3 أغسطس 2026
2 أغسطس 2026
يمن فريدم-اندبندنت عربية


يشهد قطاع الفضاء التجاري في الصين نمواً متسارعاً يثير مخاوف متزايدة في الولايات المتحدة، فقد حذر تقرير صادر عن "مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية"، من أن التوسع الهائل في هذا القطاع لا يقتصر على الأبعاد الاقتصادية، بل يحمل تداعيات عسكرية وإستراتيجية، قد تعيد رسم موازين القوة في الفضاء خلال الأعوام المقبلة.

وقال التقرير إن صناعة الفضاء التجارية في الصين تنمو بوتيرة مذهلة، مشيراً إلى أن واشنطن تركز بصورة كبيرة على البرامج الفضائية العسكرية الصينية، وخطط بكين المتعلقة بالقمر، بينما لا تولي الاهتمام الكافي للطفرة التي يشهدها القطاع التجاري، على رغم ارتباطه الوثيق بالمؤسسة العسكرية الصينية.

وأوضحت المسؤولة السابقة في وزارة الدفاع الأمريكية (بنتاغون) والمشرفة على إعداد التقرير، كاري بينغن، لصحيفة "فايننشال تايمز"، أن "الولايات المتحدة تركز على التهديدات الفضائية لـ 'جيش التحرير الشعبي الصيني' وخططه القمرية، لكنها لا تتابع بالقدر الكافي التطورات التجارية في قطاع الفضاء الصيني، والتي تتحرك بسرعة وحجم مذهلين".

قفزة كبيرة بعد فتح القطاع أمام الاستثمار الخاص

وشهد القطاع تحولاً جذرياً منذ عام 2014، عندما سمحت الحكومة الصينية للمرة الأولى باستثمارات القطاع الخاص في صناعة الفضاء، ومنذ ذلك الحين ارتفع عدد الشركات العاملة في مجالات إطلاق الصواريخ، وتصنيع الأقمار الاصطناعية، والاتصالات الفضائية، من بضع عشرات إلى نحو 600 شركة، وفق التقرير، وتعمل الصين على إنشاء مدن صناعية متخصصة في الصناعات الجوية والفضائية، إضافة إلى توسيع شبكة مواقع إطلاق الصواريخ في مختلف أنحاء البلاد، في وقت ظهرت أكثر من 10 شركات ناشئة تنافس صواريخ "لونغ مارش" الحكومية التي احتكرت عمليات الإطلاق لعقود.

وعلى رغم أن كثيراً من هذه الشركات تُصنف على أنها تجارية، فإن التقرير يشير إلى أنها ترتبط بعلاقات وثيقة مع الدولة الصينية، وتسهم في بناء منظومة فضائية تخدم أيضاً "جيش التحرير الشعبي".

منافسة مباشرة لـ "ستارلينك"

ومن أبرز المشاريع التي تناولها التقرير خطط شركتي "غووانغ" و"ثاوزند سايلز" لإطلاق أكثر من 10 آلاف قمر اصطناعي لكل منهما، في خطوة تضعهما في منافسة مباشرة مع شبكة "ستارلينك" التابعة لشركة "سبيس إكس" الأميركية، وتأتي هذه الخطط ضمن إستراتيجية صينية أوسع لتطوير شبكات إنترنت فضائي في المدار الأرضي المنخفض، يمكن استخدامها لأغراض مدنية وعسكرية في الوقت نفسه.

في موازاة ذلك، تبني الصين مصانع ضخمة ومؤتمتة بالكامل لإنتاج الأقمار الاصطناعية، فيما تشير التقديرات إلى أن قدرتها الإنتاجية السنوية تراوح ما بين 4100 و5000 قمر اصطناعي، مقارنة بنحو 500 وحسب قبل ثلاثة أعوام.

وترى بينغن أن بكين تعمل على بناء منظومة فضائية تجارية متكاملة من خلال دعم الشركات الناشئة، وجذب المستثمرين، والتوسع الصناعي واسع النطاق، وهو ما سيعود بالنفع على الاقتصاد الصيني والقدرات العسكرية في آن.

إستراتيجية شبيهة بصناعة السيارات الكهربائية

ويشير التقرير إلى أن الصين تعتمد في قطاع الفضاء التجاري النهج الصناعي نفسه الذي استخدمته سابقاً لتحقيق الهيمنة في صناعات مثل السيارات الكهربائية، يقوم على المزج بين التوجيه الحكومي المركزي، والمنافسة بين الحكومات المحلية، والدعم المالي الحكومي، والانفتاح الانتقائي على السوق، بهدف تسريع الابتكار وتعزيز الحصة الصينية في الأسواق العالمية، محذراً من أن أهمية قطاع الفضاء لم تعد تقتصر على إطلاق الصواريخ أو تصنيع الأقمار الاصطناعية، بل أصبحت الأنظمة الفضائية تشكل جزءاً أساساً من البنية التحتية التي تعتمد عليها الاتصالات العالمية، والوصول إلى المعلومات، والاقتصاد الرقمي، والأمن القومي، مضيفاً أن الدول التي تنجح في تشكيل هذه المنظومة الفضائية ستكون صاحبة النفوذ الأكبر في البيئة الإستراتيجية العالمية مستقبلاً.

"طريق حرير فضائي"

ويشير التقرير إلى أن الصين لا تكتفي ببناء قدراتها المحلية، بل تعمل أيضاً على توسيع نفوذها الدولي عبر دمج الخدمات الفضائية ضمن مبادرة "الحزام والطريق"، فيما بات يعرف بـ "طريق الحرير الفضائي"، والذي يشمل توفير خدمات الاتصالات عبر الأقمار الاصطناعية، والاستشعار عن بعد، وأنظمة الملاحة، إضافة إلى التمويل والتدريب والدعم التشغيلي للدول الشريكة.

وفي هذا السياق، ووفقاً لـ "فايننشال تايمز"، وقّعت شركة "ثاوزند سايلز" اتفاقات مع البرازيل وماليزيا لتوسيع خدمات الإنترنت في المناطق الريفية، وتجري محادثات مع أكثر من 30 دولة، ولا سيما في الأسواق التي واجهت فيها خدمات "ستارلينك" صعوبات، أما شركة "غالاكسي سبيس"، فقد أنشأت مركزاً إقليمياً في تايلاند، وأبرمت اتفاقات مع أكثر من 10 دول لتوسيع خدماتها الفضائية.

ويرى التقرير أن إدماج الشبكات الفضائية الصينية في البنية الرقمية للدول الشريكة يضع الأساس لبناء بنية إنترنت موازية، تعمل بصورة متزايدة خارج المنصات والمعايير الغربية.

مخاوف أمريكية من فقدان التفوق

وعلى رغم أن التقرير يقرّ بأن الصين لا تزال متأخرة عن الولايات المتحدة في مجال إطلاق الصواريخ التجارية، فإنه يحذر من أن الفجوة قد تتقلص سريعاً، موضحاً أن نجاح الشركات الصينية في تطوير صواريخ متوسطة وثقيلة قابلة لإعادة الاستخدام، تضاهي صاروخ "فالكون-9" التابع لشركة "سبيس إكس"، سيمنحها القدرة على الاستفادة من قاعدة التصنيع الضخمة في الصين، وانخفاض كلفة الإنتاج، وهو ما قد يؤدي إلى زيادة كبيرة في وتيرة عمليات الإطلاق، وتقويض القدرة التنافسية للشركات الأمريكية عالمياً.

وتساءلت بينغن عما إذا كانت طموحات الصين الفضائية ستسلك المسار نفسه الذي اتبعته صناعة السيارات الكهربائية، التي واجهت صعوبات في بدايتها، قبل أن تصبح قوة مهيمنة عالمياً، أم أنها ستواجه مصيراً مشابهاً لأزمة قطاع العقارات الصيني، الذي شهد استثمارات ضخمة انتهى جزء كبير منها إلى مشاريع غير مستغلة.

وتخلص الدراسة إلى أن الطريقة التي ستتطور بها صناعة الفضاء التجارية الصينية، ستكون عاملاً حاسماً في تحديد شكل المنافسة التكنولوجية والجيوسياسية بين بكين وواشنطن، خلال العقود المقبلة.

الفيس بوك
تويتر

جميع الحقوق محفوظة YemenFreedom ---- تصميم وبرمجة ALRAJIHI