7 فبراير 2026
5 فبراير 2026
يمن فريدم-سوسن مهنا


على خطين متوازيين ومتسارعين يتقدم المساران، الدبلوماسي والعسكري بين إيران والولايات المتحدة ومعهما إسرائيل، ولا يلغي أحدهما الآخر بقدر ما يضغط عليه.

فبينما تفتح قنوات التفاوض وتختبر إمكانات الصفقة، تجرى التحضيرات العسكرية بصورة متصاعدة، بخاصة بعدما أرسلت واشنطن حاملات طائرات إلى الشرق الأوسط، وسط تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب طهران بـ"الضرب في المكان المؤلم"، إذا "قمعت" التظاهرات الواسعة على أراضيها. وخلال تصريحات في البيت الأبيض أشار ترمب إلى أن "قوة هائلة تتجه إلى إيران وستكون هناك قريباً".

وأضاف أن بلاده ترغب في التوصل إلى اتفاق، محذراً في الوقت نفسه من تداعيات عدم الاتفاق على تسوية ومن حدوث "أمور سيئة" في حال عدم التوصل إلى اتفاق، مما يراكم الجاهزية ويرفع منسوب التهديد، والدبلوماسية هنا لا تعني تراجعاً عن القوة، والاستعداد للحرب لا يعني بالضرورة قراراً بالضربة، والمساران في سباق مع الوقت، تفاوض يسعى إلى احتواء الانفجار قبل وقوعه، وخيار عسكري ينتظر لحظة يراها أكثر جدوى وأقل كلفة. والسؤال لم يعُد إن كان أحد المسارين سيتوقف، بل أيهما سيصل أولاً إلى خط الحسم؟

مفاوضات تحت سماء إسطنبول

وأعلن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أمس الثلاثاء أنه كلف وزير خارجيته عباس عراقجي تمثيل طهران في مفاوضات نووية مباشرة مع الولايات المتحدة خلال محادثات بعد غد الجمعة في إسطنبول بتركيا.

وكتب بزشكيان في منشور عبر منصة "إكس" "أصدرت تعليماتي لوزير خارجيتي، شرط توافر بيئة مناسبة خالية من التهديدات والتوقعات غير المنطقية، لمتابعة مفاوضات عادلة ومنصفة".

من ناحيته أكد وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث موقف ترمب برفض امتلاك إيران قنبلة نووية، وأضاف خلال كلمة ألقاها في ولاية فلوريدا أن مهمة "البنتاغون" هي أن تكون القوة رادعة عند الضرورة، معرباً عن أمله في ألا تضطر واشنطن أبداً إلى استخدام تلك القوة.

وكانت صحيفة "معاريف" الإسرائيلية نقلت عن مصادر ترجيحها أن تشن الولايات المتحدة هجوماً على إيران إذا لم تقدم تنازلات جذرية، وأكدت تلك المصادر أن الجيش الإسرائيلي يعتقد بأن جولة المحادثات الإيرانية - الأمريكية المرتقبة لا تقلل من تأهب وجاهزية قواته في الدفاع والهجوم.

وفي حين نقلت صحيفة "واشنطن بوست" عن مسؤولين من المنطقة أن من المتوقع أن يناقش المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف وعراقجي، اتفاقاً نووياً بعد غدٍ في إسطنبول لتجنب هجوم عسكري على إيران. أيضاً، قالت الصحيفة الأمريكية إنه من المرتقب حضور مسؤولين من السعودية وتركيا وقطر ومصر وعمان وباكستان في المحادثات المقبلة بين واشنطن وطهران.

الضربة ليست ملغاة بل مؤجلة

ولم تتأخر الضربة على إيران لأن خيار القوة سقط من الحسابات، بل لأن كلفته في هذه اللحظة تحديداً باتت أعلى من عوائده. فالإدارة الأمريكية ومعها إسرائيل تدرك أن أية مواجهة مباشرة مع طهران لن تكون ضربة جراحية سريعة، بل حرباً إقليمية مفتوحة، بتداعيات اقتصادية وأمنية تتجاوز الشرق الأوسط إلى أسواق الطاقة والاستقرار العالمي.

في المقابل، ترى واشنطن أن إيران، على رغم تصعيدها الخطابي وتوسيع نفوذ أذرعها، تعيش ضغطاً داخلياً واقتصادياً يجعلها أكثر قابلية للتفاوض، أو في الأقل للاختبار التفاوضي، قبل الذهاب إلى حافة الانفجار.

من هنا، لا يفهم مسار المفاوضات الأمريكية - الإيرانية كتحول نحو التسوية، بل كإدارة زمن وكسب وقت واختبار نيات وتجميد ساحات الاشتعال الكبرى ريثما تتضح صورة التوازنات.

فالضربة المؤجلة ليست ضربة ملغاة، بل مؤجلة إلى حين تشكل لحظة أنسب سياسياً وعسكرياً، أما التفاوض، فليس تعبيراً عن ثقة متبادلة، بل عن إدراك متبادل بأن الحرب الآن قد تربك الجميع، فيما الصفقة، حتى لو كانت موقتة أو ناقصة، قد تبقي الصراع تحت السيطرة. وفي هذا الفراغ بين الحرب المؤجلة والتفاوض الهش، تدار المنطقة على حافة التوتر وتفتح ساحات بديلة بانتظار القرار الأكبر.

الساحة اللبنانية كتعويض لغياب الحرب المباشرة مع إيران

على خط موازٍ، تبدو إسرائيل خلال الآونة الأخيرة وكأنها تتحرك في لبنان بهامش حرية غير مسبوق، وكأن هذه الساحة فتحت لها لتعويض غياب الحرب المباشرة مع إيران. وهذا السلوك لا يمكن فصله عن المشهد الإقليمي الأوسع، إذ جُمد خيار الضربة الكبرى ضد طهران حتى الآن، مقابل السماح بتوسيع الضغط في ساحات أقل كلفة وأضعف حماية سياسية، وفي مقدمتها لبنان.

وكانت الغارات الإسرائيلية شهدت تصعيداً غير مسبوق منذ بداية العام الحالي، إضافة إلى الاغتيالات، مما أسفر عن مقتل 27 شخصاً بملاحقات شبه يومية، فضلاً عن تدمير مجمعات سكنية بعد إنذارات بالإخلاء، بلغت خمس موجات من الإنذارات منذ بداية عام 2026.

وقال الجيش الإسرائيلي أول من أمس الإثنين في بيان إنه نفذ هجوماً على عدد من مستودعات أسلحة "حزب الله" في جنوب لبنان "بهدف منع الحزب من إعادة بناء هذه المستودعات"، مضيفاً أن "أحد المواقع التي استُهدفت يقع أحد المواقع في قلب منطقة سكنية ويُعد هذا مثالاً آخر على استغلال ’حزب الله‘ السافر للمواطنين اللبنانيين كدروع بشرية وعلى قيامه بأنشطة إرهابية انطلاقاً من مواقع مدنية".

وبناء على ذلك، لا يظهر التصعيد الإسرائيلي كفعل دفاعي موضعي، بل كجزء من توزيع أدوار غير معلن، بمعنى تأجيل المواجهة مع إيران إلى إشعار آخر، مقابل منح إسرائيل حرية العمل ضد أذرعها، تحديداً في لبنان، تحت سقف لا يهدد بانفجار إقليمي شامل. وهذا الهامش لا يبدو عفوياً، بل محكوماً بإدراك أميركي بأن كلفة الحرب مع إيران حالياً تفوق مكاسبها، وأن إدارة الصراع عبر الضغط غير المباشر قد تكون أكثر فاعلية وأقل مخاطرة.

من هنا، يمكن فهم الضربات الإسرائيلية المتكررة كرسائل مزدوجة، رسالة إلى إيران بأن التأجيل لا يعني الحصانة، ورسالة إلى الداخل اللبناني بأن غياب القرار السيادي يفتح الباب أمام تحول البلد إلى ساحة مستباحة، أما الولايات المتحدة، فتبدو في موقع المراقب الداعم ضمنياً، ما دام أن التصعيد مضبوط الإيقاع ولا يهدد المسار الدبلوماسي مع طهران ولا يشعل حرباً إقليمية غير محسوبة.

بهذا المعنى، لا تتصرف إسرائيل في لبنان فقط كطرف في نزاع حدودي، بل كمن ينفذ، تعويضاً استراتيجياً، أي ضغطاً عسكرياً متدرجاً، ووقائع ميدانية قابلة للتثبيت، ورسالة ردع تُبنى على حساب ساحة أضعف، بانتظار لحظة إقليمية أخرى قد يُعاد فيها فتح الملف الإيراني نفسه، ولكن بشروط مختلفة.

لبنان "الساحة" القابلة للاشتعال

وتبعاً للمعطيات السابقة، فإن الفكرة ليست نظرية مؤامرة، بقدر ما هي منطق إدارة أخطار، حين تصبح كلفة الصدام المباشر مع إيران مرتفعة عسكرياً واقتصادياً ودولياً، تميل أطراف الإقليم إلى تحويل الاشتباك إلى ساحات أقرب وأقل كلفة سياسية، ولبنان تاريخياً أحد أكثر هذه الساحات قابلية للاشتعال لأنه يجمع ثلاثة عناصر، حدوداً مفتوحة نسبياً وتوازناً داخلياً هشاً ووجوداً فاعلاً مسلحاً عابراً للدولة هو "حزب الله".

"حزب الله" ليس على حياد

بعد التغيرات الميدانية في غزة، ومع تراجع الدور العملياتي لحركة "حماس" إلى حده الأدنى، يبدو أن إيران أعادت ترتيب أدواتها الإقليمية، واضعة ثقلها الأكبر على الساحة اللبنانية. في هذا السياق، لا يمكن فصل تصاعد لهجة خطاب "حزب الله" عن المناخ الإقليمي الضاغط، ولا عن الرسائل التي تريد طهران إيصالها في لحظة يتقدم فيها التهديد الأميركي وتُؤجل فيها المواجهة المباشرة معها.

ويأتي إعلان الأمين العام للحزب نعيم قاسم أنهم لن يقفوا على حياد، ليس كتصريح داخلي أو تعبوي وحسب، بل كإشارة سياسية مدروسة، توحي أن لبنان بات الساحة الأكثر جاهزية لتعويض انحسار أوراق أخرى. فمع خروج غزة عملياً من معادلة الضغط، يصبح "حزب الله" الذراع الأكثر قدرة على إعادة تفعيل منطق الردع غير المباشر، سواء عبر الخطاب أو عبر التلويح بتوسيع المواجهة، من دون الذهاب فوراً إلى حرب شاملة.

وقد تكون إيران، في هذا التوقيت تحديداً، أوعزت إلى الحزب برفع منسوب الخطاب أكثر من منسوب الفعل، في محاولة لشد الأعصاب وفرض معادلة سياسية قبل أن تكون عسكرية. فالتصعيد الكلامي يسمح بتذكير الخصوم بأن خيار فتح الجبهة اللبنانية لا يزال قائماً، ويمنح طهران ورقة ضغط إضافية في مواجهة الولايات المتحدة، من دون كلفة المواجهة المباشرة أو المخاطرة بتفجير الإقليم.

وكان قاسم خلال كلمة ألقاها بمناسبة "اللقاء التضامني مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية"، شدد على أن "حزب الله" لديه الصلاحية الكاملة في أن يفعل ما يراه مناسباً للتصدي للتهديد الأميركي الموجه ضد إيران، معتبراً أن التهديد مباشر للحزب ولـ"المقاومة".

وشدد على أن هذا التهديد لا يمكن التعامل معه على أنه شأن إيراني داخلي أو مسألة بعيدة من واقع المنطقة، بل هو استهداف صريح لمحور كامل ولنهج مقاوم ممتد في العالم الإسلامي، مضيفاً أن أي تهديد باغتيال أو استهداف القيادة الإيرانية، وعلى رأسها المرشد الأعلى علي خامنئي، هو تهديد لعشرات ملايين المؤمنين بخطه ونهجه، ولا يمكن السكوت عنه أو القبول به تحت أي ظرف.

وأوضح قاسم أن الحزب "ليس حيادياً في مسألة إيران"، وأكد أن هذا الموقف نابع من قناعة فكرية وعقائدية وسياسية، ومن التزام واضح بخيار الولي الفقيه الذي يشكل المرجعية القيادية في القضايا المصيرية والتحديات الكبرى.

ويضع هذا الخطاب لبنان في موقع بالغ الخطورة، إذ يتحول مجدداً إلى مساحة رسائل إقليمية في لحظة ضعف داخلي غير مسبوقة. فحين يقول "حزب الله" إنه لن يكون على الحياد، فهو لا يحدد فقط موقعه في الصراع الإقليمي، بل يلمح أيضاً إلى أن لبنان نفسه قد لا يكون قادراً على الوقوف خارج هذا الاشتباك.

وهنا تكمن المفارقة الأخطر، تصعيد محسوب في طهران، وخطاب مرتفع السقف في الضاحية الجنوبية، وكلفة مفتوحة يدفعها بلد لم يعد يملك ترف أن يكون ساحة ولا حتى هامشاً للمناورة. لكن هنا ربما يكون السؤال الأدق، متى يصبح لبنان بديلاً؟ وبأي شكل؟ ولمصلحة من؟ ولماذا قد تفضل الأطراف لبنان بدلاً من إيران؟

يبدو أن لحظة إيران الآن حساسة دبلوماسياً، وبعد التقارير التي تشير إلى مسار تفاوضي محتمل وناشئ بين واشنطن وطهران، هذا يعني أن فتح حرب مباشرة مع إيران ينسف "الفرصة الدبلوماسية"، ويربك حسابات الإدارة الأميركية وحلفائها، حتى لو بقيت لغة التهديد قائمة، أضف إلى أنه يجب الأخذ في الاعتبار أن إسرائيل تريد إنجازاً أمنياً ملموساً وسريعاً أمام جمهورها.

وحين يتعقد المسار الإيراني أو يؤجل، تبحث إسرائيل عن ساحة تعطي نتيجة قابلة للقياس، إبعاد الحزب وتدمير سلاحه وفرض شريط أمني ومناطق عازلة وتقليص قدرات صاروخية، أو تثبيت معادلة ردع على الحدود.

ويُشار الى التقارير الإعلامية التي تحدثت عن تموضع إسرائيلي مستمر في الجنوب وتحصين نقاط، مع حديث عن منطقة عازلة أو أكثر. وفي أغسطس/ آب عام 2025 رسمت إسرائيل منطقة عازلة في جنوب لبنان ونشرت خرائطها متضمنة منطقة باللون الأحمر، تمنع السكان من الاقتراب منها.

وألقت مسيّرة إسرائيلية في ذلك الوقت، مناشير تحذيرية فوق بلدة شبعا الجنوبية، وحددت فيها ما وصفته بـ"الخط الأحمر" على خرائط مرفقة، محذرة من تجاوزه. وشملت المناشير مناطق محاذية لمزارع شبعا، وجاءت مصحوبة بخريطة ملونة تظلل المساحة المستهدفة باللون الأحمر.

"المقايضة" أسهل على الحدود مع لبنان

في لبنان يمكن نظرياً إنتاج صفقة عملية، أي انتشار الجيش اللبناني وتثبيت ترتيبات ميدانية، ومع رقابة دولية وأممية، مقابل تقليل وتيرة الضربات أو الانسحاب من نقاط أو تسهيلات. وهذا النوع من الهندسة الأمنية أصعب بكثير داخل إيران.

وهنا تبرز ثلاث صيغ محتملة كي يكون لبنان تعويضاً لإسرائيل، أولها الضغط المدار على "حزب الله" بدلاً من الحرب مع إيران، عبر تكثيف الضربات والاغتيالات والاستهدافات داخل الجنوب والبقاع والضاحية ضمن سقف يمنع الانزلاق إلى حرب شاملة، بهدف تعطيل إعادة بناء البنية العسكرية ومنع ترميم منظومات الصواريخ والمسيّرات وفرض قواعد اشتباك جديدة على الحدود وهنا تصبح الساحة اللبنانية بديلاً تكتيكياً، "نضرب ذراع إيران الأقرب" بدلاً من ضرب إيران نفسها.

أما الصيغة الثانية، فقد تكون عبر تثبيت حزام أمني طويل الأمد، وتتجه السردية الإسرائيلية طوال عامي 2024 و2025، نحو فكرة المنطقة العازلة والأحزمة الأمنية كحل لمنع العودة لما قبل حرب السابع من أكتوبر/ تشرين الأول عام 2023، ووجود حديث عن نقاط داخل لبنان وتحصينات وواقع ميداني مستمر، يشير إلى قابلية هذا السيناريو للترسخ إذا لم تنتج الدولة اللبنانية بديلاً أمنياً مقنعاً، وهنا تبرز الصيغة الثالثة، وهي النتيجة السياسية عبر نزع وتقليص السلاح جنوب الليطاني وما بعده.

وبهذا المعنى يصبح التعويض استراتيجياً، وليس مجرد ضربات، بل يتحول ما بعد الحرب أو الهدنة إلى مسار نزع قدرات تدريجي. وتظهر ضمن تقارير إعلامية وبحثية حديثة أحاديث عن خطط مرحلية تتصل بنزع السلاح جنوب الليطاني وتوسيع نطاق ذلك شمالاً. وسواء اتفقنا أو اختلفنا مع هذه الصيغ، فهي تعكس أن إسرائيل ومعها أطراف دولية ترى في لبنان مكاناً يمكن أن تُنتزع فيه مكاسب ملموسة تحت عنوان منع الحرب المقبلة.

لماذا لبنان بالذات قابل أن يكون ساحة بديلة؟

لدى لبنان نقاط ضعف بنيوية وغياب للقرار السيادي الواحد ووجود سلاح مستقل عن الدولة تجعل الرد واللاردّ، قراراً غير مركزي. أضف إلى ذلك، هشاشة الاقتصاد، وأية موجة تصعيد حتى لو كانت محدودة، ستضغط على العملة والمرافئ والسياحة والاستثمار فوراً.

لذا، هناك قابلية لأن يتحول الجنوب إلى "منطقة أمنية" بحكم الأمر الواقع إذا استمر النزوح والدمار وتراجع الرقابة الدولية، مما حذرت منه تقارير أممية أي الفراغ وضعف دور الرقابة الدولية كعامل يسهل الانزلاق للتصعيد. وكلما تعقدت "الضربة" على إيران، يصبح الإغراء أكبر لشد الحبال في لبنان، إسرائيل لتثبيت أمنها، و"حزب الله" لإثبات أنه لا يزال "جبهة" ضمن محور إيران.

في المقابل ما الذي يمنع لبنان من أن يصبح البديل؟

إذا نجحت نافذة التفاهمات الأميركية - الإيرانية، وكلما تقدم المسار التفاوضي، يقل هامش الانفلات، ليس لأن الأطراف تصبح مسالمة، بل لأن الحرب تفسد الصفقة. أيضاً إذا ثبتت ترتيبات الهدنة بآليات واضحة، وكلما وجدت آلية تنفيذ ورقابة أقوى، تقل فرص تحويل لبنان إلى "صندوق بريد" للرسائل.

أضف إلى ذلك، أنه إذا امتلك لبنان خطة سيادية تقنع الخارج قبل الداخل لأن الخارج لا ينتظر خطابات، بل انتشاراً للجيش اللبناني وضبط الحدود وقراراً واضحاً في حصرية ونزع السلاح، ضمن إطار زمني محدد. ومن دون ذلك، ستُملأ الفجوة إما بضربات إسرائيلية، أو بتورط تدريجي من قبل "حزب الله"، أو بكليهما.

وربما هناك فكرة حاضرة في عقول اللاعبين الإقليميين والدوليين، صفقة شاملة تربط لبنان بإيران، أي أن يصبح لبنان ورقة ضمن تفاهمات أوسع، النووي مقابل الإقليم، أو خفض دعم الأذرع مقابل تخفيف العقوبات، ولكن هذا يتطلب شروطاً سياسية كبيرة وغير مضمونة.

وحتى ينجلي غبار المعركة، تبقى الساحة اللبنانية مرشحة لأن تصبح البديل، فقط عندما تتوافر ثلاثة شروط معاً، وهي تأجيل وتعقيد الصدام مع إيران مع استمرار الحاجة لإظهار قوة وردع، واستمرار فراغ الدولة أو ترددها في إنتاج حل أمني سيادي، وقدرة إسرائيل على فرض وقائع ميدانية منخفضة الكلفة، عبر الضربات والحزام الأمني، بلا رد يفتح حرباً شاملة، والأخطر أن "التعويض" لإسرائيل لا يعني تلقائياً حرباً كبيرة، بل قد يعني شيئاً أبطأ وأقسى، أي تآكلاً تدريجياً للسيادة جنوباً ونزوحاً مستمراً واقتصاداً ينزف وحدوداً تدار بالنار بدلاً من السياسة.

(اندبندنت عربية)
 

الفيس بوك
تويتر

جميع الحقوق محفوظة YemenFreedom ---- تصميم وبرمجة ALRAJIHI