19 مايو 2026
19 مايو 2026
يمن فريدم-منى عبدالفتاح


على رغم أن السودان يعد من أغنى بلدان المنطقة بالموارد المائية، إذ يجري في أراضيه نهر النيل المتفرع منه النيل الأزرق والنيل الأبيض وأنهار أخرى، إضافة إلى عشرات الروافد والمجاري المائية الموسمية التي تتدفق وتفيض خلال مواسم الأمطار، ظل العطش وجهاً قاسياً يطارد ملايين السكان، خصوصاً في الأقاليم البعيدة من مراكز الإمداد الرئيسة.

وفي قلب هذه المفارقة يقف نهر النيل، بفروعه المختلفة، شاهداً على وطن تتدفق عبره المياه، بينما تتعثر فيه سبل الوصول إليها.

ومع كل صيف طويل وقاس، تتضاعف معاناة الناس تحت وطأة ارتفاع درجات الحرارة وتزايد الطلب على المياه، في وقت تعاني فيه البنية التحتية الهشاشة والتآكل.

ولا تبدو الأمطار، على امتداد موسمها الطويل نسبياً، قادرة على إنهاء الأزمة، إذ كثيراً ما تتحول إلى عامل إضافي لتعقيدها، بسبب الانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي وارتفاع نسبة الطمي التي تعوق تشغيل المحطات والآبار، وتؤثر في كفاءة الماكينات وبيارات المياه. ومنذ اندلاع الحرب في عام 2023، اتسعت دائرة المأساة مع تضرر شبكات الكهرباء والمياه وتراجع الخدمات الأساسية.

وفي ولاية الخرطوم، أعلنت هيئة المياه أن الارتفاع الكبير في درجات الحرارة أدى إلى زيادة الاستهلاك بصورة هائلة، مما فرض ضغطاً إضافياً على المحطات النيلية المتأثرة أصلاً بعدم استقرار الكهرباء، مما دفعها إلى تشغيل مولدات تستهلك كميات كبيرة من الوقود، إلى جانب الاعتماد على مئات الآبار الجوفية المدعومة بالطاقة الشمسية، في محاولة لتفادي انهيار الإمداد المائي.

هشاشة القطاع

قال المهندس الزراعي عبدالله خضر إن أزمة المياه في السودان لا ترتبط بندرة الموارد ولكن بسوء الإدارة والضغط المتزايد على المصادر المتاحة، موضحاً أن الزراعة تظل القطاع الأكثر استهلاكاً للمياه في البلاد.

وبحسب بيانات البنك الدولي ومنظمة الأغذية والزراعة، فإن القطاع الزراعي يستهلك نحو 96% من إجمالي السحب السنوي للمياه العذبة في السودان. في الظروف الطبيعية، يعمل نحو 80% من السودانيين في الزراعة، ولكن نتيجة ظروف الحرب، ووفقاً لأحدث التقديرات، تشير بيانات البنك الدولي إلى أن العاملين في القطاع الزراعي يمثلون نحو 40% من إجمالي قوة العمل، على رغم أن الزراعة لا تزال مصدر الدخل والمعيشة الرئيس لملايين السكان في الريف.

وأضاف خضر أن الاعتماد النسبي على الزراعة المطرية التقليدية، إضافة إلى التوسع في الزراعة الآلية والرعي الجائر وقطع الغابات، أسهما خلال العقود السابقة في تسارع التصحر وتدهور التربة، خصوصاً في ولايات دارفور وكردفان والجزيرة. ولفت إلى أن الاستخدام غير المنظم للمياه الجوفية والسطحية، مع غياب البنية الحديثة للري، أديا إلى استنزاف الموارد المائية وارتفاع مستويات الإجهاد المائي.

كذلك تتحمل النساء والأطفال العبء الأكبر للأزمة، إذ يقضون ساعات طويلة يومياً في جلب المياه من مصادر بعيدة، مما ينعكس على الصحة والتعليم والإنتاجية. وأكد المهندس الزراعي أن الحرب ضاعفت من هشاشة قطاع المياه والزراعة، بعد تدمير محطات الكهرباء وشبكات الإمداد وتعطل كثير من مشاريع الري والإنتاج الزراعي.

هاجس يومي

في أحياء الحاج يوسف وأمبدة ودار السلام وأيضاً في أجزاء واسعة من جنوب الخرطوم، تحولت المياه إلى هاجس يومي يطارد السكان العائدين لمنازلهم بعد أعوام من النزوح. هناك، لم تعد المعاناة مرتبطة فقط بانقطاع الإمداد، بل بطوابير الانتظار الطويلة وارتفاع أسعار البراميل واضطرار العائلات إلى شراء مياه لا تضمن سلامتها الصحية.

في الصباح الباكر، تصطف عربات الكارو والحمير أمام الآبار ومحطات التعبئة، بينما يحمل الأطفال الأواني البلاستيكية لمسافات طويلة تحت شمس قاسية.

يقول الطالب الجامعي إيهاب عادل إنه لم يعد بمقدورهم تحمل نفقات المياه أثناء اليوم الدراسي، ولا يكفيهم الماء حتى منتصف اليوم، وبعض الطلاب يعودون لمساكنهم بسبب العطش والإرهاق. ويضيف أن انعدام المياه أثر حتى في النظافة داخل قاعات الدرس ودورات المياه، مما يهدد بانتشار الأمراض.

أما سعاد البوني، وهي أم لخمسة أطفال، فتقول إنها تقضي أكثر من أربع ساعات يومياً للحصول على المياه، مضيفة "أحياناً نشتري البرميل بسعر يفوق ثمن الطعام نفسه".

وفي جنوب الخرطوم، يروي عامل البناء بلال الأمين أن كثيراً من أعمال إعادة ترميم المنازل توقفت بالكامل بسبب شح المياه. "الناس عادوا لبيوتهم المدمرة، لكن لا ماء للبناء ولا للحياة نفسها"، يقول بحسرة، بينما تتفاقم الأزمة مع ارتفاع درجات الحرارة والانقطاع المستمر للكهرباء.

مرحلة حرجة

أقرت السلطات المتخصصة بأن أزمة المياه في ولاية الخرطوم بلغت مرحلة حرجة، في ظل التدهور المستمر في قطاعي الكهرباء والبنية التحتية، وتزايد الطلب على المياه مع الارتفاع الكبير في درجات الحرارة.

وأعلنت "هيئة مياه ولاية الخرطوم" في بيانها الأخير أن الانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي وعدم استقرار الإمداد الكهربائي أثرا بصورة مباشرة في عمل المحطات النيلية، مما تسبب في تراجع كميات المياه المنتجة ووصول الإمداد إلى عدد كبير من الأحياء بصورة متقطعة أو منعدمة تماماً.

وأوضح المتحدث الرسمي باسم حكومة ولاية الخرطوم الطيب سعد الدين أن السلطات اضطرت إلى تشغيل عدد من المحطات عبر مولدات تعمل بالغازولين كحل إسعافي موقت، مشيراً إلى أن واحدة فقط من محطات أم درمان تحتاج إلى نحو 80 برميلاً من الوقود يومياً حتى تستمر في ضخ المياه، كذلك أكد أن ارتفاع أسعار الوقود وصعوبة توفيره يمثلان تحدياً إضافياً أمام استمرار الخدمة.

وفي السياق ذاته، كشفت هيئة المياه عن أضرار كبيرة لحقت بمحطة مياه بحري، إحدى أكبر وأقدم المحطات في العاصمة، بعد تعرضها لأعمال تخريب وقصف خلال الحرب. وأوضحت أن الأضرار شملت المحولات الكهربائية والكوابل والأحواض وأجهزة المعامل، مما أدى إلى توقف المحطة وانقطاع الإمداد عن مناطق واسعة في بحري وشرق النيل والخرطوم.

وعلى رغم توفير سبع مولدات كبيرة بعد استعادة السيطرة على المنطقة، إلا أن تشغيلها يستهلك كميات هائلة من الوقود، إذ يحتاج المولد الواحد إلى عشرات البراميل يومياً.

وبحسب الإحصاءات الرسمية، فإن خمس محطات رئيسة من أصل 13 محطة نيلية وسبع محطات ضغط خرجت عن الخدمة بسبب القصف أو النهب أو انقطاع الكهرباء، مما فاقم معاناة السكان وأدخل الولاية في واحدة من أسوأ أزمات المياه.

سلاح حرب

ذكر تقرير صادر عن أكاديمية جنيف للقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان أن الحرب المستمرة في السودان حولت المياه إلى سلاح حرب يستخدم للسيطرة على السكان وإخضاع المناطق المتنازع عليها، في واحدة من أخطر صور الانتهاكات المرتبطة بالنزاعات الحديثة.

وأوضح التقرير أن استهداف البنية التحتية للمياه لم يكن نتيجة عرضية للقتال، بل جاء في كثير من الحالات ضمن تكتيكات عسكرية متعمدة أدت إلى تفاقم الكارثة الإنسانية التي يعيشها ملايين السودانيين.

وأفاد التقرير بأن قوات "الدعم السريع" سيطرت أو عطلت مصادر مياه رئيسة في شمال دارفور، من بينها خزانا غولو وشقرة، مما تسبب في قطع المياه عن أكثر من 270 ألف شخص.

بينما أدى القصف والهجمات بالطائرات المسيرة على محطات الكهرباء إلى تعطيل مرافق المياه والصرف الصحي في الخرطوم وأم درمان وبورتسودان وعطبرة، كذلك أشار إلى أن استخدام الحصار وحرمان السكان من المياه في مدينتي الجنينة والفاشر ارتبطا بهجمات ذات أبعاد إثنية ضد المجتمعات غير العربية، شملت النهب والعنف الجنسي والقتل والاستهداف المباشر للمدنيين.

وأكد التقرير أن انهيار أنظمة المياه والنظافة العامة تسبب في تفشي وباء الكوليرا وارتفاع معدلات الأمراض المعوية والجلدية، وسط نزوح جماعي وتدهور حاد في الخدمات الصحية. وذكر أن هذه الممارسات تمثل انتهاكاً صريحاً للمادة 14 من البروتوكول الإضافي الثاني لاتفاقات جنيف، التي تحظر استخدام التجويع أو حرمان المدنيين من مقومات البقاء، بما فيها المياه، كسلاح في النزاعات المسلحة.

وأشار التقرير إلى أن محدودية اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، الذي يقتصر حالياً على إقليم دارفور، أسهمت في استمرار الإفلات من العقاب، على رغم وجود اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

وأوصى بضرورة توسيع الولاية القضائية للمحكمة لتشمل كامل السودان، وإنشاء آلية دولية مستقلة للمساءلة، وفرض حظر شامل على تدفق الأسلحة، إضافة إلى ضمان وصول المساعدات الإنسانية وخدمات المياه بصورة آمنة.

أيضاً دعا إلى تبني مقاربة قانونية متكاملة تربط بين القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان والقانون البيئي، باعتبار أن استهداف المياه لا يهدد حياة المدنيين فحسب، بل يخلف أضراراً بيئية وصحية طويلة المدى تتجاوز حدود النزاع نفسه.

(اندبندنت عربية)

 

الفيس بوك
تويتر

جميع الحقوق محفوظة YemenFreedom ---- تصميم وبرمجة ALRAJIHI