قالت منظمة الصحة العالمية إن اليمن لا يزال يواجه واحدة من أكثر حالات الطوارئ الإنسانية تعقيدًا واستمرارًا في العالم، نتيجة سنوات من الصراع، وتصاعد التوترات الإقليمية، والانهيار الاقتصادي، واتساع نطاق انعدام الأمن الغذائي، إلى جانب التفشي المتكرر للأمراض وتفاقم الصدمات المناخية.
وذكرت المنظمة في بيان، أن الاحتياجات الإنسانية واصلت الارتفاع خلال عام 2025، حيث بلغ عدد المحتاجين إلى المساعدة نحو 19.5 مليون شخص، جرى استهداف 10.5 ملايين منهم بالدعم، من بينهم 4.5 ملايين نازح داخليًا.
وأضافت أن اليمن يعاني من أزمة حادة في الأمن الغذائي والصحة العامة. وخلال الفترة بين مايو وأغسطس 2025، واجه نحو 17.1 مليون شخص، أي ما يقارب نصف السكان، مستويات أزمة أو ما هو أسوأ وفق التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، من بينهم 5.2 ملايين شخص في مرحلة الطوارئ.
وتشير التوقعات حتى أوائل عام 2026 إلى أن أكثر من نصف السكان سيظلون عرضة لمستويات الأزمة أو الطوارئ، مع وجود مناطق تواجه خطر الانزلاق إلى مرحلة الكارثة.
وأوضحت المنظمة أن استمرار النزوح والهجرة يزيد من الضغط على النظام الصحي الهش، في ظل الاكتظاظ في الملاجئ، ومحدودية الوصول إلى المياه الآمنة، وتردي خدمات الصرف الصحي، ما يسهم في تسريع انتشار الأمراض المعدية ويثقل كاهل الخدمات الصحية والتغذوية المحدودة.
كما تؤدي الصدمات المناخية، بما في ذلك ارتفاع درجات الحرارة وعدم انتظام هطول الأمطار والفيضانات، إلى تفاقم المخاطر الصحية، مع زيادة انتشار الملاريا وحمى الضنك، وتكرار تفشي الكوليرا والإسهال المائي الحاد.
وأشارت منظمة الصحة العالمية إلى أن اليمن يشهد تفشيًا متزامنًا لعدة أمراض، ما يضاعف العبء على نظام صحي يعاني أصلًا من الهشاشة. ولا تزال الكوليرا تشكل تهديدًا خطيرًا للصحة العامة، حيث يُعد اليمن من بين الدول الثلاث الأولى عالميًا من حيث عدد الحالات المشتبه بها المسجلة في عام 2025.
كما يؤدي انخفاض معدلات التطعيم الروتيني إلى تعريض الأطفال لأمراض يمكن الوقاية منها باللقاحات، إذ لم يتلقَّ سوى 63% من الأطفال التطعيم الكامل على مستوى البلاد، ما يسهم في استمرار انتشار شلل الأطفال الذي عاد للظهور في عام 2021، إضافة إلى تفشي الحصبة والدفتيريا.
وتظل الأمراض المنقولة بالنواقل مصدر قلق متزايد، مع تعرض نحو ثلثي السكان لخطر الملاريا، لا سيما النساء الحوامل والأطفال دون سن الخامسة، خصوصًا في سهل تهامة الساحلي والمرتفعات الغربية، إلى جانب انتشار حمى الضنك في عدد من المحافظات.
وبحسب بيانات نظام رصد موارد وخدمات الصحة (HeRAMS) لعام 2025، فإن نحو 60% فقط من المرافق الصحية تعمل بكامل طاقتها، في حين لا تقدم سوى منشأة واحدة من كل خمس خدمات صحة الأم والطفل، ما يترك ملايين النساء مع وصول محدود للرعاية الصحية.
ولا تزال أزمة الوقود، وتأخيرات الاستيراد، وقيود التمويل تقيد القدرة التشغيلية للقطاع الصحي والشركاء الإنسانيين.
وفي هذا السياق، أكدت منظمة الصحة العالمية أن تصنيف اليمن كحالة طوارئ من الدرجة الثالثة، وهو أعلى مستوى لتفعيل استجابة المنظمة، يعكس حجم الاحتياجات الصحية والخطر المباشر لارتفاع معدلات الوفيات في حال تراجع الدعم.
وأوضحت أنه مع دخول عام 2026، ستواجه الاستجابة الصحية الإنسانية قيودًا متزايدة نتيجة نقص التمويل وتدهور الأوضاع الأمنية، ما قد يؤدي إلى انسحاب تدريجي للشركاء الصحيين، خصوصًا في المحافظات الشمالية، ويفضي إلى فجوات متنامية في خدمات الرعاية الصحية الأولية والثانوية.
وحذّرت المنظمة من أن أي تخفيض إضافي في الخدمات الصحية قد يؤدي إلى وفيات يمكن الوقاية منها وتفشي أوبئة خارجة عن السيطرة، مؤكدة أن الاستثمار الموجّه عبر منظمة الصحة العالمية يظل عنصرًا حاسمًا لحماية الخدمات المنقذة للحياة، والحد من مخاطر الأوبئة، والحفاظ على أسس النظام الصحي في اليمن خلال هذه المرحلة الحرجة.