6 يناير 2026
1 يناير 2026

في الجغرافيا السياسية لا توجد دول بعيدة، بل دول يُساء تقديرها. واليمن واحدة من أكثر الدول التي دُفع ثمن سوء تقديرها إقليميًا. فمنذ عقود، ظل الخطاب الخليجي يردد أن اليمن جزء من معادلة أمن واستقرار المنطقة، وأن ما يجري فيها ينعكس مباشرة على الخليج.

لكن هذا الإدراك، على أهميته، لم يتحول يومًا إلى مشروع سياسي متكامل يترجم القناعة إلى شراكة حقيقية، أو إلى مسار اندماج فعلي داخل منظومة مجلس التعاون الخليجي. وهنا تبدأ المفارقة.

حين تأسس مجلس التعاون الخليجي في مطلع الثمانينيات، كان هاجس الأمن هو الدافع الرئيس لولادته، في ظل اضطرابات إقليمية وحروب مفتوحة. ومع ذلك، جرى التعامل مع اليمن باعتبارها "خارج الإطار"، رغم أنها الدولة الأكثر تماسًا جغرافيًا وبشريًا مع دول المجلس.

لم يكن هذا الإقصاء قرارًا عابرًا، بل مسارًا تراكم عبر السنوات، حتى تحول إلى واقع سياسي واقتصادي عزل اليمن عن محيطها الطبيعي، وتركها تواجه أزماتها البنيوية وحدها.

لم تكن اليمن دولة بلا مشكلات، لكنها أيضًا لم تكن بلا فرص. كان يمكن لمسار اندماج تدريجي – سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا – أن يغيّر طبيعة الدولة اليمنية نفسها.

فالانضمام إلى منظومة إقليمية لا يعني فقط الحصول على دعم مالي، بل يعني الخضوع لمعايير، وبناء مؤسسات، وربط المصالح الوطنية بمصالح أوسع، تجعل كلفة الفوضى أعلى من كلفة الاستقرار. هذا ما لم يحدث.

بدلًا من ذلك، اختير منطق الاحتواء المحدود: مساعدات متقطعة، اتفاقيات جزئية، ووعود مؤجلة. وبمرور الوقت، لم يعد هذا النهج كافيًا لدولة تعاني من تضخم سكاني، واقتصاد هش، وبنية سياسية قائمة على التوازنات القبلية والمناطقية.

الفراغ الذي تركه غياب الاندماج لم يبقَ فارغًا طويلًا؛ سرعان ما ملأته صراعات داخلية، ثم تدخلات خارجية، ثم حرب مفتوحة جعلت اليمن ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.

الخشية من "عبء اليمن" كانت دائمًا الحجة غير المعلنة. عدد السكان، ضعف الموارد، وتراكم الأزمات، كلها عوامل جعلت بعض دول الخليج ترى في اليمن عبئًا لا شريكًا.

لكن ما لم يُحسب بدقة هو أن ترك اليمن خارج المنظومة سيحوّل هذا "العبء" إلى خطر مباشر. فالدول التي تُترك على الهامش لا تبقى محايدة، بل تصبح أكثر قابلية للاختراق، وأكثر هشاشة أمام المشاريع العابرة للحدود.

ما حدث لاحقًا أثبت أن كلفة تجاهل الاندماج كانت أفدح من كلفة دعمه. أمن الحدود، اضطراب الملاحة، تمدد الجماعات المسلحة، وتزايد النفوذ الإقليمي المنافس، كلها نتائج لم تكن حتمية، لكنها كانت متوقعة. فالدولة المعزولة لا تملك خيارات كثيرة، ومع كل أزمة كانت اليمن تفقد جزءًا من سيادتها وقدرتها على اتخاذ القرار المستقل.

اليمن، في جوهر أزمتها، ليست مجرد دولة فاشلة، بل نموذج لفشل المقاربة الإقليمية القائمة على إدارة الأزمات بدل منعها. ولو فُتح لها باب الاندماج الحقيقي، حتى بصيغة تدريجية ومدروسة، لكان ذلك كفيلًا بإعادة تشكيل علاقتها بذاتها وبجوارها.

الاندماج كان سيخلق مصالح مشتركة، ويحد من منطق الغلبة، ويمنح الدولة اليمنية أفقًا سياسيًا واقتصاديًا أوسع من منطق الصراع الداخلي.

اليوم، وبعد سنوات من الحرب والانقسام، يبدو الحديث عن الماضي أشبه بمحاكمة متأخرة. لكنه في الحقيقة درس استراتيجي لا يجب تجاهله. فالاستقرار لا يُصنع بالعزل، ولا بالحسابات الضيقة، بل بالشراكة وبناء المنظومات الجامعة. واليمن، التي تُركت خارج مجلس التعاون، لم تبتعد عن الخليج، بل اقتربت أزماتها منه.

في النهاية، لم يكن فتح باب الاندماج لليمن مسألة مجاملة سياسية، بل خيارًا استراتيجيًا كان يمكن أن يحمي الجميع. فالدول التي تُدمَج تُستَوعَب أزماتها، أما الدول التي تُهمَّش، فتتحول أزماتها إلى أزمات إقليمية.

والسؤال الذي يبقى معلقًا: هل تتعلم المنطقة من التجربة اليمنية، أم تواصل دفع ثمن تجاهل الجغرافيا والتاريخ معًا؟

الهاشتاج
اليمن الخليج
الفيس بوك
تويتر

جميع الحقوق محفوظة YemenFreedom ---- تصميم وبرمجة ALRAJIHI