9 أغسطس 2026
9 أغسطس 2026
يمن فريدم-الشرق الأوسط


تحت المزيد من تشديد القيود والرقابة الأمنية الصارمة، لم يستطع سكان العاصمة اليمنية صنعاء والمناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية التعبير عن حالة الغضب التي عاشوها عقب الهجمات بالصواريخ الباليستية والطيران المسيَّر على المواقع العسكرية ومخيمات إيواء مئات الآلاف من النازحين المدنيين في محافظتي مأرب وحضرموت شرق البلاد.

وفي ظل المخاوف من العودة إلى مربع الحرب الشاملة، عقب التصعيد الحوثي الأخير داخلياً باستهداف الجيش والمدنيين، وخارجياً بالاعتداء على الملاحة الدولية في البحر الأحمر، تشهد مناطق سيطرة الجماعة انقساماً حاداً بين أغلبية صامتة مرعوبة من الكلفة الإنسانية والاقتصادية للتصعيد، وتيار محدود موالٍ يحتفي بالعمليات العسكرية العدائية، وسط روايات حوثية تنكر استهداف الأعيان المدنية.

وأفاد سكان في صنعاء بسماع دوي انفجارات عنيفة هزت أطراف العاصمة على مدار الأيام والليالي الماضية، ومشاهدة وميض نيران هائلة في الأجواء، ناتجة عن إطلاق صواريخ باليستية من معسكرات ومواقع تقع بالقرب من الأحياء السكنية المكتظة، مما أثار حالة من الذعر.

يقول محمد، وهو موظف عمومي سابق، ويعمل حالياً في مهن مختلفة بالأجر اليومي إن كل دوي انفجار أو عملية إطلاق صاروخ من مكان قريب، يدفعه إلى جمع عائلته المكونة من ستة أفراد قرب باب المنزل القريب من أحد المعسكرات، استعداداً للهرب.

وتحدث لـ«الشرق الأوسط» عن محاولاته المستمرة منذ بدء القصف الأميركي قبل قرابة عامين ونصف، البحث عن منزل آخر بعيداً عن المعسكرات ومواقع ومقار الجماعة، إلا أنه فشل في العثور على مسكن بإيجار يستطيع تحمله في ظل انقطاع راتبه وعدم مقدرته الحصول على مصدر دخل ثابت منذ سنوات.

وتمتزج مشاعر سكان العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء بين الرغبة في نهاية الحرب وسقوط الهيمنة الحوثية ما يسرع بعودتهم إلى حياتهم الطبيعية، وبين مخاوفهم من أن ذلك لن يتحقق إلا باحتدام المواجهات والتصعيد العسكري الذي سيتسبب لهم بالمزيد من المعاناة المعيشية، خصوصاً في ظل ممارسات الجماعة التي يقولون إنها تتخذ منهم دروعاً بشرية.

بوادر حرب شاملة

أحدثت الأنباء الواردة من مأرب وحضرموت صدمة مكتومة بين الأوساط المستقلة والحقوقية بشأن الكلفة الإنسانية للهجمات الحوثية، والتي طالت إلى جانب المعسكرات أحياءً سكنية ومخيمات للنازحين في محافظة مأرب، مما أسفر في حصيلة أولية أكدتها وزارة الصحة في الحكومة اليمنية عن مقتل مدنيين اثنين وإصابة 14 آخرين بجروح متفاوتة، بينهم نساء وأطفال.

وبرغم القيود المفروضة على حرية التعبير، شهدت منصات التواصل الاجتماعي تعليقات حذرة لمواطنين عبروا عن استنكارهم لملاحقة عائلات فرّت أساساً من مناطق سيطرة الجماعة خوفاً من ممارساتها، لتعيش داخل الخيام في أوضاع معيشية معقدة.

وعدّ سكان في مناطق سيطرة الجماعة قصف الخيام تجاوزاً خطيراً للقيم الإنسانية وقواعد الاشتباك والأعراف القبلية واليمنية الأصيلة التي تُحرّم المساس بالمدنيين والضعفاء في ملاجئهم.

كما أبدى الكثير من الناشطين في مناطق سيطرة الحوثيين غضبهم لمقتل وإصابة أكثر من خمسين من المنتمين للجيش اليمني في معسكراتهم بهجمات صاروخية وبطائرات مسيَّرة، ورأوا في تلك العمليات تعبيراً واضحاً عن نهج الجماعة التي تعتاش على الحروب، حسب وصف العديد منهم.

ويرى مدرس في جامعة صنعاء أن على الحكومة الشرعية عدم الاكتفاء بالرد المحدود على التصعيد الحوثي، إذ تهدف الجماعة إلى استنزاف الجيش مادياً ومعنوياً بمثل هذه العمليات التي تنفذها بين الحين والآخر.

ونوه الأكاديمي بأن الجماعة تستطيع استغلال نتائج هجماتها إعلامياً ودعائياً، برغم أن خسائرها من المقاتلين أكبر، وهو ما يظهر في إعلانات تشييعهم عبر وسائل الإعلام، ومن خلال تعليق صورهم على الجدران والسيارات.

وتسببت الضربات الحوثية المتزامنة على الجيش اليمني في مقتل وجرح العشرات من العسكريين الذين تم نقلهم إلى مستشفيات مأرب وسيئون، وهي الحصيلة الأضخم التي تسجلها جبهات القتال في اليمن منذ إعلان التهدئة النسبية المنبثقة عن هدنة عام 2022. ورافق الهجوم الجوي اشتباكات برية وتبادل للقصف المدفعي في جبهات "حريب"، "صرواح"، و"الكسارة" بمحافظة مأرب.

فرض الصمت

وفي حين يتبنى الإعلام الحوثي والناشطون الموالون للجماعة رواية مغايرة ترفض الاعتراف بالخسائر المدنية، استغلت الجماعة نتائج عملياتها الأخيرة للترويج لما تصفه بـ"معادلات الردع الجديدة" في سياق المواجهات الإقليمية.

وينفي ناشطو الجماعة استهداف المدنيين، مدعين أن الضربات وجهت بدقة نحو "تحشيدات عسكرية معادية مدعومة من الخارج" كما ورد في البيانات التي تبثها وسائل إعلامها والتي تتعمد وصف مخيمات النازحين والمناطق السكنية في مأرب، المستهدفة بالهجمات، بأنها "ثكنات وغطاء عسكري للطرف الآخر".

وشدّدت الأجهزة الأمنية التابعة للجماعة في صنعاء رقابتها الصارمة على النقاشات العامة في المقاهي والمجالس والشوارع.

وتذكر مصادر "الشرق الأوسط" في صنعاء أن السكان باتوا يتجنبون بشكل ملحوظ الحديث عن التطورات الأخيرة، أو إبداء مواقفهم من الهجمات بشكل علني؛ خشية التعرض للاعتقال بتهم "الخيانة" أو "التخابر".

وارتبطت كل مراحل التصعيد الحوثي والهجمات التي تتلقاها الجماعة، بتشديد إجراءات الرقابة والتجسس على السكان، إلى جانب اعتقال العشرات من مختلف الشرائح، مع التركيز على الناشطين وموظفي السفارات والمنظمات الدولية والأممية، واتهامهم بالتخابر.

ويؤكد مراقبون للشأن اليمني أن هذا التصعيد الأخير، الذي وصفه المبعوث الأممي بأنه يضع اليمن أمام "أكبر خطر لتجدد الحرب الشاملة"، يوضح الفجوة الآخذة في الاتساع بين الأولويات المعيشية للمواطن اليمني العادي في صنعاء، والذي يرزح تحت وطأة أزمة اقتصادية خانقة وانقطاع المرتبات، وبين الأجندة العسكرية للجماعة التي تسعى لتثبيت مكاسب ميدانية جديدة بصرف النظر عن الكلفة الإنسانية المترتبة عليها.

(وضاح الجليل)

الفيس بوك
تويتر

جميع الحقوق محفوظة YemenFreedom ---- تصميم وبرمجة ALRAJIHI