مع انقطاع المساعدات الغذائية، لم تجد سعيدة محمد البالغة 65 عاما، سوى أن تخرج بكيس بلاستيكي إلى محيط مخيم النزوح حيث تقيم في جنوب اليمن، لتجمع أوراق الأشجار وتطهوها لأحفادها علّها تسكت جوعهم.
خلف المخيم، تمتد تلال تكسوها الأشجار تحت سماء صافية، بينما تنتشر على الأرض الصفراء الحصوية أكوام من النفايات.
وسط القمامة والفاقة، تحاول الحياة اليومية أن تنتظم بما تيسّر، ولو على نحو هشّ ومنقوص.
ملابس بالية تجفّ على حبال مشدودة بين أشجار نحيلة، فيما يستقر إطاران قديمان مرميان وسط الغبار.
في مخيم المنيج قرب تعز في جنوب غرب اليمن، تعيش محمد في خيمة بدائية مع ابنتيها المطَلّقتين وأطفالهما الستة.
كانت العائلة تعتمد على مساعدات برنامج الأغذية العالمي، لكنها توقفت قبل أكثر من ستة أشهر.
ومنذ ذلك الحين، باتت محمد تجمع أوراق الأشجار وتدسّها في كيسها البلاستيكي. وعندما تعود إلى الخيمة، تضعها في دلو وتسكب عليها الماء.
ولطهي الأوراق، تصنع موقدا بدائيا من بعض الأغصان والحجارة.
تقول لوكالة فرانس برس "أضيف قليلا من الملح وأغلي الأوراق حتى تلين. ثم أهرسها وأقدمها للأطفال كي أخفف جوعهم قليلا".
في خيمتها المتهالكة، ثقب أطلت منه حفيدتها بوجه ضاحك، فيما كان إخوتها وأخواتها ينظرون إليها مستمتعين بالمشهد.
تقاسمت العائلة وجبتها بصمت. أخذ الأطفال يغرفون الأوراق المهروسة بأيديهم الصغيرة من صينية معدنية كبيرة، وأنهوا الطعام في بضع لقمات.
وتقول الجدة متنهّدة إنهم لم يذوقوا اللحم منذ زمن طويل، إلى حد أنهم "نسوا مذاقه".
ويتسبب لهم هذا الطعام بنوبات إسهال متكررة، لكنها لا تملك خيارا آخر. وتضيف "ننام جياعا، ونستيقظ من دون فطور. لا نملك شيئا. لا سكر ولا دقيق، لا شيء".
4.5 ملايين نازح
أنهكت الحرب الأهلية اليمن، أفقر دول شبه الجزيرة العربية، على مدى أكثر من عقد، وتسببت بنزوح ما لا يقل عن 4.5 ملايين شخص وبأزمة إنسانية حادة.
ومع استمرار تراجع التمويل الإنساني، تضطر محمد وابنتاها إلى التسوّل لشراء الخبز، أو جمع بقايا الطعام من المطاعم، أو الاكتفاء بأوراق الأشجار.
نزحت هذه الأسرة عن منزلها في العام 2015، بعدما اندلعت معارك بين المتمردين الحوثيين المدعومين من إيران والقوات الحكومية في قرية الكدحة التي تنحدر منها. وصادر مقاتلون منزلها ومواشيها، فتبخّر أي أمل في العودة.
وتقول محمد "لم يعد أحد يأتي للاطمئنان علينا. لقد نسانا الناس. كأننا غير موجودين".