تأتي مناسبة "يوم المرأة العالمي" في الثامن من مارس/ آذار كل عام لتذكر اليمنيين بالواقع الصعب الذي تعيشه المرأة اليمنية، نتيجة أعوام الحرب والصراع الذي سببه الانقلاب الحوثي وأدخل البلاد في أزمات غير مسبوقة.
وكانت المرأة اليمنية في قلب المعترك القاسي وتداعياته الإنسانية الصعبة على الصعد كافة، ومع ذلك ظلت بعيدة من الفعل الوطني وموقع صنع القرار، بل وظل تمثيلها في قوام الحكومات المتعاقبة شاغراً حتى مجيء حكومة الدكتور شايع الزنداني التي تشكلت قبل نحو شهر في أعقاب جملة التغيرات السياسية والعسكرية في المناطق الواقعة تحت سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً.
وشملت الحقيبة الرئاسية ثلاث نساء للمرة الأولى منذ 10 أعوام، في خطوة تسعى إلى إعادة الاعتبار للمرأة اليمنية ذات التاريخ الحضاري المشهود على مر العصور، والنهوض بواقع متدهور كانت أكثر من يدفع ثمنه في الصراعات السياسية الدامية والأزمات الإنسانية الناجمة عنه، جوعاً وتشريداً وفقراً ومرضاً.
من وسط المعترك
وللمرة الأولى جرى استحداث منصب وزير دولة لـ "شؤون المرأة" شغرته الدكتورة عهد جعسوس، ولم يأت لسد فراغ بل جاء لخلق فرص أفضل للنساء وفهم واقعهن وحاجاتهن، إذ تأمل البلاد في عهدها الجديد أن تحدث المرأة نشاطاً حكومياً يعالج جملة المشكلات التي راكمتها الحرب في المجالات الحقوقية والتنموية والتعليمية والفرص والتأهيل وصناعة القرار والإدارة وغيرها، إضافة إلى أن عملها في قطاع التأمينات والمعاشات سيمنحها دراية مسبقة لتحريك ملفات الرواتب المتعثرة لهذا القطاع وغيرها من القطاعات الأخرى، خصوصاً في ما يختص بحقوق المرأة العاملة أو التي ترعاها الدولة.
والوزيرة الحائزة على درجة الدكتوراه في إدارة الأعمال، تعد من الأصوات التي لم تسكتها ظروف السطوة الذكورية بفعل غلبة القوة، فواصلت فرض حضورها وقريناتها من قاعات وميادين العمل النسوي الفاعل، مما منحها أحقية الوزارة التي ترى أنها "لن تكون وزارة لسد فراغ بل لإحداث تغييرات جوهرية في واقع المرأة"، إذ يدفع الوزيرة الجديدة رصيد مهني وخبرة جيدة في مجال الإدارة العامة لتنمية المرأة العاملة في وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، وسيرة علمية تخصصت لدعم وتمكين المرأة في القطاعات المؤسسية والمجتمعية.
في قلب الحاجة الفعلية
وفي حديثها إلى "اندبندنت عربية" تؤكد أن تخصيص حقيبة لشؤون المرأة ضمن التشكيل الحكومي الجديد "توجه صحيح وصائب للقيادة السياسية تجاه تعزيز دور المرأة وتمكينها كشريك فاعل في المجتمع، إضافة إلى وزارتين أخريين كانت من نصيبها"، وكون حقيبة الدولة لشؤون المرأة وزارة مستحدثة فهي "بحاجة إلى تحديد مهمات واختصاصات تمكننا من تعزيز دورها في صنع القرار، ووضع خطط ومشاريع تنموية مستدامة تستفيد منها المرأة أينما وجدت".
وعلى غير ما اعتادته الحكومات اليمنية المقيدة بالعمل المركزي في إطاره الضيق الجامد، ستركز الوزيرة اليمنية بدرجة رئيسة على مشاريع المرأة الريفية في القرى والمناطق النائية للحصول على الرعاية الصحية والخدمات الاجتماعية وتنمية المهارات، من خلال دعم مشاريع صغيرة توفر فرص عمل وسبل العيش لها ولأسرتها، وهي خطط غير مسبوقة إن تم لها النجاح، نظراً إلى الحاجة الإنسانية في المناطق البعيدة والمنسية في الأرياف والقرى البعيدة عن أعين صناع القرار وحتى الإعلام، والمنظمات الحقوقية والإنسانية خصوصاً.
ويتطلع اليمنيون إلى نتائج ملموسة لعمل الحكومة الجديدة وترقب تعاملها مع المتغيرات التي شهدتها المرحلة الماضية ومنها المشكلة الجنوبية، وكيفية مواجهة حال الانقسام السياسي في ظل بقاء التحديات التي يشكلها أنصار "المجلس الانتقالي" المحلول في عدن والمحافظات الجنوبية، إضافة إلى الحلول غير التقليدية المنتظرة للأزمات الاقتصادية والإنسانية التي سببها ازدواج مراكز القرار، ومنها الأزمة السياسية المتعلقة بمدى ملاءمة عمل الحكومة إلى عدن، ومدى استتباب الأمن والأوضاع التي تسمح بممارسة مهماتها السيادية بحرية واستقلالية مطلقة، وكيفية التعامل مع بقاء انقلاب جماعة الحوثي التي لا تزال تسيطر على العاصمة صنعاء والمحافظات المجاورة لها.
وجهة نظر في القوانين وصندوق لتنميتها
وأمام سلسلة طويلة من المهمات التي تثقل كاهل الوزيرة، يبرز السؤال عما يمكن لها فعله في ظل وضع سياسي معقد وخصوصاً في العاصمة الموقتة عدن، والتي لم تهدأ جراء استمرار التوترات المستمرة، فتقول "بدأنا في إعداد مشروع قرار رئيس مجلس الوزراء في شأن إعداد لائحة تنظيم مهمات واختصاصات وزير الدولة لشؤون المرأة".
ويبدو أن المهمات لا تزال في طور التكون والتصور الأولي، ولهذا تؤكد أن الخطط المقبلة للنهوض بقريناتها اليمنيات "تركزت بصورة مباشرة على تحديد المهمات والاختصاصات، ومنها الاختصاصات الإستراتيجية والسياسية والتنفيذية والرقابية"، إضافة إلى تحديد علاقة وزارتها بالجهات ذات الصلة مثل "المجلس الأعلى للمرأة" و"اللجنة الوطنية للمرأة" وأدوات العمل المطلوبة والتنظيم المالي والإداري.
وفي إطار برنامج الحكومة لعام 2026 التي أقرت قبيل أيام، أوضحت جعسوس أن وزارتها قدمت "أولويات ضمن برنامج الحكومة وأهمها انتشال واقع المرأة الصعب بتعزيز دورها في التنمية وصنع القرار، والتمكين الاقتصادي وإنشاء صندوق لتنمية المرأة"، لافتة إلى أن مقترح المشروع أثار كثيراً من الجدل لاختصاصه بحقوق المرأة في القوانين والتشريعات الوطنية، ويتمثل في "إعادة النظر في القوانين النافذة واقتراح التشريعات والتعديلات القانونية التي تكفل حقوق المرأة لضمان عدم التمييز ضدها".
ووفقاً للآراء اليمنية الرسمية فإن التغييرات الكبيرة في جهاز الدولة تسعى إلى إعادة تكوين صف قيادي متماسك وموحد في قراراته ورؤاه وحتى في خلفيات داعميه، بما يمكنه من خلق صيغ واعدة للمشكلات القائمة في الجنوب أو في شأن شكل الدولة اليمنية المقبلة بعد التعامل مع الحوثيين، سواء بالقوة أو السلام.
(اندبندنت عربية)