوسطة المدى، وصواريخ كروز، والصواريخ الباليستية والمجنحة المضادة للسفن، والطائرات المسيرة، ومنظومات الدفاع الجوي والرادارات البحرية، لا تتحقق من دون خبراء.
والخبراء والداعمين والمناصرين للحوثي كثر، لكن أبرزهم، وفق تقارير تتناول الدعم الإيراني، عناصر من الحرس الثوري الإيراني.
وهذا ليس خافياً على أحد، فالجماعة التي عاشت وسط الكهوف وبين الجبال تلقت تدريباً ورعاية من الحرس الثوري الإيراني.
تحالف خفي يواجه الشرعية وحليفتها
إن كنت تظن أن الشرعية اليمنية تواجه اليوم، إلى جانب حليفتها السعودية، الحوثيين وحدهم، فأنت مخطئ.
فالسعودية والشرعية تواجهان ما يشبه تحالف دولي وشبكة إمداد عابرة للقارات تمتد عبر 25 دولة، تتصدرها إيران بوصفها الداعم العسكري والتقني الأبرز، فيما تبرز الصين مصدراً رئيساً للمكونات والمواد الخام التي تساعد الحوثيين في تصنيع أسلحتهم داخل اليمن.
وهذا ما تناوله تقرير حديث صدر بالأمس، بعنوان "من المهربين إلى سلاسل الإمداد".
ورصد التقرير مصادر وممرات تمتد عبر 25 دولة، مشيراً إلى أن 35% من المواد والمكونات المضبوطة بين عامي 2021 و2025 ذات منشأ صيني، في مقابل 21% ذات منشأ إيراني.
ما علاقة الصين بالحوثي؟
وتبرز طهران بوصفها الداعم العسكري والتقني الأهم، عبر الحرس الثوري و"فيلق القدس"، فيما تُتهَم الصين بأنها المصدر الأكبر للمكونات والمواد الخام التي تساعد الحوثيين في تصنيع أسلحتهم داخل اليمن.
وتشمل الدول التي رصد التقرير منشأ مكونات، منها الهند وألمانيا وهولندا وكوريا الجنوبية وسويسرا والولايات المتحدة وتايلاند وفيتنام، إلى جانب مسارات نقل عبر جيبوتي والصومال ودول أخرى.
يمكن القول إن وجود مكونات منشؤها الدول التي ذكرها التقرير، أو مرور شحنات عبر أراضيها، لا يثبت تورط حكوماتها في تسليح الحوثيين، لكنه أمر بحاجة إلى إثبات عكسه.
الأوضح والجلي في التقرير هو دور إيران، وشبكات الشراء والتهريب المرتبطة بالجماعة.
شهادات ودلائل
ويفيد التقرير البحثي، الذي استند إلى نحو 150 شهادة ومقابلة معمقة مع خبراء ومصادر سرية، بينهم مسؤولون كبار في المجالات العسكرية والأمنية والاستخبارية، بأن الحوثيين طوروا خلال العقد الماضي قدراتهم العسكرية، وانتقلوا من جماعة محدودة التسليح إلى قوة تستخدم صواريخ وطائرات مسيرة قادرة على ضرب أهداف تبعد حتى 2600 كيلومتر، مستفيدين من شبكة الإمداد الدولية التي أتاحت لهم تصنيع مزيد من أسلحتهم داخل اليمن.
وبفضل إيران ومن ورائها، تمكنت الجماعة من شن أكثر من 115 هجوماً معقداً على سفن تجارية وعسكرية في البحر الأحمر والمحيط الهندي بين أكتوبر/ تشرين الأول 2023 وأكتوبر 2025، فضلاً عن إطلاق صواريخ وطائرات مسيرة باتجاه إسرائيل.
وبحسب التقرير، الذي أعده بيتر سالزبري وهنري تومسون وفينا علي خان، جمع الباحثون قاعدة بيانات تضم أكثر من 140 عملية ضبط لشحنات بين مارس/ آذار 2024 ونوفمبر/ تشرين الثاني 2025، نفذتها قوات بحرية وأجهزة جمارك وحرس حدود وجهات أمنية يمنية وإقليمية ودولية.
وأظهرت البيانات أن أكثر من 80% من المواد المضبوطة والمتجهة إلى الحوثيين خلال عامي 2024 و2025 كانت مكونات ومواد أولية لتصنيع الأسلحة، لا منظومات سلاح مكتملة.
وبين عامي 2021 و2025، شكلت المواد المسجلة ذات المنشأ الصيني 35% من الإجمالي، في مقابل 21% للمواد ذات المنشأ الإيراني، وفق التقرير.
كما رصد التقرير اعتراض شحنات في ميناء عدن خلال عام 2025، بينها شحنة واحدة تضم 44 حاوية في أغسطس/ آب، احتوت على مكونات للطائرات المسيرة ومعدات تصنيع متقدمة.
ويرى التقرير أن تنامي التصنيع المحلي وتعدد طرق التهريب يجعلان اعتراض شحنات السلاح وحده غير كاف، داعياً إلى تنسيق دولي أوسع لتعطيل شبكات التوريد والتمويل.
وبالمعنى الأدق، لا تواجه الشرعية اليمنية ومقاتلوها حفنة من المقاتلين الحوثيين الأميين، بل يواجهون جماعة تستفيد من شبكات إمداد دولية ومن خبرات تقنية خارجية، إلى جانب التعبئة العقائدية والوعود الدينية التي تحشد بها أتباعها.
مقتل إيرانيين في اليمن
كما كشفت الضربات التي تشنها قوات التحالف الداعم للحكومة اليمنية، وفق ما ورد في تقارير وتصريحات عن العمليات، عن مؤشرات تتعلق بالدعم الإيراني في التسليح والتدريب.
وفي أغسطس/ آب الماضي، أعلن مقتل عنصرين من الحرس الثوري الإيراني وثلاثة خبراء إيرانيين وعراقيين في اليمن جراء المواجهات.
شعبوية السلاح
اللافت في مسيرة الجماعة وحربها أنها تجيد مخاطبة مشاعر أتباعها ومؤيديها من خلال تسمية أسلحتها، مثل صاروخي "فلسطين" و"طوفان".
ووفقاً لصحيفة "جيروزاليم بوست"، فإن الصاروخ الذي يعرف باسم "فلسطين" يستند في تصميمه إلى الصاروخ الإيراني "غدير"، الذي يعد تطويراً لصاروخ "شهاب-3".
وهكذا، إذ لا يقتصر السلاح الحوثي على وظيفته العسكرية وحسب، لكنه تحول إلى أداة دعائية تربط قدرات الجماعة بقضايا إقليمية وتحاول تقديمها بوصفها جزءاً من معركة أوسع من حدود اليمن.
(أيمن الغبيوي)