يعيش اليمن على وقع أزمة غير مسبوقة في سوق العمل، مع استمرار تقلص وانحسار الأعمال الموسمية، التي وصلت إلى مرحلة الانعدام التام في أهم موسم تجاري واقتصادي كان يمثل فرصة ثمينة لعشرات الآلاف من اليمنيين للتخلص من البطالة، التي وصلت إلى مستويات مرتفعة، خاصةً في أوساط الشباب.
ولم يشهد اليمن وضعية مماثلة لما يمرّ به منذ اندلاع الحرب على إيران وتفاقم الأوضاع في المنطقة. ويرصد "العربي الجديد" في أربع مدن يمنية هي صنعاء وعدن وتعز وإب، حالة من الحذر الشديد التي طغت على الأسواق والأعمال والأنشطة التجارية والاقتصادية، وذلك منذ اندلاع الحرب في إيران وما رافقها من تبعات وارتدادات اقتصادية مؤثرة، واضطراب في الممرات، وتفاقم أزمة النقل البحري.
وحسب مصادر لـ"العربي الجديد"، فإنّ ما نسبته 70 إلى 80% من الأعمال والمحال والأنشطة التجارية قرّرت الإبقاء على ما لديها من عمال يعملون طوال العام، وبأعداد محدودة للغاية، بحيث لا يزيد العدد على عامل واحد أو عاملين في المحال التجارية الصغيرة، وبين عاملين وثلاثة في المحال المتوسطة والكبيرة.
في حين جرى رصد إضافة نحو 10 إلى 15% منها عاملاً جديداً في الأيام العشرة الأخيرة التي سبقت عيد الفطر، وكذلك في الأسبوع الأول من العيد بالنسبة لبعض الأعمال التي تنشط في هذه الفترة، بينما كانت هذه المحال والأنشطة تشغل سابقاً ما لا يقل عن ثلاثة إلى أربعة عمال إضافيين، حسب حركة الأسواق وطبيعة كل نشاط.
في السياق، يقول التاجر فكري الدبعي لـ"العربي الجديد"، إنّ الوضع في الأسواق هذا الموسم كان مختلفاً وضعيفاً مقارنة بالمواسم السابقة، بل يشهد انخفاضاً تدريجياً من عام إلى آخر، ما أثر كثيراً على القطاعين التجاري والاستثماري.
وأشار إلى أن قطاع تجارة وصناعة الملبوسات، الذي يعمل فيه، يعيش حالة من القلق والحذر الشديدَين لسببَين رئيسيَين؛ أولهما الاعتماد على الاستيراد، وثانيهما الإنتاج عبر المعامل والمشاغل، إذ تأثر الاستيراد نتيجة الظروف الراهنة، بالتزامن مع تحديات في جانب الإنتاج، ما انعكس على توليد فرص العمل الجديدة في هذه الفترة الموسمية المهمة.
من جانبه، يقول التاجر سمير الصرمي لـ"العربي الجديد"، إنّ حالة الحذر في الأسواق والصعوبات في الاستيراد بسبب الحرب فاقمت من مستوى الركود في الحركة التجارية، إذ لم يقتصر التأثير على تراجع الفرص الجديدة، بل امتد أيضاً إلى قيام كثير من المحال والمشروعات بمراجعة مستويات العمالة لديها وتقليصها.
وفي وقت تشهد فيه اليمن تراجعاً وتدهوراً في الأعمال الموسمية وسوق العمل عامّة، يتوقع كثيرون أن يلقي ذلك بمزيد من الأعباء والمعاناة على فئات واسعة من العمال والتجار والمهنيين وأصحاب المشروعات الصغيرة، إذ لا يقتصر التأثير على فئة عمالية موسمية بعينها، بل يمتد ليشمل اليمنيين عامّة، وقطاعات الأعمال والتشغيل والمشروعات الصغيرة والمتوسطة والأنشطة التجارية والاقتصادية، إذ كانت هذه الفترة تمثل فرصة ذهبية لازدهار وانتعاش الأسواق وزيادة الطلب على الأيدي العاملة.
ويؤكد الخبير المصرفي والمالي علي التويتي لـ"العربي الجديد"، أن تأثر اليمن السريع بأي حدث خارجي في المنطقة أو في ممرات التجارة الدولية، يعود إلى الاعتماد الكبير على الخارج، الذي يتجاوز 90% من الواردات، فضلاً عن الاعتماد على الشركاء الدوليين والمانحين والتمويلات، التي تمثل أهمية بالغة للاقتصاد الوطني.
ويضيف أن الحرب في المنطقة والصراع المحلي المستمر منذ أكثر من عشر سنوات أثرا كثيراً على اقتصاد اليمن، وأضعفا قدراته، ودَمّرا إمكانياته، وزادا من مستوى الهشاشة في الاقتصاد والعملة وسوق العمل، ما رفع من درجة حساسيته تجاه أي متغير خارجي.
إضعاف الأعمال التجارية
كما أسهمت سياسات عدة في إضعاف الأعمال التجارية والأنشطة الاقتصادية والمشروعات، مثل التضييق والجبايات، إضافة إلى الانقسام المؤسّسي والمالي والنقدي والتجاري، وما نتج عن ذلك من معاناة لليمنيين وأعباء على القطاع الخاص، إلى جانب عوامل أخرى أثرت على معيشة المواطنين والأسواق، مثل انقطاع الرواتب، الذي تسبب في ركود اقتصادي وارتفاع معدلات البطالة وضعف القوة الشرائية، إذ تمثل الرواتب شريان حياة للاقتصاد، وتسهم في تنشيط مختلف القطاعات وخلق فرص العمل.
بدوره، يشدد المحلل الاقتصادي نبيل الشرعبي لـ"العربي الجديد"، على ضرورة أن تعمل السلطات المعنية في اليمن على التخفيف من تداعيات هذه الأزمة، سواء كانت داخلية أو خارجية، على الفئات العمالية التي تسهم في تحريك عجلة السوق والاستهلاك والاقتصاد ككل، محذراً من أن استمرار توقفها عن العمل سيؤدي إلى مزيد من التدهور المعيشي والتجاري والاقتصادي، وتفاقم الأزمة الإنسانية.
(العربي الجديد)