15 أغسطس 2026
15 أغسطس 2026
يمن فريدم-مجلة المجلة


مع اشتداد الضغط الأميركي على إيران بشأن مضيق هرمز، أطلقت ميليشيا الحوثيين الموالية لطهران خلال أسبوع واحد حتى مساء أمس الجمعة 40 صاروخاً باليستياً، و46 طائرة مسيّرة تم إسقاط معظمها، إضافة إلى الزوارق المفخخة التي جرى اعتراضها، وكلها استهدفت ميناء المخا، ومنشآت مدنية في محافظة تعز، تقدم خدمات أساسية للسكان على الساحل الغربي لليمن، وذلك بحسب ما أعلن عنه المتحدث باسم "قوات المقاومة الوطنية" اللواء الركن صادق دويد، مؤكداً أن هذا "يتجاوز ما أطلقته الميليشيات على إسرائيل طوال عام خلال الحرب على غزة".

هذا عدا عما أطلقته الميليشيات الحوثية من صواريخ باليستية وطائرات مسيرة، على محافظات حضرموت ومأرب والضالع، ألحقت بعض الخسائر البشرية والمادية، وإن لم تحقق أي إنجاز عسكري ميداني استراتيجي يُذكر، باستثناء جس نبض القوات الحكومية واختبار صبرها، كما يقول خبراء عسكريون.

الثابت في ضوء ذلك، هو أن جماعة الحوثيين تحاول بشكلٍ واضحٍ التأثير، من جهةٍ، على حركة الملاحة في جنوب البحر الأحمر، ومضيق باب المندب الذي لا يبعد عن مدينة المخا، بأكثر من أربعة أميال بحرية، ومن جهة أخرى الانتقام من "قوات المقاومة الوطنية" التي تمكنت، بحسب تقارير دولية، من إحباط عشرات المحاولات التي قام بها الحوثيون لتهريب السلاح، عن طريق هذه المنطقة، وحرمان الميليشيات من الاستفادة من هذا الممر الحيوي.

كما تأتي هذه الهجمات الحوثية الهستيرية على مدينة المخا ومينائها ومنشآتها المدنية على خلفيةٍ "ثأرية" بين الجماعة و"قوات المقاومة" التي يقودها عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق طارق محمد عبدالله صالح ابن أخ الرئيس اليمني الراحل علي عبدالله صالح الذي قتله الحوثيون بعد انفضاض تحالفه معهم في أوائل شهر ديسمبر/كانون الأول 2017.

لم تحقق هجمات الحوثيين أي إنجاز عسكري ميداني استراتيجي يُذكر باستثناء جس نبض القوات الحكومية واختبار صبرها

لم تبدأ المعركة في اليمن بعد، بين قوات الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، وميليشيات الحوثيين المدعومة من قبل إيران، والمصنفة على الكثير من لوائح الإرهاب العالمية، لكن ما يبدو أنه معطى جديدٌ في هذا النزاع هو أن طهران لم تستطع قراءة التغير الطارئ على المشهد جيداً، حيث انقلبت موازين القوى رأساً على عقب في كثيرٍ من جبهات القتال، في غير مصلحة إيران وميليشياتها الحوثية، خصوصاً على جبهتي مأرب والمخا في الساحل الغربي لليمن، حتى من قبل أن تبدأ المعركة بشكلها ومفهومها الشامل المحتمل المخطط له.

لم تع إيران المنقسمة على نفسها أن مصير ذراعها الحوثية في اليمن بات على المحك، حيث تبدلت معادلات القوة واختلفت قواعد الاشتباك، سيما بعد أن استفزّ الحوثي خصوم إيران في الداخل اليمني وخارجه، معتقداً أنه يمكن له أن يحارب العالم، وينتصر على الجميع بدعوى "رفع الحصار والعقوبات" التي يعلم هو وطهران أنها لم تكن لتتم لولا انقلابه على الإجماع الوطني، وإسقاط الدولة اليمنية، واجتياح عاصمتها والتسبب في إشعال حربٍ أهليةٍ لا هوادة فيها باستخدام الخبرة والقوة، اللتين وفرتهما له إيران و"حزب الله" اللبناني.

اليوم يبدو أن أغلب اليمنيين تجاوزوا خلافاتهم وانقساماتهم، وتوحدت بنادقهم، وتشابكت أيديهم، وأصبح طريقهم نحو عاصمتهم "المختطفة" واضحاً من كل الاتجاهات، وهذا هو الأمر الأكثر أهمية على ما عداه حيث بدا في السابق، أن اختلاف وجهات النظر داخل المعسكر المناهض للميليشيات هو أقوى أسلحة هذه الجماعة.

لكن الصورة تبدو اليوم غير الأمس، فإلى جانب استعادة الجيش اليمني زمام المبادرة في الميدان، ربما انتقل هذا الجيش، من حالة الرد المحدود على اعتداءات الميليشيات إلى مربع "الردع" غير المسبوق، فقد أخذت طائراته المسيرة المتطورة الجديدة والحديثة التكنولوجيا ومقاتلاته من طراز "إف 16" تصيب أهدافها في مواقع الحوثيين بدقةٍ عالية، بحسب مقاطع الفيديو التي ينشرها الجيش، وتُظهر فرار مسلحي الجماعة بعد رصد واكتشاف واستهداف مخابئ وخنادق الميليشيات وتصويرها جواً، لتقييم النتائج على الأرض، بالإضافة إلى وقوع عدد من عناصرها المغرر بهم في الأسر، وإدلائهم بمعلوماتٍ تدحض ادعاءات الميليشيات التي تقوم بتجنيدهم من مناطق القبائل الأكثر فقراً وجهلاً وبؤساً.

اليوم يبدو أن أغلب اليمنيين تجاوزوا خلافاتهم وانقساماتهم، وتوحدت بنادقهم، وتشابكت أيديهم، وأصبح طريقهم نحو عاصمتهم "المختطفة" واضحاً من كل الاتجاهات

الأدهى من كل ما يحدث، أن الحوثي لا تهمه العواقب طالما أن "الحجر من القاع والدم من رأس اليمني" كما يردد قادة الميليشيات أو "القبيلي" كما يصفونه من قبيل الاستهجان والسخرية بالدم اليمني، ولا يهم الجماعة هنا مقتل أكبر عدد من عناصرها، فمستوى التعبئة المذهبية والقبلية والجهوية بما يبدو "غسيل دماغٍ" بات عالياً للغاية، وهذا أكبر خطأ تقع فيه ميليشيا الحوثي، بل أي ميليشيا في أي مكان أو زمان عند استعداء شعبٍ يزيد تعداده على 35 مليون إنسان، متعدد المشارب ومتنوع المذاهب والأعراف، مدجج بالسلاح بمعدل قطعةٍ إلى أربع قطع من السلاح الخفيف والمتوسط لكل فرد، إضافةً إلى قطعٍ من السلاح الثقيل لدى بعض القبائل.

كيف انقلبت الموازين؟

مؤخراً نسب الصحافي اليمني، فتحي بن لزرق، إلى مصدر عسكري رفيع قوله إنه أكد له أن "قوات الجيش تحصلت مؤخراً ضمن صفقة عسكرية على 850 طائرة تركية نوع بيرقدار".

وبحسب قناة "WV" الألمانية فهذه المسيرة المتقدمة استطلاعية وقتالية في آنٍ معاً، تحلق بسرعةٍ قدرها 155 كيلومترا في الساعة لمدة 25 ساعة متواصلة حتى على ارتفاع 8 كيلومترات، وتنقل حمولة من المتفجرات يصل وزنها إلى 250 كيلوغراما، ويمكن التحكم بها من على بُعد 150 كيلومترا، وقد اشترت دول مثل أوكرانيا وقطر العشرات من هذه الطائرة، بعد أن أثبتت فاعليتها في عدد من المعارك التي شهدتها المنطقة، خصوصاً في عملياتٍ على الحدود العراقية الإيرانية، حيث أمكن قتل المئات من مسلحي "حزب العمل الكردستاني" من بينهم ضحايا مدنيون بحسب القناة الألمانية.

لكن ما هو مرجحٌ أبضاً أن مختلف تشكيلات الجيش اليمني حصلت منذ سنوات على أسلحةٍ فعالةٍ أخرى في مقدمتها بطاريات مدفعية حديثة، ومضادات للطائرات المسيرة، وعتادٍ عسكري آخر متنوع، واستعدت للتصعيد الحوثي القائم منذ وقتٍ طويل بجاهزيةٍ تامة للتعامل مع هذا التصعيد، حيث تمكنت في كل هجوم حوثي من إسقاط عشرٍ على الأقل من مسيراته "الخردة" كما وصفها قائدٌ عسكري إيراني خلال الحرب الأميركية الإسرائيلية على بلاده، متوعداً باستخدام ما هو الأكثر تطوراً، الذي لم تثبت أهميته ليس في هجمات "حزب الله" اللبناني ولا في هجمات "الحرس الثوري" على دول الخليج العربية.

قوات الجيش اليمني بمختلف تشكيلاته العسكرية لم تكن تحتاج في السابق، كما اتضح، سوى إلى قرار سياسي وإرادة موحدة، لكن هذا القرار اتخذ تقريباً، وتلك الإرادة أصبحت واحدة ومتماسكة، بعد أن اختصر التصعيد الحوثي الطريق عليها، ووفرت لها اعتداءاته كلفة نفض يدها من الهدنة الهشة التي كانت قائمة، ولم يعد هناك اليوم من استعداد لهدنة أخرى.

قوات الجيش اليمني بمختلف تشكيلاته العسكرية لم تكن تحتاج في السابق، كما اتضح، سوى إلى قرار سياسي وإرادة موحدة

انتحار وليس انتصارا

الواضح أن الأمور تتغير كل ساعةٍ تقريباً، ليس بالضرورة إلى أين، لكنها لم تعد بأي حالٍ على حالها، والأرجح كما يرى معظم المراقبين والخبراء العسكريين، أن الجماعة التي تحاول التصرف بجنون بصواريخها شرقاً وغرباً، براً وبحراً، تتخطى الحدود والخطوط الحمراء.

يقول السفير اليمني لدى المملكة المتحدة، ياسين سعيد نعمان إن "المواجهة مع الميليشيات الحوثية يجب أن تسير وفقًا للخطة المرسومة، ولا يجب أن تُربَك أو تتأثر بهذه الهجمات التي تشنها هذه الميليشيات على المنشآت المدنية، ومهما كانت مؤلمة على الصعيد المادي والبشري فإن هدفها الأساسي وهو إرباك الخطة، وتعطيل العمل على استكمال الإعداد، الذي يسير على قدم وساق ويجب أن لا يتحقق".

ويضيف نعمان أن "الحوثي فقد القدرة على المبادرة، ولم يعد بيده قرار الحرب، ولذلك نراه يختبئ وراء الصواريخ والمسيرات الإيرانية التي لا يمكن، بمعايير الحرب، أن تُحدث بمفردها تفوقًا عسكريا في معادلة القوة على الأرض".

البعض يؤكد على أن المسيرات والمدفعية وحدهما لا يمكنها أن تحسم الحروب عن بُعد، ما لم يكن هناك تحرك من قبل جميع الجبهات المناوئة للحوثيين بشكلٍ متزامن، ودن أن يتقدم مقاتلو الجيش ميدانيا على الأرض نحو معاقل الميليشيات "المتهاوية" وليس الاكتفاء فقط بمهاجمتها بالمدفعية والطيران المسير، وأن لا تسمح لها بالانفراد بكل جبهةٍ على حدة كما تشاء وحيث تختار، وفي أي وقت تريد.

لا نعلم الكثير عما لا يزال في ترسانة الجماعة من صواريخ وطائراتٍ مسيرة، ولا تعداد مسلحيها الذين يمكن لها أن تواصل حشدهم من كل المناطق، فهي أمام معركةٍ "مصيرية"، لكن المؤكد أنها تعاني اليوم حالةً من "الاستنزاف" وانقطاع مصادر تمويلها، إما نسبياً بسبب ما تعانيه إيران من عزلةٍ اقتصاديةٍ خانقة، وإما كلياً بسبب تراجع اعتماد الجماعة على الضرائب والجبايات المفروضة بالقوة على التجار والمواطنين حيث يرى البعض أنه ينبغي استغلال انقطاع مصادر الإمداد للحوثيين من إيران عبر التهريب من خلال الصحراء أو البحر لمزيد من تضييق الخناق على ميليشياتهم.

(أنور العنسي)

الفيس بوك
تويتر

جميع الحقوق محفوظة YemenFreedom ---- تصميم وبرمجة ALRAJIHI