24 مايو 2026
24 مايو 2026
يمن فريدم-محمد صبحي


ضمن قسم "أسبوع النقّاد" بالدورة الـ 79 لمهرجان كانّ السينمائي (12 ـ 23 مايو/ أيار 2026) عُرض فيلم "المحطة" للمخرجة اليمنية الأسكتلندية سارة إسحاق، كأول فيلم يمني يُعرض في تاريخ المهرجان العريق.

وقد تلقى الفيلم دعماً أساسياً من مؤسسة الدوحة للأفلام التي منحته تمويلاً عبر منحتَي التطوير والإنتاج، واختير ضمن قائمتها للأفلام المدعومة في المحافل الدولية.

في بلد متخيّل مزقته الحرب، ذهب الرجال إلى الجبهة ليضحّوا بأنفسهم، بينما تحافظ النساء على المجتمع قدر استطاعتهن. في هذه المنطقة الواقعة وسط الصحراء، الممزقة والمتصارعة بين جماعات عرقية متنافسة، تقع قرية.

وفي قلب هذه القرية، تقع محطة وقود. هنا تعيش ليال (منال المليكي) مع شقيقها الصغير ليث (رشاد خالد).

بانتظار وصول الوقود الذي يتأخّر عادةً، تصبح هذه المحطة ملتقىً للنساء، حيث يتبادلن مستحضرات التجميل سراً، أو يثرثرن، أو يتناولن وسائل منع الحمل. عندما تُهدد زوجة الشيخ بتجنيد ليث في الجيش لسداد ديون ليال، تسعى ليال جاهدةً لإيجاد حلّ، مما يُشعل سلسلة من الأحداث التي تُعيد إشعال توترات دفينة وتُهدد التوازن الهشّ لمحطّة الوقود.

يمكن تصنيف هذا الفيلم، أول روائي طويل للمخرجة، والذي يُصوّر ديستوبيا نسوية، في مكان ما بين أفلام "ماد ماكس" و"كراميل" لنادين لبكي. يجمع "المحطّة" بين أزمة نفط وتوتّرات حرب أهلية ودعم أختّي، ليقدّم سرداً بسيطاً، مدفوعاً بشخصيات يسهل التواصل معها.

تكمن أصالة الفيلم في إبعاد الرجال عن الشاشة: يُذكرون، يُسمع صوتهم، يُخشى منهم، أو يُسخر منهم، لكن لا يُرون أبداً.

فقط الصغير ليث، الذي يُسخر منه بسبب جانبه "الأنثوي"، يُسمح له بالظهور في هذه القصّة متعددة الأوجه المتمحورة حول المرأة. رغم إيقاعه البطيء، الذي يخفّف التوتّر ويؤثر على الانطباع النهائي، يرنو "المحطّة" التأثير والتنفيس، باستناده إلى واقع قاسٍ في كثير من الأحيان لخلق قصة خيّالية عن المقاومة والصمود والأختيّة.

تقع القرية التي تعيش فيها ليال مع شقيقها الصغير ليث في خضم حرب أهلية اجتاحت دولة غير محدّدة تشبه اليمن (يُعلن بيان افتتاحي أن أحداث الفيلم "تصوّر عالماً موازياً عالقاً في دوامة قتال لا تنتهي"). أغلب سكّانها من النساء، فالرجال إمّا يقاتلون في الصفوف الأمامية أو قضوا في المعارك.

الحياة متوتّرة ومعقّدة، والمال شحيح، والاشتباكات بين الفصائل مستمرة. لكن ليال ابتكرت ما يبدو، في البداية على الأقل، ملاذاً آمناً، ومساحة للراحة والتواصل الاجتماعي وسط الفوضى. إنها، بطريقة ما، محطة وقود، لكنها في الوقت نفسه أكثر من ذلك بكثير.

وضعت ليال قواعد لإدارة المكان. فهي تبيع للنساء فقط، وتمنع النقاشات السياسية، وتسعى جاهدة لجعلها مساحة "آمنة" وسط هذا التوتّر الشديد.

وما يبدو في البداية أشبه بالجنّة - حيث تخلع بعض النساء حجابهن، ويتبادلن النكات، ويتحدثن عن الجنس، ويستمتعن بوقتهن - سرعان ما يتبيّن أنه وهم، إذ تلاحقهن الحقيقة شيئاً فشيئاً، بفعل ضغوط دينية وعسكرية.

ينشأ الصراع المحوري في الفيلم لاحقاً، عندما يتضح أن ليال ستفعل أي شيء لمنع شقيقها ليث (12 عاماً) من الذهاب إلى الحرب. ففي هذا العمر، يُستدعى الأطفال إلى الجبهة، وليال بحاجة إلى المال لإبعاده عن السلاح، إذ لم يعد تبريرها المعتاد - بأنه الرجل الوحيد في العائلة بعد وفاة والدهما وشقيق آخر في المعركة - مقنعاً.

ولعدم امتلاكها المال، تطلب من شقيقتها الكبرى شمس (عبير محمد)، التي تعيش بعيداً في المنطقة المُعادية ولم ترها منذ مدة طويلة، إعطاءها نصيبها من الميراث. لكنها لا تملك المال، لذا تتخذ قراراً محفوفاً بالمخاطر لمساعدة شقيقيها: السفر إلى حيث يعيشان، مروراً بعدّة نقاط تفتيش، وحينها، وضع خطة للهروب. لكن الأمر لن يكون سهلاً، فالأمور لا تسير كما خُطّط لها، ويتزايد الضغط من كلّ جانب.

رغم أن فيلماً كهذا يتطلّب دراسةً في الجغرافيا السياسية للوضع في اليمن لفهمه تماماً - فليس من الواضح دائماً ما يحدث، ولماذا، ومَن هم، وما الصراع أصلاً - إلا أن النقطة الأساسية واضحة: لا تريد أي من الشقيقتين أن يذهب ليث، الذي يبدو أيضاً غير مؤهل لمثل هذه الحياة - فهو فتى وحيد يلعب مع سحلية ويتعرّض للتنمّر باستمرار من الجيران - إلى الحرب، ورغم اختلافاتهما الشديدة، عليهما أن يتحدا لإيجاد مخرج.

إسحاق، المولودة في اليمن والمقيمة في اسكتلندا، والتي رُشّحت لجائزة أوسكار لأفضل فيلم وثائقي قصير في العام 2012 عن فيلم "ليس للكرامة جدران"، تعرّفت على قصص كهذه خلال زيارة لبلدها الأمّ، ورغبت في تصويرها، بدايةً كفيلم وثائقي. لكن للأسباب السياسية نفسها التي يُقدّمها الفيلم، استحال ذلك السعي.

لذا، ابتكرت هذه الرواية المُستوحاة من قصّة حقيقية، والتي تعبّر، قبل كلّ شيء، عن صمود هؤلاء النساء، وإرادتهنّ القوية، وروحهنّ القتالية، وضرورة تنظيم أنفسهنّ لحلّ المشاكل في بلدٍ مزقته سطوة الرجال.

هذه ليست حكاية نسوية رقيقة. فهناك نساء يُعارضنهنّ، وبعضهنّ يقمعنهنّ من منظور ديني، وحتى فيما بينهنّ توجد اختلافات كبيرة في الرأي.

لكن ما يوضّحه "المحطة" جلياً، مع تحوّله من دراما عائلية إلى فيلم إثارة حربية (تقريباً)، أنّه لولا وجودهنّ، لكانت تلك المنطقة - وربما الكوكب بأكمله - قد اندثرت على الأرجح منذ سنوات عديدة.

(جريدة المدن)

الفيس بوك
تويتر

جميع الحقوق محفوظة YemenFreedom ---- تصميم وبرمجة ALRAJIHI