على نحو نهر الليطاني والمناطق التي تقع جنوبه بين أقضية مرجعيون وحاصبيا وبنت جبيل (محافظة النبطية) وصور (محافظة الجنوب) كانت قلعة الشقيف هي الأخرى لا تغيب عن المصطلحات العسكرية والهجومية الإسرائيلية وصولاً إلى احتلالها أكثر من مرة، نظراً إلى ما تتحكم به هذه القلعة التاريخية من استراتيجية جغرافية وعسكرية تشرف من ارتفاعها الذي يصل إلى حدود 710 أمتار عن سطح البحر على مختلف مناطق جنوب لبنان، ما عدا منطقة جبل الريحان التي ترتفع عنها وتتجاوز الـ800 متر وصولاً إلى أكثر من 1200 متر في عدد من مرتفعاتها وتلالها، وتشرف كذلك على عدد من المستعمرات الإسرائيلية الشمالية ومنطقة مرجعيون بكاملها إلى مرتفعات كفرشوبا وحاصبيا (القطاع الشرقي).
منذ انطلاق الحرب الإسرائيلية الأخيرة في الثاني من مارس/ آذار الماضي وبدء عملية توغل برية للسيطرة على المنطقة الحدودية التي حددها الإسرائيليون بـ"المنطقة الصفراء" وسعيهم من خلال تصريحات قادتهم إلى جعلها منطقة حدودية عازلة بين الحدود اللبنانية الجنوبية والمستعمرات الإسرائيلية الشمالية، وامتدادها نحو نهر الليطاني، لم تعلن إسرائيل عن نيتها في احتلال قلعة الشقيف الأقرب إلى النبطية عاصمة المحافظة.
الشقيف في العين الإسرائيلية
ظلت القلعة غائبة عن نوايا احتلالها إلى حين بدء الهجوم الإسرائيلي على عدد من بلدات شمال نهر الليطاني في منطقة النبطية قبل نحو أسبوع، وتحديداً نحو يحمر (الشقيف) وزوطر الشرقية وأرنون، الأقرب إلى القلعة، بموازاة قصفها المركز على كفرتبنيت والنبطية الفوقا ومدينة النبطية.
جرى ذلك من خلال هجوم بري عبر مجرى الليطاني من جنوبه إلى شماله مدعوماً بأسطول جوي من المقاتلات الإسرائيلية والمسيرات ونيران المدفعية الثقيلة، من خلال أودية وعرة باتجاه تلال شاهقة لم يكن اجتيازها أسهل من هجوم كان محتملاً من ناحية الشرق، عبر الجسر الأخير فوق الليطاني الذي لم تدمره إسرائيل في حربها الأخيرة ألا وهو جسر "الخردلي" الذي يوصل منطقة مرجعيون بكفرتبنيت وبالتالي بأرنون والنبطية الفوقا وصولاً إلى مدينة النبطية.
وبث الجيش الإسرائيلي أمس شريطاً مصوراً من الجو يظهر قلعة الشقيف بموقعها الأخاذ الطبيعي والاستراتيجي، ويوثق لحظة دخول عدد من الجنود الإسرائيليين من "لواء غولاني" إلى ممرات القلعة الخارجية والداخلية، وسراديب وأدراج فيها.
لكن هذه المشاهد لم تظهر أي وجود لآليات إسرائيلية في داخل القلعة أو حولها، مما يشير إلى إمكانية قيام الجيش الإسرائيلي بإنزال جوي فوق القلعة، وعدم تمركز الآليات التي وصلت إليها بحسب التقارير الصحافية والعسكرية من تخوم يحمر الشقيف عبر طرقات وحقول وعرة إلى حدود أرنون التي تقع القلعة في ارتفاعها الشرقي ثم انسحابها إلى مناطق خلفية بعيدة من مرمى وصواريخ مقاتلي "الرضوان" ومسيراتهم الانقضاضية.
قلعة تحت الغزو التاريخي
لم يفتح موقع قلعة الشقيف الاستراتيجي البالغ الأهمية شهية الإسرائيليين نحو احتلالها منذ عام 1948 (تاريخ نكبة فلسطين) وسعيهم للسيطرة عليها وحسب، بل شكلت على الدوام قبلة جميع من غزوا المنطقة عبر التاريخ، فتلاعبت أيديهم في القلعة بين هدم ودك وتعمير تبعاً للخطط الحربية التي كان يضعها الساعون إليها، وأعيد بناء المدمر منها مرات ومرات، إلى تاريخ احتلالها المباشر من قبل إسرائيل عام 1982 وما سبق هذا التاريخ من قصف مركز جوي وبري عليها، إذ كانت تحت السيطرة الفلسطينية وقواها التنظيمية والقوى اليسارية اللبنانية، مما أدى إلى تدمير أجزاء كبيرة منها، وبخاصة أبراجها العليا والقناطر والجدران التاريخية.
يختلف المؤرخون حول تاريخ بناء القلعة، ويرجح بعضهم أنها بنيت في الفترة الصليبية، أي في القرن 1 الميلادي، فيما يذكر بعض آخر أن القلعة بنيت في عهد الرومان أو البيزنطيين، ولقد استخدمها العرب قبل أن يدخلها الصليبيون الذين قاموا بدورهم بزيادة البناء وعملوا على تحصينها وتدعيمها حتى أصبحت الحصن الأهم بين القلاع التي بنوها في لبنان. وهناك نظريات وروايات تعتبر أن القلعة بنيت على أنقاض مبنى فينيقي قديم.
ونظراً إلى موقعها الاستراتيجي المميز في جنوب لبنان، شهدت القلعة أحداثاً تاريخية عدة، خصوصاً وأنها استخدمت كحصن منيع من الشعوب المختلفة التي دخلت المنطقة. ففي الحقبة الصليبية، قام ملك القدس "فولك"Foulque d’Anjou بانتزاع القلعة من حاكم دمشق، وسلّمها إلى حكام صيدا الصليبيين في عام 1138 ميلادي، كما تقول المراجع التاريخية، ولكنها لم تلبث أن سقطت بيد صلاح الدين الأيوبي بعد حصار دام سنتين. ومن ثم تمكن الصليبيون من استرداد القلعة سلمياً من حاكم دمشق. فسكنها فرسان المعبد وبقوا فيها حتى تاريخ سقوطها بيد الظاهر بيبرس سلطان المماليك في عام 1268، بحيث دمرت أجزاء كبيرة منها.
وفي أوائل القرن 17، رمم الأمير فخر الدين القلعة وحصنها ولكن والي دمشق حافظ باشا قام بمحاصرتها وضربها بمدفعيته ودمر أجزاء منها.
المواجهات الفلسطينية - الإسرائيلية
كان السفح الغربي لقلعة الشقيف منذ بداية السبعينيات وحتى منتصفها يضم أحد أهم مواقع مدفعية الميدان الثقيلة التابعة للجيش اللبناني. وفي الـ10 من مارس 1976 أصبحت القلعة تحت سيطرة جيش لبنان العربي المنشق عن الجيش اللبناني بقيادة الضابط أحمد الخطيب.
وخلال الـ14 والـ15 من مارس 1978 ومع بدء "عملية الليطاني" نفذ سلاح الجو الإسرائيلي غارات عليها، وخلال الـ 19 من يناير/ كانون الثاني 1979 جرت عملية إنزال إسرائيلية في القلعة وحصلت مواجهات مع القوة الفلسطينية وقوى الأحزاب اللبنانية اليسارية كانت موجودة داخلها بعدما تسلمتها من جيش أحمد الخطيب.
وتحت عنوان "لأول مرة طائرات أف 16 تقصف قلعة الشقيف" كتب الصحافي نزيه نقوزي من صيدا خلال الأربعاء الـ20 من أغسطس/ آب 1980: "45 بين قتيل وجريح ومخطوف كانت حصيلة أوسع عملية إسرائيلية مجوقلة قامت بها بمساندة الطيران الحربي منذ الاجتياح الإسرائيلي في مارس 1978، إضافة إلى تدمير 20 منزلاً وقسم من قلعة الشقيف التي تقصف لأول مرة بطائرات ‘أف 16‘ الأميركية الحديثة".
وأضاف "بدأت العملية الإسرائيلية التي امتدت لمسافة يزيد طولها على ثمانية كيلومترات بين قلعة الشقيف و‘النبي علي الطاهر‘ شمال شرق... بعملية إنزال حيث انقسمت إلى مجموعتين، الأولى دخلت إلى أرنون الضيعة والطريق المؤدية منها إلى قلعة الشقيف عبر طريق الكسارة وقامت بمهاجمة القواعد التابعة للقوات المشتركة (الفلسطينية - اللبنانية) وبعض المنازل في أرنون الضيعة والطريق التي تربطها مع كفرتبنيت، فيما انطلقت المجموعة الثانية عبر جسر الخردلي ومن هناك إلى الحي الشرقي من بلدة كفرتبنيت فحرج النبي علي الطاهر شرق النبطية...".
معركة الشقيف 1982
خلال السابع من نوفمبر/ تشرين الثاني 1980 تعرضت القلعة لغارات جوية. ثم ما بين يوليو/ تموز 1981 والخامس من يونيو/ حزيران 1982 ومع بدء الاجتياح الإسرائيلي للبنان وصولاً إلى العاصمة بيروت بعد أيام عدة، أغارت الطائرات الإسرائيلية على قلعة الشقيف، وفي اليوم التالي السادس من يونيو نفذ الإسرائيليون إنزالاً ثم احتلالاً لها بعد معركة عرفت بـ"معركة الشقيف" وصفت بالشرسة من قبل القوات الإسرائيلية المتوغلة براً وجواً نحو القلعة وبين من كان يسيطر عليها من المقاتلين الفلسطينيين واللبنانيين. وبعدها بأقل من شهر قدمها رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك مناحيم بيغن هدية إلى قائد "جيش لبنان الجنوبي" سعد حداد "تقديراً لخدماته التي أسداها للقوات ألإسرائيلية المحتلة".
تعتبر "معركة الشقيف" من أشهر معارك المواجهات المباشرة بين قوات إسرائيلية كبيرة تساندها الطوافات والطائرات الحربية وبين قوات منظمة التحرير الفلسطينية، وتحديداً "الكتيبة الطلابية" التي ترتبط بحركة "فتح" ومن تنظيمات فلسطينية أخرى، وجرت رحاها في قلب قلعة الشقيف وحولها واستمرت 72 ساعة متواصلة قتل خلالها عدد لافت من الجنود المهاجمين فيما قضى معظم أفراد القوة الفلسطينية المتصدية وعددهم 33 مقاتلاً.
وفي صباح الإثنين السابع من يونيو 1982، حطت مروحية عسكرية فوق قلعة الشقيف كانت تقل رئيس أركان الجيش الإسرائيلي في حينه رفائيل إيتان، وسرعان ما تبعه وزير الدفاع أريئيل شارون. وما لبث أن وصل رئيس الوزراء مناحيم بيغن هو الآخر إلى القلعة.
بعد الانسحاب الإسرائيلي من منطقة النبطية، في أبريل 1985، جعل الإسرائيليون لهم فيها أهم النقاط العسكرية والاستراتيجية، حتى باتت من أهم المواقع العسكرية الإسرائيلية في الجنوب. وخلال الـ24 من مايو/ أيار عام 2000 غادرها الإسرائيليون، بعد تفجيرات ليلية لمواقعه ودشمه المنتشرة في محيطها، ما خلف فيها أضراراً إضافية.
القلعة ضمن لائحة الأماكن التراثية
ترى سفيرة اليونيسكو للنوايا الحسنة، ورئيسة "الجمعية الدولية لإنقاذ صور" (AIST) الدكتورة مها الخليل شلبي أن "قلعة الشقيف اليوم بعين الخطر الشديد، فالإسرائيليون بحروبهم وتعرضهم لها لم يتركوا فيها حجراً فوق حجر، في الحربين الأخيرتين 2024 و2026 وقبلها بحروبهم العديدة، مع العلم أن القلعة ترد في لائحة الأماكن التراثية المشمولة بحماية مشددة وعليها إشارة اليونيسكو للتراث العالمي.
وتقول "مع الأسف الشديد يتعامل الإسرائيليون مع القلعة حتى اليوم بهمجية مطلقة لا تحترم أي ميثاق دولي، ويضربون بعرض الحائط جميع الاتفاقيات التي سبق لهم أن وقعوا عليها، وعليه يجب طردهم من عضوية الأمم المتحدة إذ من المعيب أن تبقى دولة مثل إسرائيل في هذه الأمم المتحدة وهي تخالف جميع مواثيقها".
نقطة متقدمة لمراقبة التحركات
رداً على سؤال لماذا تتجه إسرائيل اليوم نحو قلعة الشقيف على رغم أن الخطاب الأول للحرب كان يتحدث عن "منطقة عازلة" وبلوغ الليطاني؟ يجيب العميد الركن المتقاعد في الجيش اللبناني منير شحادة، وهو المنسق السابق للحكومة اللبنانية لدى "اليونيفيل"، بالقول إن "هناك ثلاثة تفسيرات متداخلة تبدو أكثر منطقية، منها الشق "العسكري – العملياتي"، فقلعة الشقيف ليست مجرد موقع رمزي، بل هي مرتفع حاكم يشرف على وادي السلوقي وأجزاء واسعة من جنوب لبنان، ويمنح قدرة أفضل على الرصد وتوجيه النيران والمراقبة الإلكترونية. لذلك فإن السيطرة عليها تمنح الجيش الإسرائيلي نقطة متقدمة لمراقبة التحركات بين مناطق مرجعيون والنبطية والليطاني".
ويضيف العميد شحادة في الشق "النفسي – الرمزي" نحن نعلم أن في الذاكرة العسكرية الإسرائيلية، الشقيف تحمل رمزية كبيرة منذ اجتياح عام 1982، ثم مرحلة الاحتلال وصولاً إلى الانسحاب عام 2000ـ لهذا السبب يرى عدد من المحللين الإسرائيليين أن إعادة رفع العلم الإسرائيلي فوق القلعة يحمل بعداً دعائياً ونفسياً بقدر ما يحمل بعداً عسكرياً، بخاصة بعد الانتقادات الداخلية التي واجهتها القيادة الإسرائيلية بسبب طول أمد المعارك وعدم تحقيق حسم واضح ضد بنية "حزب الله".
ويتحدث العميد شحادة عن "الشق المرتبط بالفشل الميداني النسبي، فلو كانت الأهداف المعلنة الأولى قد تحققت بالكامل، لما احتاجت إسرائيل إلى البحث عن ‘صورة نصر‘ جديدة، على حد قوله، وهو ما دفع القيادة الإسرائيلية إلى البحث عن إنجازات ميدانية ذات قيمة إعلامية ومعنوية.
ويضيف "نعم، من المرجح أن الشقيف كانت ضمن الحسابات الإسرائيلية منذ البداية بسبب أهميتها الجغرافية، لكن توقيت التركيز عليها الآن يوحي أيضاً بوجود حاجة إلى تسجيل إنجاز ميداني ورمزي".
ونسأله "هل سنشهد تصعيداً أكبر للسيطرة على الشقيف؟ وهل تكفي القلعة وحدها أم قد يمتد التقدم نحو الريحان؟ يؤكد العميد شحادة أنه "بالمنطق العسكري، السيطرة على مرتفع واحد لا تكفي عادة لتأمين قوة متوغلة، فالجيش الذي يتمركز على الشقيف يبقى بحاجة إلى حماية خطوط الإمداد، والسيطرة النارية على التلال المحيطة، ما يعني على الأرض منع أي التفاف أو تسلل من المرتفعات الأعلى.
ومن هنا تأتي أهمية منطقة الريحان والمرتفعات المحيطة التي تتفوق في بعض النقاط على الشقيف من حيث الارتفاع والإشراف الجغرافي. لكن في المقابل هناك عامل مهم فكلما توسع التوغل الإسرائيلي شمالاً، ازدادت مساحة الانتشار المطلوبة، والحاجة إلى قوات إضافية، وقابلية التعرض لكمائن وصواريخ ومسيرات وهجمات استنزاف.
عبء استنزافي طويل
ويوضح العميد شحادة "هذه بالضبط المشكلة التي واجهتها إسرائيل تاريخياً في جنوب لبنان بين 1982 و2000 تاريخ الانسحاب، عندما تحولت السيطرة على التلال والمواقع العسكرية إلى عبء استنزافي طويل الأمد. لذلك أرى أن السيناريو الأكثر ترجيحاً ليس احتلالاً واسعاً وسريعاً للريحان، بل محاولة إقامة شبكة من المواقع النارية والاستطلاعية حول الشقيف ووادي السلوقي مع استخدام كثيف للطيران والمدفعية لتقليل الحاجة إلى انتشار بري واسع.
وعن فرضية وجود نية إسرائيلية للتقدم نحو النبطية أم الاكتفاء بالسيطرة العسكرية من الشقيف والغارات الجوية، يرى العميد شحادة أن "هذا هو السؤال الأهم. التقارير الأخيرة تتحدث عن اقتراب القوات الإسرائيلية من محيط النبطية ومحاولة خلق ضغط عسكري على المنطقة، بل إن بعض التحليلات تتحدث عن محاولة تطويقها أو جعلها تحت تهديد مباشر. لكن بين الوصول إلى مشارف النبطية واحتلال النبطية نفسها يوجد فرق هائل. فالنبطية ليست تلة معزولة. ولا موقعاً عسكرياً منفرداً. ولا منطقة حدودية فارغة. بل هي مركز سكاني واقتصادي وسياسي كبير في الجنوب. وأي محاولة لاحتلالها فعلياً تعني توسيعاً ضخماً للحرب، احتكاكاً مباشراً داخل بيئة عمرانية كثيفة، ارتفاعاً كبيراً في الخسائر البشرية، وضغطاً دولياً أكبر على إسرائيل".
ويتابع "لهذا السبب يبدو أن الاحتمال الأقرب حالياً هو أن إسرائيل تريد إخضاع النبطية بالنار أكثر مما تريد احتلالها بالمشاة".
(اندبندنت عربية)