18 مايو 2026
18 مايو 2026
يمن فريدم-جمال عبدالقادر البدوي


لا يزال السودانيون يتذكرون مشاهد مدرعات قوات "الدعم السريع" وعناصرها وهم يجوبون قلب العاصمة الخرطوم في 15 أبريل/ نيسان 2023، وتتعالى هتافاتهم الموثقة في محيط شارع الجامعة، "استلمنا الخرطوم استلمنا السودان" باعتقاد أنهم حسموا المعركة وأسقطوا الخرطوم وآل حكم كل البلاد إليهم، بينما ظهر قائدهم محمد حمدان دقلو (حميدتي) بالصوت فقط على إحدى القنوات الفضائية وهو يؤكد "البرهان محاصر وليس أمامه سوى الاستسلام".

منذ ذلك الحين وحتى اليوم خسرت قوات "الدعم السريع" العاصمة الخرطوم وكل ولايات الوسط، الخرطوم، والجزيرة، وسنار، والنيل الأبيض بجانب الأجزاء الشمالية من نهر النيل وبعض شمال كردفان، فما التحولات التي شهدتها كقوة مسلحة مهيمنة على العاصمة السودانية وتسعى لفرض سيطرتها على كل البلاد، فأين هي الآن وأي وضع تعيشه حالياً بعد أن انتقلت بكامل قيادتها الميدانية إلى إقليم دارفور.

الصدمة والهيمنة

كانت الأسابيع الأولى من الحرب تتسم بوضع مهيمن لقوات "الدعم السريع" على العاصمة الخرطوم وتنتشر بكثافة داخل معظم المقار السيادية والمؤسسات والوزارات، بما فيها القصر الجهوري ومطار الخرطوم.

مع تمكن الجيش من امتصاص الصدمة الأولى بتحصنه الدفاعي داخل حامياته بالعاصمة، تحرك سلاح الطيران ودفع قوات "الدعم السريع" إلى الاحتماء بالأعيان المدنية والأحياء السكنية ومنازل المواطنين.

في غضون أشهر قليلة زحفت قوات "الدعم السريع" من مناطق غرب النيل نحو ولاية الجزيرة وأسقطت بشكل دراماتيكي وسريع عاصمتها ود مدني في منتصف ديسمبر/ كانون الأول 2023، ثم بسطت سيطرتها لاحقاً على كل أراضي الولاية، مما أدى إلى توسع نطاق الحرب وتفاقم الانتهاكات ضد المدنيين وتردي الأوضاع الإنسانية.

قدرات وثقة

في السياق يرى المستشار السابق لقائد "الدعم السريع" (قبل الحرب)، يعقوب الدموكي، أنه ورغم سيطرة "الدعم السريع" على العاصمة وتمددها جنوباً حتى ولاية سنار وشمالاً حتى تخوم مدينة شندي بولاية نهر النيل فإن احترافية الجيش أرغمته على التراجع حتى أصبح الآن في حدود كردفان ودارفور.

يشير الدموكي، إلى أن قيادة "الدعم السريع" بدت واثقة من قدراتها في السيطرة على مقاليد الحكم بالبلاد، وفق ما أكده حميدتي في مداخلة تلفزيونية بعد 48 ساعة بأنه بسط سيطرته على الأرض ولم يتبق سوى استسلام الفريق البرهان.

يتابع "كانت موقنة بأن انقلابها ناجح بنسبة 100% بحكم تفوقها وقتذاك من حيث العدد والتسليح، وانتشارها الواسع كذراع للجيش للحماية والحراسة داخل معظم المرافق الاستراتيجية والحساسة مثل القصر الجمهوري والإذاعة والتلفزيون ووزارة الدفاع وغيرها في ظل غياب شبه كامل للجيش".

رحلة التراجع

بحسب التطورات الميدانية الأخيرة في السودان، شهدت الفترة بين (2024 و2025)، تحولات مهمة في خريطة السيطرة، وبدأ الجيش يستعيد زمام المبادرة في عديد من مناطق وسط البلاد، وعمد إلى فك الحصار عن بعض المدن وتقليص نفوذ "الدعم السريع" في المناطق التي توغلت فيها سابقاً، بينما تزايدت التعقيدات أمام قوات "الدعم السريع".

في أكتوبر/ تشرين الأول 2024 أعلن الجيش استعادة منطقة جبل موية الاستراتيجية بولاية سنار، وقُطع بذلك أهم طرق الإمداد لقوات "الدعم السريع" التي كانت تنتشر في ولايات الجزيرة، وسنار، والنيل الأبيض وباتت أشبه بالجزر المعزولة.

بدأت رحلة خسارة "الدعم السريع" لمكاسبها السابقة بانسحابها من ولاية الجزيرة في يناير (كانون الثاني) 2025، ثم ما لبثت أن فقدت سيطرتها على مدن الخرطوم الثلاث (الخرطوم، أم درمان والخرطوم بحري) كأهم خسارة استراتيجية وسياسية لها.

ترافق انسحاب "الدعم السريع" القسري من كامل وسط البلاد مع تحولات عسكرية وتكتيكة مهمة بانتقال نمط القتال من حروب المدن والمواجهات البرية المباشرة التي وسمت المعارك خلال عام الحرب الأول، إلى حرب المناطق المكشوفة التي برز فيها الدور الفعال لسلاح الطيران والطائرات المسيرة.

التمركز والسيطرة

بالنظر إلى الخريطة الميدانية الحالية تفرض قوات "الدعم السريع" سيطرتها الكاملة على إقليم دارفور بولاياته الخمس باعتبارها المجال الحيوي الرئيس له، في حين تتقاسم السيطرة في إقليم كردفان ولاية غرب كردفان وعاصمتها الفولة وأجزاء من جنوب كردفان عقب تحالفه مع الحركة الشعبية/ شمال بقيادة عبدالعزيز الحلو، وأجزاء واسعة من ريف شمال كردفان.

أبرز مناطق وجودها ونفوذها بدارفور هي مدينة (نيالا) عاصمة ولاية جنوب دارفور، التي تعد المركز الحيوي ورئاسة قواتها ومقر حكومة تحالف (تأسيس) التابعة لـ"الدعم السريع"، التي تضم مطارات عسكرية ومراكز مهمة للدعم اللوجيستي.

أما في إقليم النيل الأزرق المشتعل بالمعارك حتى الآن فتتمركز قوات "الدعم السريع" وحلفاؤها في أجزاء من ريف محافظة الكُرمك على الشريط الحدودي مع إثيوبيا.

مراكز وسيطة

كذلك يتركز وجود مراكز القيادة الوسيطة لـ"الدعم السريع" في مناطق سيطرتها بولايات غرب دارفور وعاصمتها مدينة (الجنينة)، ووسط دارفور وعاصمتها (زالنجي) وشرق دارفور وعاصمتها (الضعين) التي تعد العاصمة الاجتماعية لقبيلة الرزيقات والحاضنة المجتمعية لـ"الدعم السريع" كما أن طرق الإمداد الغربية والحدودية تمثل عمقاً مهماً لها.

وتنتشر بكثافة في المثلث الحدودي بين السودان ومصر وليبيا ومنطقة كرب التوم المجاورة في صحراء شمال دارفور، وتعد تلك المناطق مدخلاً رئيساً للإمداد والدعم اللوجيستي العابر للحدود من ليبيا.

وبما أن دارفور أصبحت الآن حصن "الدعم السريع" فقد زاد ذلك من أهمية كردفان بالنسبة له كونها تربط دارفور بوسط السودان وتمثل البوابة نحو مدينة الأُبيض المحورية على الطريق الرابط بينها والعاصمة الخرطوم ويمثل خط إمداد وتحرك رئيس لها.

استنزاف المقاتلين

قدرت عدة تقارير عدد قوات "الدعم السريع" عند بدء الحرب بنحو (70 - 100) ألف مقاتل، وكانت القوات تتلقى رواتبها وتمويلها مباشرة من الدولة قبل التمرد، في حين لا تتوفر إحصاءات حديثة حول عددها الحالي.

تؤكد تقارير ميدانية أن "الدعم السريع" فقدت نسبة كبيرة من قواتها منذ خسارة الخرطوم ووسط السودان ونتيجة حرب الاستنزاف التي كان يعتمدها الجيش، بما يقدر بآلاف المقاتلين من النخبة والصف الأول، وذلك خلال محاولاتها السيطرة على الحاميات والمعسكرات المحصنة في العاصمة، وبابنوسة بغرب كردفان وكذلك خلال حصار الفاشر إضافة إلى الاستهداف المباشر بقصف الطيران والمسيرات.

نزف الانشقاقات

تشير التقارير أيضاً إلى توسع قوات "الدعم السريع" في عمليات التجنيد القسري بصورة كبيرة أثناء الحرب، خصوصاً في مناطق سيطرتها بدارفور واستجلاب مقاتلين مرتزقة من بعض دول الجوار، بغرض تعويض النقص والخسائر الكبيرة في المقاتلين، مما أدى إلى ظهور تقديرات وأرقام جديدة كبيرة لعدد قواتها الحالي يصعب التحقق منها ميدانياً.

وشكلت الانشقاقات القيادية المتتالية عوامل مؤثرة على حجم القوات وتعد ضمن الخسائر البشرية، إذ تشهد تلك القوات منذ أواخر 2024 وحتى منتصف 2026 اتساع دائرة الانشقاقات من مختلف الرتب القيادية والوسيطة مع تصاعد حالة التململ العسكري والسياسي والقبلي داخل صفوفها.

القدرات اللوجيستية

من حيث العتاد والقدرات اللوجيستية ونوعية التسليح، تشير الإحصاءات إلى أن قوات "الدعم السريع" كانت تعتمد منذ البداية على الحركة السريعة على ظهر ما يقدر بحوالى 10 آلاف عربة قتالية ومدرعات مجهزة بالأسلحة المدفعية رشاشة الخفيفة والمتوسطة والثقيلة ومضادات الطائرات.

مع احتدام المعارك والمواجهات الشرسة في الخرطوم والجزيرة فقدت تلك القوات كثيراً من مدرعاتها وعرباتها، فإنها لا تزال تمتلك آلاف العربات القتالية والرشاشات الثقيلة والمدفعية الميدانية والمضادة للطيران، مع قدرات متزايدة في الطائرات المسيّرة، خصوصاً بعد انتقال الحرب إلى دارفور وكردفان.

وأدت الملاحقات القانونية الدولية وتجميد أصول عدد من الشركات المهمة ذات الصلة بقوات "الدعم السريع"، إلى بدء نضوب تدفقات عديد من قنوات التمويل الخارجي، مما دفعها إلى البحث عن موارد داخلية محلية لسد الفجوة عبر عدة أساليب من الجبايات القسرية.

الحرب الطويلة

على نحو متصل يرى الباحث السياسي والأمني، إسماعيل يوسف، أن قوات "الدعم السريع" تواجه في الوقت الراهن معضلة مختلفة عن بدايات الحرب، فبعدما كانت تتمدد بسرعة أكبر من قدرتها على التنظيم، باتت الآن تحتاج للحفاظ على التماسك والانضباط والموارد في حرب طويلة، وهذه أصعب بكثير من مرحلة التوسع الأولى.

يشير يوسف، إلى أن الانهيار الذي حدث لأجهزة الدولة الرسمية بما فيها الأمنية والخدمية في مناطق واسعة جعل بعض الشباب ينضمون إليها بدافع الخوف وحماية الأهل والممتلكات أو حتى طلباً للنفوذ المحلي، في ظل استغلال شبكات للتعبئة القبلية والجغرافية التي كانت تعمل في الخفاء للوضع لتجنيد مجموعات كبيرة من الشباب بشكل جماعي.

وفق الباحث، كانت قوات "الدعم السريع" في الأشهر الأولى للحرب قد أغرت عديداً من العناصر القيادية الأهلية والشبابية بالانضمام إليها، بعضهم بقناعة سياسية ودوافع أمنية ومادية، لكن فقدانها عدداً من حواضنها الاجتماعية أثر على عمليات التجنيد بشكل كبير.

لكن بحسب يوسف، مع امتداد الحرب وتحولها من حرب خاطفة إلى استنزاف طويل، بدأت تظهر العوامل المنفرة وتتآكل جاذبيتها تدريجاً وتتلاشى صورة القوة المنتصرة وتحولت إلى كيان طارد، كما أن الانتهاكات الواسعة المنسوبة لـ"الدعم السريع" أضعفت صورته وسط السكان، إضافة إلى أن التراجع في الموارد والتمويل وتعقد خطوط الإمداد والعقوبات والضغط العسكري، أدى إلى الاضطراب في سداد الرواتب مما أثر على الحفاظ على ولاء المقاتلين.

(اندبندنت عربية)

الفيس بوك
تويتر

جميع الحقوق محفوظة YemenFreedom ---- تصميم وبرمجة ALRAJIHI