ظلت ميليشيات الحوثي تتريث الدخول في الحرب الإيرانية، وبعد يومين من كشف النظام عن استدعاء الورقة اليمنية على لسان المرشد الجديد مجتبى خامنئي، ها هي تستجيب وتعلن "اتخاذ قرار الوقوف" إلى جانب راعيتها و"يدهم على الزناد".
وكشف القيادي الحوثي محمد البخيتي اليوم السبت عن اتخاذ قرار رسمي بالوقوف عسكرياً إلى جانب إيران في مواجهة الحرب الدائرة، مؤكداً أن ساعة الصفر سيجري الإعلان عنها في الوقت المناسب.
ويرى مراقبون أن إعلان الحوثيين الأخير يمهد لفتح جبهة استنزاف جديدة وواسعة قد تشمل ممرات الملاحة الدولية والقواعد العسكرية في المنطقة.
وتتزايد المخاوف الدولية من تحول الصراع الحالي إلى حرب إقليمية شاملة تتداخل فيها القوى المحلية والدولية، بخاصة مع تأكيد الجماعة في اليمن أن تحركها العسكري قد يبدأ في أية لحظة تقتضيها الضرورة الميدانية.
يبدو أن التريث الذي مارسته جماعة الحوثي منذ بدء الضربات الأمريكية – الإسرائيلية ضد إيران لم يكن فقط لتقييم الأخطار المرتبطة بفارق القوة في معادلة الردع، بل لإعادة ترتيب حساباتها الاستراتيجية في إطار ارتباطها بالموقف الإيراني. ويرى مراقبون أن هذا التريث يعكس محاولة الموازنة بين متطلبات الصراع الإقليمي والأوضاع المعقدة في المناطق الخاضعة لسيطرتها في صنعاء والمحافظات المجاورة.
وإعلان البخيتي جاء بعد أيام قليلة من تأكيد زعيم الجماعة عبدالملك الحوثي خلال سابق أن قواتها في حال استنفار كامل، مؤكداً أن "أيدينا على الزناد في أية لحظة تقتضيها التطورات"، واصفاً الحرب الدائرة بأنها "معركة الأمة كلها".
من غرفة عمليات "المحور"
تتعدد التحليلات حول نوعية المشاركة الحوثية لإسناد الرد الناري الإيراني وتوقيتها ومجالها العملياتي وسبب تريثها خلال الفترة الماضية.
فيقول الباحث السياسي حسام ردمان إن جماعة الحوثي "لم تكُن في طور تقييم الأخطار أو محاولة الابتعاد خطوة من طهران"، ولكنها انتظرت لأسباب من بينها "انتظار التوقيت العملياتي من غرفة عمليات المحور، في طور سياسة ’الرد المتدرج‘ التي تستخدمها طهران في إدارة الصراع وفق مبدأ الاقتصاد بالقوة".
ويوضح ردمان لـ"اندبندنت عربية" أن التقديرات الغربية تشير إلى نجاح النظام في استعادة شيء من تماسكه الذاتي، وامتصاص الصدمة التي سببتها الموجة النارية الأولى من الضربات العنيفة التي طاولت قوامه الاستراتيجي. في المقابل، ترى التقديرات الإيرانية أن هذا الصدام العسكري مرشح لأن يطول، وحتى إن انتهت هذه الحرب قريباً فإنها لن تكون الأخيرة.
"مصادر الطاقة" وتوسيع مسرح المشاغلة
يرى خبراء ومحللون أن الدعم الذي قدمته إيران للحوثيين خلال العقود الماضية، سواء عبر الأسلحة والتمويل أو التدريب والخبراء، جعل الجماعة إحدى الأوراق الإقليمية التي يمكن لطهران استخدامها في صراعاتها. وبناء على ذلك لم يكن احتمال تدخل الحوثيين مفاجئاً، إذ قد يأتي ضمن استراتيجية توسيع نطاق الضغط على خصوم إيران من خلال عمليات تستهدف أصولاً أميركية أو حركة الملاحة الدولية في المنطقة.
ويرى مراقبون أن مثل هذه التحركات قد تحمل تداعيات واسعة على اليمن، كما حدث في موجة الضربات التي استهدفت مطار صنعاء في مايو/ أيار 2025 عقب هجمات حوثية على إسرائيل.
وبحسب ردمان، لن تخرج خيارات التصعيد الحوثية المتوقعة في عملية إسناد حلفائه عن مسارين، الأول "إذا كان الهدف المشاغلة والتضامن الرمزي مع إيران فمن المرجح أن تتركز هجماتهم على العمق الإسرائيلي أو على الأصول الأميركية في المنطقة". أما إذا كان الهدف "تغيير قواعد اللعبة، فستتجه الهجمات نحو ممرات الملاحة الدولية ومن بينها إصابة مصادر الطاقة في الخليج بدقة وكثافة".
ويرى أن عدم تحريك طهران ورقة الحوثي ضد دول مجلس التعاون على رغم قربه هدفه "الحفاظ على شعرة معاوية مع الدول الخليجية التي تتريث حتى الآن بالرد على هجمات الحرس الثوري، لكنها قد لا تفعل الشيء ذاته إذا جاءت الهجمات عبر اليمن".
القوة مختلفة.. إيران ليست غزة
يمكن فهم طبيعة المشاركة الحوثية المتوقعة استناداً إلى شكل تدخلهم السابق خلال ادعاء دعم غزة ضد إسرائيل الذي اقتصر على ضرب السفن التجارية في البحر الأحمر وخليج عدن وإطلاق صواريخ إيرانية الصنع نحو إسرائيل لم ينتج منها أثر مدمر.
وبالتالي أدركوا على وقع الضربات الإسرائيلية التي أنهكت مقدراتهم العسكرية بوصولها إلى عمق الصف القيادي بتصفية حكومتهم في أغسطس/ آب عام 2025 أن أية هجمات واسعة ستقابل برد موجع قد يطاول زعيمهم وصفهم القيادي الأول.
فإيران وفقاً لردمان "ليست غزة" ولذلك "لن يكون مجدياً استخدامهم في عمليات تكتيكية محدودة ذات أثر رمزي تضامني، كما حدث خلال حرب غزة، حين أسهمت هجمات الحوثيين في تعزيز صورتهم السياسية الدعائية لكنها لم تغيّر مجريات الحرب بل تسببت في تدمير مقدرات اليمنيين واستنزاف جزء من بنيتهم العسكرية ومواردهم الاقتصادية".
هذه القناعة ربما يدركها النظام الإيراني عندما أشار إليها القيادي السابق في الحرس الثوري وعضو لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني إسماعيل كوثري، أن للحوثيين "مهمة خاصة سينفذونها في الوقت المناسب".
أشكال متوقعة ومساومة
ويرجح ردمان أن يشمل الرد الحوثي احتمالات عدة من بينها تشويش القوة الأميركية خصوصاً حاملات الطائرات في البحر الأحمر وبحر العرب إذا ما شعرت طهران بأن إطالة أمد الحرب لم تعد في مصلحتها، أو ضرب دول الخليج في حال دخولها بصورة مباشرة في المجهود الحربي ضد إيران سواء عبر فتح القواعد العسكرية أو تقديم دعم عسكري أو لوجستي أو سياسي.
ويستدل بما حدث خلال استهداف قاعدة العديد في قطر خلال حرب الـ12 يوماً، فيقول "قد تلجأ إيران إلى تفعيل الورقة الحوثية في المراحل الأخيرة من الحرب بهدف تحسين شروطها التفاوضية". فبدلاً من وقف إطلاق النار مقابل إجبار إيران على القبول بشروط واشنطن، "قد تصبح الصفقة وقف الحرب مقابل استعادة الملاحة وإمدادات الطاقة وأمن الخليج".
باب المندب ورقة أخرى
ويدرك الحوثيون ومن خلفهم إيران خطورة الاعتداء على دول الجوار الخليجي، مما قد يكلفهم هذه المرة عملاً عسكرياً واسعاً على الأرض، في ظل ضيق شعبي جراء تفاقم الوضع الإنساني وتفشي الجوع الذي بلغ مرحلة خطرة، ولهذا يرى ردمان أن إغلاق باب المندب يظل خياراً حربياً متاحاً قد يمتد تأثيره إلى قناة السويس.
(اندبندنت عربية)