17 يناير 2026
15 يناير 2026
يمن فريدم-داريوش معمار


في وقت يستمر فيه انقطاع الكامل للإنترنت في إيران تشير التقارير إلى تسجيل ما يقارب من 570 تجمعاً احتجاجياً في 31 محافظة في البلاد مما يعكس اتساعاً غير مسبوق لموجة من الاحتجاجات والقمع وقتل المحتجين التي بدأت قبل أسبوعين.

بدأت هذه الاحتجاجات في البداية بإضراب سوق طهران رداً على ارتفاع سعر العملة وعدم الاستقرار الشديد في الأسعار، لكنها لاحقاً وبعد دعوة نجل شاه إيران السابق، رضا بهلوي، أدت إلى خروج واسع للمواطنين المحتجين في شوارع مدن إيرانية مختلفة.

وعلى رغم الانقطاع الشامل للإنترنت منذ الخميس فإن مقاطع فيديو محدودة أرسلت إلى خارج البلاد باستخدام الإنترنت الفضائي "ستارلينك" تظهر أنه حتى مساء الإثنين 12 يناير/ كانون الثاني الجاري، خرج عدة ملايين من المواطنين الإيرانيين في مناطق مختلفة من البلاد إلى الشوارع احتجاجًا على الوضع القائم.

وتظهر هذه الصور القادمة من مدن إيرانية كبيرة وصغيرة استمرار الاحتجاجات واتساع رقعتها رغم القيود الشديدة على الاتصالات إلى جانب القتل الوحشي للمواطنين عبر إطلاق مباشر للرصاص الحي من قبل أجهزة القمع وعناصر الشرطة والأمن و"الباسيج".

في هذه المقاطع يهتف المحتجون بشعارات مثل "الموت لخامنئي"... معبرين بصورة واضحة عن رفضهم بنية السلطة الحاكمة كما يعد قرع الأواني والتجمعات الليلية والتحركات الاحتجاجية المتفرقة في الأحياء المختلفة من الأنماط المشتركة التي لوحظت في مدن عدة.

تغير طبيعة الاحتجاجات من مطالب اقتصادية إلى مطالب سياسية

استناداً إلى الصور والروايات المنشورة خرجت الاحتجاجات بسرعة من إطار المطالب الاقتصادية وتحولت إلى حركة ذات مطالب سياسية واضحة، إذ أعلن محتجون في مدن مختلفة دعمهم العلني لأسرة بهلوي وطالبوا بإسقاط فوري لحكم "الجمهورية الإسلامية"، وهو تحول يعده المراقبون نقطة مفصلية في مسار الاحتجاجات الأخيرة.

ويعد هذا التحول مؤشراً إلى فجوة عميقة بين شريحة كبيرة من المجتمع والبنية السياسية الحاكمة وهي فجوة لم تعد تقتصر على قضايا مثل سعر العملة أو التضخم أو المعيشة بل تستهدف مباشرة شرعية النظام السياسي كما يدل الانتشار الجغرافي الواسع للاحتجاجات، وتكرار الشعارات ذاتها في مناطق مختلفة من البلاد على تناغم وتوافق مطالب المحتجين.

في المقابل لا تزال ردود فعل مسؤولي النظام الإيراني قائمة على نهج أمني تصادمي إذ وصف المدعي العام للبلاد الجمعة الماضي وبعد ساعات من خطاب المرشد علي خامنئي، المحتجين بعبارات مثل "مثيري الشغب"، و"المخربين"، و"المعادين"، و"المحاربين" مما يدل على استعداد السلطة لتصعيد المواجهة.

الفجوة بين الروايات الميدانية والمواقف الرسمية

خلال أيام الخميس والجمعة والسبت الماضية، كشفت روايات مواطنين تمكنوا من التواصل مع الخارج عبر الإنترنت الفضائي، إلى جانب مقاطع الفيديو المحدودة المنشورة، عن غضب واسع لدى المحتجين ورد فعل عنيف من قبل قوات الأمن، وقد تكررت الإشارة في هذه التقارير إلى إطلاق مباشر للرصاص الحي واستخدام قناصة ومشاهدة جثث عدد كبير من المواطنين القتلى.

ومع ذلك عزت القيادات العليا في النظام، وعلى رغم إقرارها الضمني باتساع عدد القتلى، مسؤولية إطلاق النار المباشر على المواطنين إلى عوامل خارجية وإرهابية ولم تعترف بدور القوات الحكومية في هذه الأحداث.

كما وصف رئيس منظمة الطب الشرعي في البلاد بمقابلة تلفزيونية عدد المصابين بأنه غير قابل للمقارنة مع الاحتجاجات السابقة.

وأعلنت القيادة العامة لقوى الأمن الداخلي مع تأكيد التنسيق بين القوات الأمنية والشرطية عن اعتقالات واسعة في صفوف المحتجين وحاول أحمد رضا رادان، القائد العام لقوى الأمن الداخلي، باستخدام مصطلح "صناعة القتلى" نسب تقارير القمع وقتل المحتجين إلى تيارات أجنبية، وهو ادعاء لا يتطابق مع الصور والروايات المنشورة من ساحات الاحتجاج.

وعدَّ علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، من دون الإشارة إلى دور القوات الحكومية في قمع المحتجين، أن مقتل عدد من المواطنين ناتج من سلوك عنيف وإجرامي لعناصر العدو. وجاءت هذه التصريحات في وقت أكدت فيه وسائل إعلام دولية ومنظمات حقوق إنسان، بعد مراجعة شهادات الشهود والأدلة المتاحة، قيام قوات الأمن بإطلاق الرصاص الحي على المحتجين ووصفت عدد القتلى بأنه مرتفع جداً.

التهديد الإعلامي والاعتراف القسري ومحاولات احتواء الأزمة

من المحاور الأخرى التي تحظى باهتمام المراقبين في الداخل والخارج، دور الإعلام الرسمي في التعامل مع الاحتجاجات، فقد حاولت "هيئة الإذاعة والتلفزيون" التابعة للنظام في الأيام الأخيرة، من خلال حصر نقل الأخبار بها وببعض وكالات الأنباء القريبة من "الحرس الثوري" مثل "تسنيم" و"فارس" و"مهر"، تقديم صورة مضبوطة وطبيعية عن أوضاع البلاد.

في الوقت نفسه دعا مقدمو بعض البرامج التلفزيونية وبلهجة تهديدية ومهينة للمحتجين، العائلات إلى منع أبنائها من المشاركة في الاحتجاجات وحذروا من أنه في حال إصابة أو مقتل المحتجين فلن يكون لهم حق الشكوى وهو موقف واجه انتقادات من نشطاء حقوق الإنسان.

تزامناً يحاول الجهاز الدعائي للنظام من خلال حشد أنصار النظام وتنظيم مسيرات رسمية فرض مستوى آخر من السيطرة الميدانية والنفسية على المجتمع، ويعد بث مقاطع اعترافات قسرية للمعتقلين وتشكيل ملفات قضائية فورية من بين الإجراءات التي يرى نشطاء حقوق الإنسان أنها تهدف إلى ترهيب المجتمع ومنع استمرار الاحتجاجات.

وفي ظل انقطاع الإنترنت الذي جعل توثيق انتهاكات حقوق الإنسان ونقل المعلومات أمراً بالغ الصعوبة، يحاول نشطاء مدنيون وحقوقيون داخل إيران وخارجها إيجاد مسارات بديلة للتواصل، وقد دعوا المواطنين ووسائل الإعلام الدولية إلى مواصلة التغطية الإخبارية للوضع في إيران.

وبحسب المحتجين والنشطاء السياسيين فإن الأدلة المتوافرة تظهر استخدامًا واسعاً للرصاص الحي ضد المواطنين من قبل قوات الأمن وهو أمر يرون أن على العالم أن يدركه بوضوح. وفي مثل هذه الظروف لم يعد انقطاع الإنترنت مجرد عائق أمام نقل المعلومات بل تحول إلى أداة لإخفاء الحجم الحقيقي للقمع والاحتجاجات.

نقلاً عن اندبندنت فارسية
 

الفيس بوك
تويتر

جميع الحقوق محفوظة YemenFreedom ---- تصميم وبرمجة ALRAJIHI