تقف الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً بعد إعادة تشكيلها برئاسة شائع محسن الزنداني على أعتاب مرحلة جديدة بدون وجود مباشر للمجلس الانتقالي الجنوبي الذي جرى حله، إذ تنتظرها مهمة شاقة تتمثل في المضي في تنفيذ برنامج عمل جديد وإعداد موازنة عامة للدولة، وتحديد الأولويات الاقتصادية والمعيشية والنقدية والإيرادية التي تتطلب التعامل معها فوراً.
وفي الوقت الذي ستواجه فيه الحكومة الجديدة تحديات وعقبات ضخمة يتوقع مراقبون في حديثهم مع "العربي الجديد" أن يساندها الدعم المتوقع من السعودية في أداء مهامها.
وتتألف الحكومة الجديدة من 35 حقيبة وزارية مقارنة مع 25 حقيبة في الحكومة السابقة التي كانت بشراكة مع المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل.
أسماء شابة وأولويات طارئة
ظهرت في الحكومة اليمنية الجديدة أسماء شابة مفاجئة، مثل وزير الاتصالات شادي باصرة، ووزير الخدمة المدنية سالم العولقي، ووزير المالية مروان فرج بن غانم، في حين احتفظ 7 وزراء من الحكومة السابقة بحقائبهم.
ويؤكد الأكاديمي، الخبير الاقتصادي هشام الصرمي، في تصريح لـ"العربي الجديد"، أن الحكومة ستكون أولوياتها في الخدمات كما أعلنت ذلك، لكن السؤال المطروح: هل ستكون قادرة على مواجهة القضايا الاقتصادية والأزمات المعيشية، فهنا المحك الرئيسي، مع عدم إغفال أن هذه الحكومة تمتلك ميزة لم تمتلكها الحكومات السابقة وتتمثل بالدعم السعودي السخي، إذ إن هناك، حسب الصرمي، نحو 4 مليارات دولار مرصودة للحكومة لهذا العام. ويقول إنّ الحكومة ستواصل تنفيذ برنامج الإصلاحات الشاملة بنفس الآلية؛ لأنه مدعوم دولياً على نحوٍ كبير، خاصةً من الولايات المتحدة، وكذا من السعودية.
وأمام الحكومة الجديدة أولويات طارئة يجب التعامل العاجل معها لاستعادة وتوحيد الإيرادات لإعداد موازنة عامة للدولة، وتوفير الخدمات العامة كالكهرباء، والانتظام في صرف رواتب الموظفين، ومواصلة تنفيذ برنامج الإصلاحات الشاملة.
خطة إصلاحات صارمة
من جانبه يرى مستشار تطوير الأعمال والتنمية الاقتصادية المستدامة، عيسى أبو حليقة، في حديثه لـ"العربي الجديد"، أن الخطوة الأولى يجب أن تكون في عودة الحكومة إلى عدن لمباشرة الأعمال وتنفيذ الخطط على الأرض، والعمل على تنفيذ خطة إصلاحات مالية صارمة، مع إيقاف النفقات غير القانونية، وانتظام صرف الرواتب وزيادة الإيرادات العامة للدولة، إضافة إلى تحسين الخدمات الأساسية، وتوفير الكهرباء عبر الاستفادة من تجارب الدول النامية في هذا المجال، وإشراك البنوك والمنظمات الدولية والمانحين الدوليين، والاستفادة من استخدام الطاقة الشمسية والطاقة الخضراء المتجددة والمستدامة، وتحسين بيئة الاستثمار وتنفيذ مشاريع في البنية التحتية، والمشاريع كثيفة العمالة لمكافحة البطالة والفقر، حسب أبو حليقة.
ويشير الاقتصادي اليمني إلى أن الربع الأول من العام 2026، يمثل فترة اختبار مهمة للحكومة، باعتبارها نافذة زمنية حاسمة لإطلاق مسار إصلاحي جاد، يعيد للدولة دورها المحوري، ويمكنها من مواردها العامة، ويضع يد الحكومة على مؤسّساتها المختطفة بما يهيّئ الأرضية للتعافي الاقتصادي والسلام المستدام.
وعانت مؤسسات الدولة اليمنية من الانقسام وضعف الفاعلية، الأمر الذي انعكس سلباً على الأمن، والاقتصاد، والخدمات العامة رغم الجهود الإقليمية والدولية لدعم الحكومة المعترف بها دولياً، إذ لا تزال العاصمة المؤقتة عدن للحكومة والمحافظات الواقعة تحت سيطرتها تواجه تحديات جسيمة تتطلب إعادة ترتيب الأولويات الحكومية، إضافة إلى إرث المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل الذي تغرق عدن بتشكيلاته العسكرية التي قد تمثل تهديداً يعرقل عودة الحكومة وعملها.
في المقابل، شكل الإعلان الرسمي المثير للجدل عن حل المجلس الانتقالي الجنوبي (رفضت قيادات عديدة منه قرار الحل الذي قالت إنه صدر في الرياض بالإكراه) المدعوم إماراتياً بجميع هيئاته خطوة مفصلية تؤسس لمرحلة جديدة في اليمن على المستويات كافّة، خاصةً في عمل وأداء الحكومة المعترف بها دولياً والتي جرت إعادة النظر في قوامها وتشكيلها بعد أن استحوذ المجلس الانتقالي الجنوبي سابقاً كشريك على نصف حقائبها منذ اتفاق الرياض قبل نحو 6 سنوات. واستحوذ المجلس الانتقالي الجنوبي بموجب هذه الشراكة على أهم الوزارات الاقتصادية مثل النقل والخدمة المدنية والتأمينات والزراعة المدموجة مع الأسماك والأشغال العامة والكهرباء والتخطيط والاتصالات، فيما جرى منح بقية المكونات حقائب وزارية ليست بأهمية هذه الوزارات.
صراع الإيرادات العامة
ويوضح الصرمي أنّ الحكومة الجديدة لم تشهد خروج "الانتقالي"، بل الشخصيات التي ساندت موقف "الانتقالي" من الأحداث التي شهدتها المناطق الشرقية في ديسمبر/ كانون الأول الماضي، أما حصة الجنوب موجودة وجرى استبدالهم بوزراء آخرين.
وتطرق خبراء اقتصاد إلى أهمية ما تفرزه هذه الأحداث والتطورات التي يشهدها اليمن وانحسار المجلس الانتقالي الجنوبي ورفع يده عن الحقائب والوزارات الاقتصادية والإيرادية، إضافة إلى أهمية التوجه بموازاة ذلك إلى السيطرة على التشكيلات العسكرية كافّة التي تكونت منذ ما بعد اندلاع المواجهات العسكرية في عام 2015.
ويعني ذلك وفق حديث الخبير الاقتصادي اليمني محمد علي قحطان، أستاذ الاقتصاد بجامعة تعز لـ"العربي الجديد"، بأنّ الصراع سيتمحور بين طرفين؛ سلطة الشرعية المعترف بها دولياً وسلطة الأمر الواقع في صنعاء، الأمر الذي سيمكّن طرف الشرعية من تنفيذ القرار 11 لعام 2025 بشأن الإيرادات العامة للدولة.
إضافة إلى أن الحكومة سوف يكون بإمكانها إصلاح مصافي عدن وتفعيل شركة النفط على النحو الذي كانت عليه قبل الحرب، وتأمين المشتقات النفطية للسوق اليمنية من تكرير النفط الخام اليمني في المصفاة والذي يمكن تدفقه من حقول النفط في مأرب وشبوة وحضرموت، إلى جانب ما يمكن تكريره في مصافي التكرير في مأرب وحضرموت والتوقف عن استيراد المشتقات النفطية من الخارج، إذ يرى قحطان أن ذلك سوف يعوض خزينة الدولة عائدات صادرات النفط إلى الخارج التي توقفت بسبب ما تعرضت له موانئ التصدير من قصف عسكري.
وأشار القحطان إلى إيجابية تقلص المشاكل التي كان يثيرها الانتقالي بدعم إماراتي، كما أن إنهاء الصراع مع مكون المجلس المدعوم من الإمارات سوف يؤدي إلى استقرار الحكومة في عدن، وتدفق المساعدات من السعودية وغيرها من دول التحالف العربي الداعمة للشرعية لخزينة الدولة وتوظيفها لإعادة بناء مؤسسات الدولة ودعم الاقتصاد الوطني. وكل ذلك سوف يكون له بالغ الأثر على زيادة الإنفاق العام ومواجهة الانهيار الاقتصادي والإنساني كالتضخم والكساد، حسب المراقبين.
وكان تقرير "المرصد الاقتصادي لليمن" الصادر عن البنك الدولي، أكد في يوم 17 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، أن الاقتصاد اليمني واجه ضغوطاً هائلة خلال النصف الأول من عام 2025، بسبب الحصار المستمر على صادرات النفط، وارتفاع معدلات التضخم، وتراجع حجم المعونات، في ظل تراكم آثار سنوات من الصراع والانقسام على مستوى مؤسسات الدولة.
(العربي الجديد)