23 أغسطس 2026
22 أغسطس 2026
يمن فريدم-اندبندنت عربية
دمار هائل في إيران جراء ضربات أميركية وإسرائيلية خلال الحرب (رويترز)


بعد أشهر من الحرب بدأت المؤسسات الحكومية الإيرانية تكشف تباعاً عن جانب من الخسائر التي خلفتها المواجهات العسكرية، إلا أن الأرقام المعلنة حتى الآن لا تمثل سوى جزء من الصورة الكاملة.

فبينما تتولى مؤسسة الإسكان حصر الأضرار التي لحقت بالمساكن والمنشآت التجارية خارج العاصمة، تضطلع بلدية طهران بتقييم خسائر المدينة، في حين تبقى الأضرار التي أصابت البنية التحتية والمنشآت الصناعية والعسكرية والنووية خارج معظم هذه الإحصاءات.

ويعكس هذا التباين في الجهات المسؤولة في إيران عن التقييم صعوبة الوصول إلى تقدير شامل للكلفة الحقيقية للحرب، التي تقدرها الحكومة بمئات مليارات الدولارات، وما ستفرضه من أعباء اقتصادية ومالية على البلاد لسنوات مقبلة.

وفي أحدث هذه التقديرات، أعلنت مؤسسة الإسكان الإيرانية أن قيمة الأضرار التي لحقت بالمساكن والمنشآت التجارية والممتلكات الأساسية للمواطنين خارج طهران تجاوزت 37 ألف مليار تومان (247 مليون دولار).

ويعد هذا أول تقدير رسمي واسع النطاق يقتصر على الممتلكات المدنية الواقعة ضمن نطاق مسؤولية المؤسسة، من دون أن يشمل العاصمة أو المنشآت الاقتصادية والعسكرية.

وقال نائب رئيس مؤسسة الإسكان لشؤون إعادة الإعمار والإسكان الريفي مجيد جودي في تصريح لوكالة "إيرنا" الحكومية إن المؤسسة فتحت حتى الآن أكثر من 140 ألف ملف لتقييم الأضرار، منها نحو 110 آلاف ملف تتعلق بالمنازل والمنشآت التجارية، فيما يختص نحو 35 ألف ملف بالخسائر المعيشية والأضرار التي لحقت بالأثاث والممتلكات الأساسية للأسر.

وأوضح أن الحرب طاولت 25 محافظة، وأن فرق المؤسسة أجرت عمليات تقييم في 407 مدن وقرى، شملت 222 مدينة و185 قرية، بما يعكس اتساع الرقعة الجغرافية للأضرار وعدم اقتصارها على المناطق الحدودية أو المواقع العسكرية.

غير أن هذه الأرقام لا تشمل العاصمة طهران، إذ أوكلت الحكومة منذ الأيام الأولى للحرب مسؤولية حصر الأضرار وإعادة الإعمار داخل المدينة إلى بلدية طهران. وأكد جودي أن مؤسسة الإسكان لا تمتلك بيانات دقيقة عن حجم الخسائر في العاصمة، مما يجعل التقديرات المعلنة حتى الآن تعكس جزءاً فقط من الخسائر المدنية التي خلفتها الحرب.

وتكشف بيانات بلدية طهران بدورها عن حجم الدمار الذي أصاب العاصمة. فقد أعلن المتحدث باسم البلدية عبدالمطهر محمد خاني أن الحربين اللتين استمرتا 12 يوماً و40 يوماً تسببتا في تضرر نحو 51 ألف وحدة سكنية، إضافة إلى أكثر من 10 آلاف سيارة، فيما بلغت الأضرار التي لحقت بأسطول حافلات النقل العام وحده نحو 22 مليار تومان (147 ألف دولار).

وأظهر تقرير البلدية أن 50 ألفاً و849 وحدة سكنية في المناطق الـ22 للعاصمة تعرضت لأضرار راوحت ما بين تحطم النوافذ والأبواب وصولاً إلى الدمار الكامل، وسجلت المنطقة الرابعة أعلى عدد من الوحدات المتضررة بواقع 7948 وحدة، تلتها المنطقة الثانية بـ4037 وحدة.

وبذلك، تكشف الأرقام الرسمية، على رغم أنها لا تغطي سوى جزء من الخسائر، أن الحرب امتدت إلى رقعة جغرافية واسعة وشملت عشرات الآلاف من المساكن والمنشآت المدنية. إلا أن هذه التقديرات تبقى جزئية، لأنها لا تشمل البنية التحتية والمنشآت الصناعية والعسكرية، ولا تقدم حتى الآن صورة مكتملة عن حجم الخسائر داخل العاصمة، الأمر الذي يجعل الكلفة الحقيقية للحرب أكبر بكثير مما تعكسه الإحصاءات المعلنة حتى الآن.

عندما تتجاوز الخسائر ثلثي الاقتصاد

إذا كانت الأرقام التي أعلنتها مؤسسة الإسكان تكشف عن جانب من خسائر المساكن والممتلكات المدنية، فإن التقدير الذي أعلنته حكومة الرئيس مسعود بزشكيان يضع الحرب في إطار اقتصادي أشمل. فقد أعلنت الحكومة أن الحرب الأخيرة ألحقت بإيران خسائر مباشرة وغير مباشرة بلغت نحو 270 مليار دولار، وهو رقم يكتسب أهمية خاصة عند مقارنته بحجم الاقتصاد الإيراني نفسه.

إذ يقدر صندوق النقد الدولي الناتج المحلي الإجمالي لإيران خلال عام 2026 بنحو 360 مليار دولار، مما يعني أن الخسائر المعلنة تعادل نحو 75% من الناتج المحلي السنوي للبلاد. وبعبارة أخرى، فإن الحرب، وفقاً للتقديرات الحكومية، أتلفت خلال 40 يوماً قيمة اقتصادية تقارب ثلاثة أرباع ما ينتجه الاقتصاد الإيراني خلال عام كامل.

ولا تقتصر دلالة هذا الرقم على حجم الدمار المادي، بل تعكس أيضاً اتساع نطاق الخسائر ليشمل النشاط الاقتصادي والإنتاج والخدمات وسلاسل الإمداد، فضلاً عن الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية، وهي خسائر يصعب قياس آثارها الكاملة في المدى القصير.

وفي المقابل، تكشف وتيرة إعادة الإعمار عن فجوة واضحة بين حجم الأضرار والقدرة على معالجتها. فبحسب نائب رئيس مؤسسة الإسكان، جرى الانتهاء حتى الآن من إصلاح 63 ألفاً و526 وحدة متضررة، في حين تبين أن نحو 1200 وحدة تعرضت لدمار كامل يستوجب إعادة بنائها من الصفر، مع توقع استمرار أعمال إعادة الإعمار حتى نهاية عام 2027.

وتتضح هذه الفجوة بصورة أكبر عند مقارنة قيمة الأضرار بالمبالغ التي خصصتها الحكومة للتعويض. فقد أعلنت مؤسسة الإسكان أن إجمالي ما جرى توفيره وصرفه حتى الآن بلغ نحو 6500 مليار تومان (43.5 مليون دولار)، في حين تتجاوز الخسائر التي أحصتها المؤسسة 37 ألف مليار تومان (247 مليون دولار).

وهذا يعني أن الأموال المرصودة لا تغطي سوى نحو 18% من قيمة الأضرار الموثقة، علماً أن هذه التقديرات لا تشمل خسائر العاصمة طهران ولا الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية والمنشآت الصناعية والعسكرية.

وتشير البيانات الرسمية أيضاً إلى أن محافظات إيلام وكرمنشاه وكردستان كانت الأكثر تضرراً، سواء من حيث عدد الأضرار المسجلة أو قيمتها المالية، بما يعكس تمركز جزء كبير من الخسائر في المناطق الغربية من البلاد.

وتوضح التقديرات أن حجم الأنقاض التي خلفتها الحرب خلال الفترة الممتدة من الـ28 من فبراير/ شباط إلى الثامن من أبريل/ نيسان الماضيين، تراوح ما بين 2.4 و3.3 مليون طن، في مؤشر إضافي على حجم الدمار الذي طاول المنشآت العسكرية والمباني السكنية والبنية التحتية الحضرية.

فاتورة إعادة الإعمار

تكشف الأرقام الرسمية عن أن التحدي الذي تواجهه إيران لا يقتصر على حصر الخسائر، بل يمتد إلى كيفية تمويل إعادة الإعمار في ظل اقتصاد يعاني أصلاً من العقوبات، وعجز الموازنة، وارتفاع معدلات التضخم، وتراجع قيمة العملة الوطنية. فحتى إذا صحت التقديرات الحكومية في شأن حجم الدمار، فإن توفير الموارد اللازمة لإعادة بناء ما خلفته الحرب يمثل تحدياً لا يقل صعوبة عن الحرب نفسها.

وتزداد هذه المعضلة تعقيداً إذا ما أخذ في الاعتبار أن الحكومة نفسها تقدر الخسائر المباشرة وغير المباشرة للحرب بنحو 270 مليار دولار، وهو رقم يعادل نحو ثلاثة أرباع الناتج المحلي الإجمالي لإيران، وفق تقديرات صندوق النقد الدولي لعام 2026. وحتى إذا خضع هذا الرقم للمراجعة مستقبلاً، فإنه يعكس إدراكاً رسمياً بأن كلفة الحرب تجاوزت قدرة المؤسسات الحكومية على التعامل معها عبر الموازنات التقليدية.

ولا تقتصر عملية إعادة الإعمار على إعادة بناء المساكن المتضررة، بل تشمل أيضاً إصلاح شبكات الكهرباء والمياه، وإعادة تأهيل الطرق والجسور، وتعويض أصحاب المنشآت التجارية، وإعادة تشغيل المنشآت الصناعية، فضلاً عن معالجة الأضرار التي لحقت بقطاعي الطاقة والنقل. وتمثل ملايين الأطنان من الأنقاض التي خلفتها الحرب تحدياً مالياً وبيئياً مستقلاً، إذ تتطلب عمليات إزالة ومعالجة قد تستغرق سنوات قبل الشروع الكامل في إعادة البناء.

وتشير هذه المعطيات إلى أن الخسائر التي أعلنتها المؤسسات الرسمية لا تمثل سوى الحد الأدنى من الكلفة الاقتصادية للحرب، لأنها تقتصر على ما أمكن حصره حتى الآن. أما الخسائر غير المباشرة، مثل تراجع الإنتاج والاستثمار، وتعطل سلاسل الإمداد، وانخفاض الإيرادات، وتباطؤ النشاط الاقتصادي، فمن المرجح أن تستمر آثارها لسنوات، حتى بعد انتهاء مشاريع إعادة الإعمار.

وفي المحصلة، تكشف الأرقام التي أعلنتها المؤسسات الإيرانية، على اختلاف نطاقها، أن الحرب لم تقتصر آثارها على المنشآت العسكرية، بل امتدت إلى النسيج العمراني والاقتصادي والاجتماعي للبلاد. فمن أكثر من 140 ألف ملف لتقييم الأضرار، وما يزيد على 110 آلاف منزل ومنشأة تجارية متضررة، وأكثر من 51 ألف وحدة سكنية في طهران وحدها، وصولاً إلى تقدير حكومي يتحدث عن 270 مليار دولار من الخسائر المباشرة وغير المباشرة، تبدو فاتورة الحرب أكبر بكثير من مجرد أرقام مالية.

ولذلك، لم يعد السؤال يقتصر على: كم خسرت إيران؟ بل أصبح يتعلق أيضاً بقدرة الاقتصاد الإيراني على تمويل عملية إعادة إعمار واسعة في ظل استمرار العقوبات، وضغوط الموازنة العامة، وارتفاع معدلات التضخم، وتراجع قيمة العملة الوطنية. فكل تأخير في إعادة البناء وتعويض المتضررين يعني اتساع الفجوة بين حجم الدمار وقدرة الاقتصاد على استيعابه، بما يجعل آثار الحرب مرشحة للاستمرار لسنوات، وربما لعقود، حتى في حال التوصل إلى اتفاق يضع حداً للمواجهات العسكرية أو حدوث تغيير سياسي في طهران.

(جمال عبيدي)
 

الفيس بوك
تويتر

جميع الحقوق محفوظة YemenFreedom ---- تصميم وبرمجة ALRAJIHI