6 إبريل 2025
5 إبريل 2025
يمن فريدم-توفيق الشنواح


هكذا سقط ميتاً من الجوع بينما يجلس طفله ذو العامين إلى جانبه لا يعرف ماذا حل بوالده ينتظره أن "يفوق من النوم" ليمنحه رشفة عصير جاد بها عليهم أحد المارة علها تعيد الحياة في شرايينه الصفراء المنهكة، بحسب ما كان يخبر العابرين السائلين عن والده الذي فارق الحياة.

صورة صدمت اليمنيين لرجل توفي الأربعاء الماضي على أحد أرصفة الطرق بمحافظة إب الواقعة شمال البلاد لتكشف الستار عن أشنع سلاح جرى استخدامه ضد المدنيين، وهو التجويع الذي بات يتخطف المتعففين واحداً تلو الآخر مترجماً حال التحول المريع في بلدة كانت سلة غذاء وارف وصفت قديماً بالأرض السعيدة لمحصولها المتنوع وخيرها الوفير.

من قال إنه لا أحد يموت من الجوع؟ سؤال ردده يمنيون على مواقع التواصل الاجتماعي وهم يتداولون مقطعاً وثق مشهداً صادماً لخمسيني يدعى ياسر أحمد البكار لفظ أنفاسه الأخيرة على رصيف أحد الطرق العامة في منطقة المعاين شمال غربي مدينة إب، وبجواره طفله الصغير عمار الذي لم يعرف أن والده قد توفي.

ووفقاً لناشط حقوقي من محافظة إب تحدث لـ"اندبندنت عربية" متحفظاً عن ذكر اسمه، فإن الوفاة نتيجة الجوع والألم النفسي جراء حال الفقر الذي يكابده الناس في مناطق سيطرة ميليشيات الحوثي مع إصرارها رفض صرف مرتبات اليمنيين للعام الثامن على التوالي وتجييره لمجهودها الحربي، لا سيما في إب التي تجني منها أموال طائلة سنوياً.

وذكرت مصادر إعلامية يمنية أن الراحل البكار خلف أربعة أطفال بينهم فتاة عشرينية يعيشون ظروفاً مادية صعبة كحال ملايين الناس في محافظة إب وباقي المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.

متى يفوق والدي؟

توجه نشطاء يمنيون إلى منزل الضحية ليكتشفوا أنه كان يعيش في قبو طيني قديم متهالك ومعدم لا تتوفر فيه أدنى متطلبات الحياة من غذاء وملبس وماء ووجدوا زوجته وأطفاله في وضع معيشي صعب للغاية، وهو ما كشفت عنه أيضاً مقاطع فيديو نشروها على مواقع التواصل.

وفيما سارع قادة ونشطاء وإعلاميون تابعون للحوثيين لنفي موت الضحية جوعاً، استدل الناشطون بحالته قبيل موته عندما شاهده المارة وهو يهيم جوعاً أقعده على الرصيف ومعه طفله، ليبادر بعضهم بإعطائه علب عصير وخبز وزبادي وقطع من الكيك، إلا أن المنية وافته قبل أن يتناول شيئاً منها وإلى جانبه طفله عمار الذي ظل لفترة طويلة يخبئ في يديه قطع الكيك والعصير ويقول للمارة السائلين إنه سيحتفظ بها لأبيه بعدما يفوق من النوم لأنه جائع، وهو ما أدمى أعين الحاضرين الذين سارعوا لتقديم العون لأسرته.

دفن الضحية والقضية

اشتعلت مواقع التواصل بتحميل ميليشيات الحوثي مسؤولية هذه النهاية الحزينة وتحولت إلى ما يشبه ساحة المحاكمة للجماعة وقادتها مستدلين بسلسلة من الممارسات التي تنتهجها منها ما رصدته أخيراً من دعم قدر بملايين الدولارات عقب حملات تبرع واسعة بالإكراه خصصتها لـ"حزب الله" اللبناني في مواجهة ما سمته "نصرة المستضعفين في لبنان" في حين ترفض صرف مرتبات الموظفين العمومين في كل المناطق التي تسيطر عليها.

يؤكد الناشط خلال حديثه أن سلطة الجماعة الحوثية سعت في محاولة لمداراة تلك الفضيحة الأخلاقية والإنسانية إلى دفنها فوراً وسارعت عبر السلطة المحلية في المنطقة بالإيعاز لأسرته بسرعة دفن الضحية وإصدار بيان مستعجل من قبل الأسرة بأن الرجل مات بوفاة طبيعية من دون أي إجراء قانوني مسبق كالكشف الطبي لتحديد سبب الوفاة، وهو ما تم خلال ساعات قليلة.

وفقاً للناشط المطلع استدعت سلطة الجماعة زوجة المتوفى احترام محمد علي حزام للتوقيع على وثيقة إقرار أن زوجها توفي بصورة طبيعية، كما نشروا وثيقة أخرى تضمنت تسليمها أغراض زوجها تتضمن مبالغ مالية وساعات يدوية وبعض المتعلقات عدها حقوقيون محاولة لإيهام الرأي بأن المتوفى مقتدر ولم يمت بسبب الجوع.

وبحسب الوثيقة التي وزعتها السلطة المحلية في مسعى لجعلها صك براءة رداً على الاتهامات بالموت جوعاً، جرى تبصيم الزوجة على أن زوجها توفي بصورة طبيعية في حارة مجمع الغيثي بمنطقة "المعاين" شمال غربي مدينة إب.

وتواصلت "اندبندنت عربية" بالشخص المعرف الذي تولى مهمة إنجاز الوثائق لدى الجهات القضائية مدفوعاً من السلطة المحلية ويدعى عبدالله محمد البكار من أقرباء المتوفى، وسبق وكان عضواً في المجلس المحلي بالمنطقة، نفى بصورة قطعية أن يكون قريبه قد توفي بسبب الجوع، وإنما "حان أجله والإعلام يسعى لتضخيم الأمر".

ورداً على دفنه من دون اتباع قانوني مسبق بالحصول على تقرير طبي موثق يبين سبب الوفاة قال إن "الأسرة والزوجة وإخوته والأمن رأوا أنه لا حاجة إلى هذه الإجراءات". وبالسؤال عن سرعة الدفن وتقريره الصادر المذيل بختم وتوقيع عاقل الحارة هيثم ناجي الغيثي الذي يشير إلى أن الوفاة طبيعية من دون كشف للطب الشرعي، رفض الرد والتعليق.

جريمة قانونية

تعليقاً على هذا الإجراء، قال المحامي أنيس الخراز إن هذه المحررات باطلة، بل وجريمة لأنها تتضمن إقراراً مسبقاً ليس من اختصاصها، بل ويفتح المجل لوجود الشبهة في الوفاة بصورة واسعة. وأضاف أن زوجة المتوفى ووالدته ليس من اختصاصهما تحديد سبب الوفاة.

وأوضح أنه لا قيمة قانونية لحديث الزوجة في ميزان العدالة، بل إن تحريرها على هذا نحو سريع بحضور امرأتين أميتين بعد ساعات من موت الرجل تزامناً مع انتشار قضية يثيرها الرأي العام الرأي العام يثير شكوكاً كثيرة حول الغرض من تحريرها.

وسخر قادة الحوثيين وإعلامهم من ردود الفعل التي تحملهم تفشي الجوع والفقر والمرض في مناطق سيطرتهم، ونفوا أن يكون الجوع هو السبب في وفاة رجل إب.

وعلق عضو مجلس الشورى التابع للحوثيين عبدالسلام جحاف عبر حسابه في منصة "إكس" ساخراً بقوله "مات من الجوع!"، مضيفاً "كأنها مفاجأة في زمن الخنق والحصار، وكأن اليمني الذي تعود على وجع الخبز اليابس يهزم من الجوع، لا من خيانة من تاجر بجوعه".

وأردف معلقاً، "كذبة رخيصة، يروجها من اعتاد بيع ضميره وباع البلاد والكرامة، ليشتري فيلا على شاطئ بعيد، من قبض الدولار، وترك شعبه يبحث عن قوت في فتات القمامة"، في إشارة لتحميل الحكومة الشرعية المسؤولية عن ذلك.

بلا كفن ووطن

يتحدث رواد مواقع التواصل عن أن رحيل البكار ليس الأول من نوعه ولن يكون الأخير، فبين جدران المدن المقموعة يتضور الملايين جوعاً بصمت في انتظار مصير مشابه، بينما تواصل الجماعة الحوثية استعراض قدراتها وقتها العالمية التي لا تقهر كما تردد على أتباعها بينما يتهاوى الناس صرعى من الجوع والمرض.

وقال الكاتب الصحافي محمد العولقي إن في كل قواميس الدنيا الوطن هو السند عند الوقوع وهو الملجأ عند فقدان الأمل والدفء عن الشعور الضياع، لكن هذا لا ينطبق على وطن غادر بيت الحكمة إلى متاهة مغولية الداخل فيها مفقود والخارج منها مولود. وذكر أن "هذه الصورة البائسة لمواطن زهقت روحه على قارعة البطالة على مرأى ومسمع من نجله الصغير تراجيديا مأسوية حاكت واقعاً مؤلما".

وقال الصحافي فتحي لزرق إنها "كثيرة هي المشاهد التي أدمت قلوبنا، هذا أحدها"، مضيفاً "أن هذه ليست اليمن التي نعرفها، هذه بلاد أخرى ووطن آخر ثمة رجال كثر كالجبال تهاووا خلال 10 سنوات مضت. الإنسان اليمني يذوي كشمعة، يذوب كقطعة ثلج، تحاصره المعاناة وتقهره الظروف، تمزق شرايين قلبه كل اللحظات الدامية التي يعجز فيها عن توفير وجبة غذاء لأسرته، أو كسوة، أو قيمة شريط دواء".

(اندبندنت عربية)

الفيس بوك
تويتر

جميع الحقوق محفوظة YemenFreedom ---- تصميم وبرمجة ALRAJIHI