12 مارس 2026
11 مارس 2026


هل حصل لك، أو لكِ، أن احتشد رأسك بالأفكار ولم تُسعفك لغتك في التعبير عنها؟ هل ينتابك هذا الشعور بالعجز عن صياغة ما يجول بخاطرك؟

هذا ما يحدث معي منذ ثلاثة أيام، وأنا أفكر وأُقلِّب النظر في كيفية تأثير التبدلات السياسية والأيديولوجية في الاستخدامات اللغوية.

أذهب بالفكرة إلى حدود بعيدة: ماذا لو انتقل العالم العربي إلى علمانية صارمة؟ كيف سنتعامل حينها مع الذخيرة اللغوية العملاقة التي اصطبغت بصبغة الدين، مع أنها في جوهرها تعبيرات إنسانية عن حالات ومشاعر ومواقف وسلوكيات تتجاوز الإطار الديني؟

أو أختصر الفكرة في سؤال بسيط مفاده:

هل اللغة التي يستعملها من يعيش في مناطق الحوثيين، في التعبير اليومي أو المكتوب، هي ذاتها اللغة - في تعبيراتها واستعاراتها ورمزياتها، وبالطبع في إحالاتها المرجعية - التي يستعملها من يعيش في مناطق الحكومة؟

كيف يتمكن الناس من التنقل بين هذين النطاقين؟ كيف يُخاتلون هيمنة التعبيرات السائدة ويتجنبون الوصم؟

سيقول أحدهم: لماذا تخلط الحابل بالنابل؟

ما دخّل الحوثي باللغة؟

نعم لديه حق . لكن الرابط بين هذه العوالم هو السلطة الرمزية في اللغة النابعة من هيمنة رمزية للسلطة.

أطرح هذه الفكرة بعد أن قرأت نبذة عن رينيه جيرار René Girard صاحب كتاب العنف والمقدس Violence and the Sacred (الذي يُترجم أحياناً إلى "العنف المقدس"). فقد أنجز إطاراً نظرياً أنثروبولوجياً حول العنف والمعتقد، بصياغة علمانية لدراسة الدين، رغم خلفيته الدينية وكونه مسيحياً ملتزماً.

هذا الأمر يحيّرني، لأن مسألة الفصل في التعامل مع التراث في الفكر العربي الإسلامي ما تزال عالقة
.
كيف يمكن إنجاز قطيعة تراثية وباللغة ذاتها؟ بل أبسط من ذلك: لماذا ما يزال الملحد العربي يستخدم في يومياته تعبيرات لغوية ذات صلة دينية مثل: "ما شاء الله"، و"إن شاء الله"، و«الحمد لله»؟

أليس في ذلك دليل على أنه لم يغادر الهيمنة اللغوية الدينية؟ ومن ناحية أخرى: هل يمكن إنجاز قطيعة تراثية من دون خسارة لغوية تسدّ الحاجة التعبيرية؟

يتحدث René Girard عن الرغبة بوصفها مولِّداً للعنف من خلال المحاكاة. (في الحقيقة، نشر البروفيسور حبيب سرور منشوراً عن الموضوع، فذهبتُ للقراءة عن جيرار، وتذكرتُ كتابه Violence and the Sacred الذي اطلعتُ عليه بالفرنسية قبل أعوام عندما كنت ابحث في العلاقة بين العنف والتشدد الديني).

مختصر الفكرة أن الرغبة قد تتحول إلى غاية في ذاتها، وهي تختلف عن مجرد الحاجة. فالحاجة يمكن تلبيتها من خلال توفير الناقص ولو بتوفير ناقص، أما الرغبة فتميل إلى أن تصبح موضوعاً لذاتها، وتخلق حالة صراع بين الأفراد؛ إذ يرغب الإنسان في أن يكون، أو أن يحصل، كما حصل غيره. وهنا تتخذ العلاقة طابعاً صراعياً نتيجة تحول المحسود من انموذج قابل للاتباع عبر المحاكاة إلى خصم ومنافس.

هذه الأفكار نجد لها انعكاساً واضحاً في التعبير الديني، ولا سيما في التعبير الديني الإسلامي، في نقده للشهوات والحسد والتنازع وغيرها من الدوافع التي قد تقود إلى الصراع بين البشر.

أليس الجشع منبوذاً؟ بل ان المدونة التراثية تقدم الاطار التحليلي للحلقة المغلقة من تنامي الشهوات إلى الصراع المهلك والفساد المعمّم.

المفارقة انه يصعب استخدام التعبير الديني خارج الحقل الديني بالنظر إلى الصورة الدامعة عن لا عقلانية هذا الخطاب.

ثم ان الشرخ والتفصيل في الظاهر بلغة علمانية سيكون اعتساف للمفردات لمجرد الهروب من سطوة الديني. تصبح الأفكار معقدة لانه تتهرب من مراجعة الجذر الثقافي العام.

(من صفحة الكاتب في فيس بوك)
 

الفيس بوك
تويتر

جميع الحقوق محفوظة YemenFreedom ---- تصميم وبرمجة ALRAJIHI