يمثل الحوثيون آخر الأوراق العسكرية النشطة في عقيدة الدفاع المتقدم لطهران الذي تعول عليه كثيراً للاشتراك في عملية إسنادها ضمن مهام تخفيف الضغط المستمر، على وقع الضربات الأميركية - الإسرائيلية ضد ما بقي للنظام الإيراني هناك.
وعقب تهاوي رموز وقادة نظامها بمقتل المرشد الأعلى، علي خامنئي، ومن قبله الأذرع التابعة لها ضمن ما كان يعرف بمحور المقاومة، تبقى جماعة اليمن هي المؤهل الأبرز لأداء دور عسكري فاعل في قادم الأيام، لإحداث أثر فاعل ضمن معادلة الردع الإيراني على رغم اللغة المهادنة التي أبدتها مؤخراً.
أكثر من معنى.. ضد الإمبريالية
وكان تصريح زعيم الجماعة عبدالملك الحوثي بلغة دبلوماسية أكثر منه إعلان موقف واضح بالمشاركة في مهمة إسناد الحليف الإيراني بالقول إنهم مستعدون للتصعيد العسكري "إذا اقتضت التطورات ذلك"، وهو تلميح يحمل تمويهاً ملتبساً لا موقفاً صريحاً.
بمعنى أنه يوحي لأتباعه وغيرهم بأنه ما زال يملك القدرة للاشتراك في مهمة حربية إقليمية آخذة في التوسع يبرز فيها فارق القدرة العسكرية على نحو شاسع، كذلك يوحي بتريث ينتظر ما ستؤول إليه التطورات اللاهبة، إذ لم يعد بمقدور محور المقاومة أن يتداعى ضمن سياسة "توحيد الساحات" لمساندة الميليشيات والأنظمة الموالية لنظام الولي الفقيه بفعل الضربات المتلاحقة.
في شأن موقفهم من الحرب الدائرة يقول القيادي في جماعة الحوثي، حميد عاصم، إن حكومة صنعاء تقف بشكل "واضح وضوح الشمس إلى جانب جمهورية إيران بكل إمكاناتنا"، وأضاف "لدينا قيادة ثورية وسياسية (في إشارة إلى زعيم الجماعة) وهي من ستحدد متى وكيف الدعم لأهلنا في إيران".
يؤكد خلال حديثه إلى "اندبندنت عربية" أنهم يقعون ضمن "معركة مستمرة مع الكيان الصهيوني والإدارة الأميركية، وهي معركة واحدة بين محور المقاومة ومحور الشر".
ويعتبر أن "العدوان الذي شنته أميركا والكيان الصهيوني على جمهورية إيران الإسلامية يأتي في إطار العدوان الذي تقوده الإمبريالية على كل حر وشريف على مستوى الأفراد أو الجماعات أو الدول سواء كان في العالم العربي والإسلامي أو في العالم الخارجي".
باب المندب والمياه الدولية
بالرجوع إلى الدور الذي تؤديه الجماعة اليمنية في العامين الماضيين بشن عمليات عسكرية في البحر الأحمر وخليج عدن دعماً لغزة، يتوقع مراقبون أن تسعى إيران إلى تحريكها مجدداً كورقة لأداء دور مختلف توخياً لتخفيف عناء الضغط المتواصل عليها منذ اندلاع عمليتي "الغضب الملحمي" و"زئير الأسد"، فضلاً عن كونها ورقة ضغط تفيد ببقاء أدواتها المؤذية التي يمكن لها أن تشاغل الجميع من خلال تعطيل الملاحة في البحر الأحمر وشن عمليات جوية في العمق الإسرائيلي لفتح فجوات أكبر في المظلة الدفاعية، إضافة إلى فتح جبهة إشغال واستنزاف باستهداف الأصول الأميركية البحرية.
يقول الباحث في الدراسات الأمنية، عاصم المجاهد، إن الجماعة الحوثية استكملت تجهيزاتها للدخول في المواجهة دفاعاً عن إيران.
يرى المجاهد خلال حديثه إلى "اندبندنت عربية" أن اشتراكهم في هذه الحرب سيتم ضمن مسارين رئيسين: الأول، إغلاق باب المندب وتهديد الملاحة في البحر الأحمر، والثاني، تنفيذ ضربات تستهدف المنشآت النفطية ومنشآت حيوية وأهدافاً أخرى في المنطقة العربية، بالتوازي مع تحركات ميدانية محتملة باتجاه الحدود السعودية.
يعتبر أن عملية "إغلاق مضيق هرمز وتهديد الملاحة في الخليج العربي مع إغلاق باب المندب وتهديد الملاحة في البحر الأحمر بمثابة السلاح النووي الاقتصادي".
المناورة الجغرافية وصعوبة الاختراق
الاعتبارات الإسرائيلية إجمالاً تؤكد استعدادها لأي طارئ يمني ستتعامل معه وفق "القوة المميتة" التي سبق وأعلن جيش الدفاع انتهاجها ضد الجماعة في العام الماضي بعدما شنت سلسلة صواريخ ومسيرات إلى الداخل الإسرائيلي لم ينتج منها خسارة يمكن الحديث عنها، في حين ردت المقاتلات الإسرائيلية بعمليات جوية عنيفة تسببت بخسائر يمنية كبيرة في البنى والمرافق الحيوية والاقتصادية.
وتدرك الجماعة معادلة القوة التي تشكلها عشرات مقاتلات "أف-18 سوبر هورنت" التي تجوب سماء المنطقة ضمن مهام إجهاض أي مصادر نيران وإخماد خطورتها، خصوصاً وقد خبروا رد الفعل الإسرائيلي والأميركي العنيف الذي طاول صفهم القيادي الأول، باستهداف كامل حكومتهم بضربة واحدة في أغسطس/ آب 2025، إضافة إلى كون إيران ليست غزة التي تحمس الوجدان اليمني لمناصرتها.
وعلى رغم إدراك الحوثي بالفارق الهائل بينه وإسرائيل مع ما تشهده المنطقة من تصعيد عسكري متسارع، فإنه يعتمد، وفقاً للمجاهد، على "مزايا عدة أهمها الجغرافيا التي تمنحه قدراً من التخفي والمراوغة"، إضافة إلى "قبضته الأمنية المحكمة على المناطق الواقعة تحت سيطرته، مما يصعب على إسرائيل وأميركا من عملية اختراقه بصورة كبيرة كما حدث مع ’حزب الله‘ وإيران"، الذي أودى بحياة المرشد الأعلى، على خامنئي ومسؤولين أمنيين وعسكريين بارزين، إلى جانب عشرات الضحايا المدنيين.
استعداد إسرائيلي
الصمت الحوثي يقرأ في حسابات إسرائيل على نحو مريب ضمن حربها المفتوحة مع إيران، ولم تفسر "دواعي هدوء التنظيم الإرهابي في اليمن"، لتتباين وجهات نظر مسؤولي المؤسسة الأمنية الإسرائيلية إزاء هذا الصمت الذي لم يؤمن معه الجانب الحوثي نهائياً.
وعلى رغم هذا الهدوء نقل موقع "واللا" العبري عن مصادر تحذيرها من هجوم حوثي مباغت على إسرائيل موصياً بضرورة الحذر وعدم التهاون تحسباً لاحتمالية شن الجماعة اليمنية المتمردة هجوماً مفاجئاً جواً أو براً، في حين قلل فريق آخر من هذا التوقع، معتبراً تهديدات الحوثيين "مجرد كلامية".
حال التحوط الإسرائيلي من هجمات متوقعة دفعها إلى تعزيز منظومتها الدفاعية والمراقبة الجوية في إطار رفع قدرة الكشف والاعتراض على طول الحدود الشرقية.
ومع إبداء مسؤول عسكري إسرائيلي رفيع المستوى ريبته إزاء ما وصفه بـ"هدوء الحوثيين"، وغيابهم تماماً عن الحرب الدائرة في إيران، نقل الموقع العبري تحذيرات المسؤول ذاته خلال اجتماع مغلق، "بضرورة استعداد الجيش لهجوم مفاجئ من الحوثيين".
ونقل عنه قوله إنه "من المثير للدهشة أن يلتزم الحوثيون الصمت في هذه المرحلة ولا يتدخلون في الحملة الإسرائيلية الأمريكية ضد إيران على رغم التهديدات التي أطلقوها خلال الأشهر الأخيرة".
وكشف المسؤول عن تعليمات للجيش الإسرائيلي بفحص "كل عملية إطلاق صاروخي وكل محور إرهابي ناشئ للوقوف على ما إذا كان مرتبطاً بشكل أو بآخر بالحوثيين".
كذلك حذر من أن "الحوثيين، بمساعدة إيران، استعادوا القدرة على إطلاق صواريخ باليستية ومسيرات قادرة على الوصول إلى إسرائيل".
كانت الحكومة اليمنية قد دانت "الاعتداءات الإيرانية" التي استهدفت أراضي وسيادة دول عربية، واصفة إياه بـ"الانتهاك الصارخ لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي"، وأبدت تضامنها مع السعودية والإمارات وقطر والكويت والبحرين والأردن، ووقوفها إلى جانبهم في اتخاذ أية إجراءات لحماية أمن دولها وسيادتها واستقرارها، وحملت قبالة هذه التطورات "النظام الإيراني المسؤولية الكاملة عن أي تصعيد يهدد أمن المنطقة"، من تقويض لأمن الممرات المائية الدولية وتهديد مصادر الطاقة وتعريض المنطقة لأخطار حرب مفتوحة لا تخدم سوى مشاريع الفوضى والتخريب والإرهاب.
منصات تنصب
بمحاولة الاقتراب من الاستعدادات الحوثية للسيناريوهات المقبلة، يقول ناطق القوات المشتركة في الساحل الغربي في الحكومة الشرعية، وضاح دبيش، أن معلومات لديهم تؤكد وجود انقسام بين تيارين داخل الميليشيات الحوثية.
إذ يرى تيار يضم ضباطاً إيرانيين أن "الرد ضروري ولا بد منه لتخفيف الضغط على ما بقي من النظام الإيراني بمعية ’حزب الله‘ و’الحشد‘، وآخر يدرك الواقع خشية تحول العمليات ضدهم وإسقاط سلطتهم الانقلابية".
في واقع الأمر يؤكد أن معلومات وصلتهم تكشف عن إجراء الميليشيات الحوثية "استعدادات مسلحة تمثلت بنصب منصات إطلاق صواريخ وطائرات مسيرة حديثة قدمت من إيران تموضعت في الجبال المحيطة بالبحر الأحمر ومحافظات صعدة وريمة وحجة والحديدة".
يتوقع القيادي في الجيش الذي يقوده عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح، أن يشارك الحوثيون في الحرب "دعماً لأمهم إيران بشن ضربات على إسرائيل والسفن التجارية في المياه الدولية بالبحر الأحمر"، ولكنه مع ذلك يفيد بعمليات رصد متواصل على الأجواء اليمنية لأي تصعيد جديد ستقوم به الميليشيات سيعرض مقدرات البلاد للتدمير.
(اندبندنت عربية)