بعد كأس عالم حافلة بالألوان والإثارة، لن تبقى المباراة النهائية بين إسبانيا والأرجنتين عالقة في الذاكرة طويلاً.
وتوجت إسبانيا بلقب كأس العالم للمرة الثانية في تاريخها بعدما منحها هدف فيران توريس في الوقت الإضافي النجمة الثانية، فيما لم تقدم الأرجنتين شيئاً يذكر، إذ بدا أن ليونيل ميسي وحامل اللقب قد وصلا أخيراً إلى نهاية المشوار.
أسلوب الفريقين
تعشق إسبانيا الاستحواذ على الكرة وتسعى إلى فرض سيطرتها على المباراة عبر التمريرات الدقيقة والمتقنة، على رغم أن البعض يصف هذا الأسلوب بأنه "ممل".
أما الأرجنتين فتميل إلى ارتكاب الأخطاء وإهدار الوقت وإفساد إيقاع اللعب، مع الاستعداد لفعل كل ما يلزم لتحقيق الفوز، إلى أن يتدخل أحد نجومها، وغالباً ما يكون أعظم لاعب في التاريخ ليونيل ميسي، لصنع الفارق، على رغم أن هناك من يعد هذا الأسلوب "قذراً".
وعند تم جمع "الممل" مع "القذر"، على حد تعبيرين استخدما في أماكن أخرى، فإن النتيجة ليست مزيجاً مثالياً. ويضاف إلى ذلك أن الفريقين كانا يخوضان مباراتهما الثامنة في بطولة مرهقة، بينما بدت علامات الإرهاق أكثر وضوحاً على الأرجنتين بعد سلسلة من الريمونتادات (العودة في النتيجة) في الأدوار الإقصائية.
ولم يساعد ذلك المباراة النهائية، إذ لجأت الأرجنتين إلى ارتكاب مزيد من الأخطاء، مما أسفر عن طرد إنزو فيرنانديز قبل انطلاق الوقت الإضافي بقليل. ولم يسدد المنتخب الأرجنتيني أي كرة طوال المباراة قبل أن يفتتح فيران توريس التسجيل لإسبانيا، بعدما قدم الفريق القليل جداً من المتعة حتى أصبح الوقت متأخراً للغاية.
وحين حضرت الأرجنتين أخيراً إلى أجواء المباراة، انتهت مشاركتها في البطولة بصورة مخزية، بعدما طرد لياندرو باريديس عقب صافرة النهاية إثر اعتدائه على إريك غارسيا وغافي من منتخب إسبانيا. والاشتباكات التي أعقبت المباراة لم تكن لتنقذ نهائياً بهذا السوء.
التوقفات التنظيمية وعرض ما بين الشوطين
انطلقت المباراة النهائية بعد ست دقائق من موعدها بسبب كلمة غريبة ألقاها توم كروز، وهو أمر لم يكن جيداً، لكنه يبدو هامشياً مقارنة بالتأخير الذي بلغ 27 دقيقة بين نهاية الشوط الأول وبداية الثاني.
وكان الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) قد أبلغ المنتخبين قبل المباراة النهائية بأن عرض ما بين الشوطين سيستغرق نحو 20 دقيقة، لكن التأخير الفعلي كان أطول بكثير، مما يعني أن (فيفا) تجاوز لوائحه بنفسه. وتنص قوانين اللعبة على ألا "تتجاوز استراحة ما بين الشوطين 15 دقيقة".
وخلال ظهوره على هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي"، عبّر قائد منتخب إنجلترا السابق واين روني عما ربما كان رأي الجميع، حين وصف عرض ما بين الشوطين بأنه "سيئ".
لكن إسبانيا قدمت بعد الاستراحة إحدى أفضل فتراتها في المباراة، وصنعت عدداً من الفرص والمواقف الخطرة. غير أن المباراة تعرضت لتوقف جديد بسبب الاستراحة الثانية لشرب المياه.
وربما اعتدنا على هذه التوقفات التي استمرت ثلاث دقائق طوال البطولة، لكنها لا تساعد المباريات التي تحتاج بشدة إلى إيقاع وانسيابية. ولن يفتقدها أحد.
أرضية ملعب جافة وغير مستوية
أثيرت المخاوف في شأن حالة أرضية ملعب "نيويورك نيوجيرسي" قبل أسابيع، وقال نجم البرازيل فينيسيوس جونيور عقب التعادل (1-1) مع المغرب "بسبب الطقس والحرارة، يجف العشب بسرعة، فتصبح المباراة بطيئة للغاية". هل يبدو ذلك مألوفاً؟
وعبر قناة "آي تي في" قاد إيان رايت حملة الانتقادات لأرضية ملعب النهائي بعد انتهاء الشوط الأول بالتعادل السلبي، واصفاً إياها بأنها "سخيفة وسيئة ورديئة"، إلى جانب كونها "غير مستوية وجافة"، وهي ظروف بعيدة كل البعد عن المثالية لكرة هجومية سلسة ومهارات فردية انسيابية.
الطقس وموعد إقامة المباراة
لا شك أن إقامة المباراة في الساعة الثالثة بعد الظهر بتوقيت الساحل الشرقي الأميركي في نيوجيرسي (الثامنة مساءً بتوقيت بريطانيا) جاء مراعاة لسوق البث التلفزيوني الأوروبية، إلى جانب الجماهير المحلية وجماهير أميركا الجنوبية.
لكن إقامة اللقاء في ذروة فترة الظهيرة، وهي الأكثر حرارة خلال اليوم (27 درجة مئوية)، لم تكن في مصلحة اللاعبين أيضاً.
ويعد ملعب "نيويورك نيوجيرسي" منشأة مفتوحة ضخمة تتعرض مباشرة للعوامل الجوية، على عكس ملعبي نصف النهائي في "مرسيدس بنز" بمدينة أتلانتا وملعب دالاس في تكساس، اللذين يتميزان بسقف متحرك عملاق ويستفيدان من أنظمة التكييف.
طبيعة النهائيات الكبرى في كأس العالم
صحيح أن هذه المباراة لم تكن في مستوى نهائي كأس العالم 2022 بين الأرجنتين وفرنسا. لكن السبب الذي يجعل ذلك اللقاء يعد أعظم مباراة في تاريخ كرة القدم هو أنه جاء ضمن القيود الخانقة التي تفرضها عادة أكبر بطولة رياضية في العالم.
فعندما تكون الرهانات بهذا الحجم، والضغوط هائلة، والفارق بين الخلود والهزيمة ضئيلاً للغاية، نادراً ما تكون النتيجة مباراة مثيرة. وفوز إنجلترا على فرنسا (6 - 4) في مباراة تحديد المركز الثالث مساء أول من أمس السبت لم يكن ليجري بهذه الطريقة لو كان نهائياً.
لذلك فإن بطولة كأس عالم مثيرة لا تعني بالضرورة نهائياً بالمستوى نفسه. وفي الواقع، كان هذا نهائياً نموذجياً لكأس العالم، لينضم إلى سلسلة النهائيات المتقاربة مثل فوز ألمانيا على الأرجنتين (1 - 0) في الوقت الإضافي في 2014، وإسبانيا على هولندا (1 - 0) في الوقت الإضافي في 2010، وتعادل البرازيل وإيطاليا سلباً قبل أن تحسم البرازيل اللقب بركلات الترجيح (3 - 2) في 1994.
(The Independent)