22 أغسطس 2026
22 أغسطس 2026
يمن فريدم-اندبندنت عربية
عناصر من "الدعم السريع" لدى وصولها إلى أم درمان بعد انشقاقها عن الميليشيات (أ ف ب)


تتوالى انشقاقات "الدعم السريع" بصورة لافتة، وتتسع معها دائرة القادة والمقاتلين الذين يغادرون صفوفها وينضمون إلى الجيش السوداني، في مسار أخذ يفرض نفسه كأحد التطورات البارزة في المشهد العسكري للحرب.

ولعل آخر حلقات هذا المشهد انشقاق اللواء موسى علي أحمد، المعروف بـ"موسى خمسين"، الذي غادر "الدعم السريع" ومعه 318 مقاتلاً ونحو 50 عربة قتالية بكامل عتادها، إلى جانب أربعة قادة، قبل أن تصل القوة إلى مدينة الدبة في الولاية الشمالية، ثم أخيراً إلى مدينة أم درمان.

خطوة تأتي بعد سلسلة من الانشقاقات التي طاولت خلال الأشهر الأخيرة قادة ميدانيين ومقاتلين وشخصيات سياسية مرتبطة بتحالف "تأسيس"، الذي شكلته "الدعم السريع" مع حلفائها السياسيين والعسكريين، في محاولة لإضفاء إطار سياسي على مشروعها العسكري.

ويعكس انشقاق "خمسين"، من جهة حجم القوة التي اصطحبها معه، مستوى مختلفاً عن حالات الانشقاق الفردية، إذ لم يغادر قائده موقعه وحده، بل انتقلت معه كتلة بشرية ومركبات وسلاح، في واحدة من أكبر عمليات الانحياز المعلنة أخيراً من صفوف "الدعم السريع".

وقال "خمسين" إن مجموعته قررت الانضمام إلى الجيش بعد خيبة أملها من مسار "الدعم السريع" ومشروع "تأسيس"، في أحدث تطور ضمن موجة انشقاقات أخذت تتسارع خلال الأشهر الأخيرة.

وتأتي هذه التطورات بينما نجح الجيش، منذ استعادة الخرطوم في مارس/ آذار 2025، في تثبيت سيطرته ودفع ثقل عمليات "الدعم السريع" غرباً نحو كردفان ودارفور، مع إحراز تقدم على الطرق والمحاور المؤدية إلى مدينة الأبيض.

وفي حرب تعتمد بدرجة كبيرة على خطوط الإمداد والقدرة على المناورة وإعادة توليد القوة، يصبح انتقال قادة ميدانيين ومجموعات مسلحة بين الطرفين ذا قيمة عملياتية مباشرة، لأنه يمس ليس فقط القوة البشرية، وإنما أيضاً المعرفة الميدانية وشبكات التجنيد والانتشار وطرق الإمداد المحلية.

مسار متدرج

لم تعد الانشقاقات داخل "الدعم السريع" حالات منفردة، بل أخذت منذ أواخر عام 2024 تتخذ مساراً متدرجاً من جهة الحجم والموقع الجغرافي والوزن القيادي. وكانت البداية الأكثر دلالة في أكتوبر/ تشرين الأول 2024، عندما انشق أبو عاقلة كيكل، قائد "درع السودان" وأحد أبرز قادة "الدعم السريع" في ولاية الجزيرة، وانضم إلى الجيش مع قواته.

واكتسب الانشقاق أهمية عسكرية لأنه لم يكن انتقال أفراد، بل خروج تشكيل مسلح يحتفظ بقيادته ومركباته وشبكاته المحلية، في لحظة كان فيها الجيش يستعيد زمام المبادرة في وسط البلاد.

وخلال العام الحالي اتسعت الظاهرة بصورة أوضح، ففي أبريل/ نيسان الماضي، انشق اللواء النور أحمد آدم، المعروف بـ"النور القبة"، وهو من أبرز القادة الميدانيين في دارفور، معلناً مغادرته "الدعم السريع" والالتحاق بالجيش.

وقال لاحقاً إنه خرج برفقة ثلاث مجموعات وبمركباتها وتجهيزاتها، مما منح الانشقاق وزناً عملياتياً يتجاوز رمزية انتقال قائد واحد، خصوصاً أنه كان يمتلك معرفة مباشرة بانتشار القوات ومسارات الإمداد وطبيعة القيادة الميدانية.

وخلال مايو/ أيار الماضي، أعلن القائد الميداني علي رزق الله، المعروف بـ"السافنا"، انشقاقه بعد مشاركته في عدد من الجبهات، بينما شهدت كردفان حالات أخرى أقل حجماً.

وفي يونيو/ حزيران الماضي امتدت الظاهرة إلى النيل الأزرق، مع انشقاق ضيف الله آدم، قائد المجموعة القتالية الرابعة، في أول انشقاق ميداني معلن من هذا المحور. وأشار المنشقون في أكثر من حال إلى خلافات تتصل بالتمييز، وطريقة إدارة العمليات، وغياب تصور واضح للهدف السياسي للحرب.

أما خلال يوليو/ تموز الماضي فوصل مسار الانشقاقات إلى مستوى أكثر جماعية، عندما أعلن 45 عنصراً، بينهم ضباط، تسليم أنفسهم للجيش في أم درمان مع عتادهم العسكري. وتزامن ذلك مع تقارير عن تحركات مجموعات أخرى في كردفان للانسحاب من "الدعم السريع" والالتحاق بالجيش، في ظل الضغوط العسكرية التي تواجهها قوات "الدعم السريع" على محاور شمال وغرب وجنوب كردفان.

ولم تقتصر الظاهرة على البنية القتالية، فقد امتدت إلى الدائرة السياسية المحيطة بالمشروع الذي تقوده "الدعم السريع"، مع استقالة فارس النور من المجلس الرئاسي لتحالف "تأسيس" ومن منصبه حاكماً للخرطوم، ثم مغادرة حمد محمد خليفة، عضو المجلس الرئاسي والحاكم المعين لإقليم كردفان، ثم أخيراً انشقاق العقيد خمسين مع قواته، وبذلك تزامن تراجع التماسك الميداني مع اهتزاز في الغطاء السياسي الذي يسعى التحالف إلى بنائه في المناطق الخاضعة لنفوذ "الدعم السريع".

عوامل الانشقاق

تكشف موجة الانشقاقات داخل "الدعم السريع" عن أزمة مركبة، تتداخل فيها العوامل العسكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية. أولاً، مع استعادة الجيش الخرطوم ووسط البلاد، انتقلت "الدعم السريع" من وضع الهجوم والمباغتة إلى القتال على خطوط أكثر اتساعاً وأطول إمداداً في كردفان ودارفور.

فقدت القوة بذلك ميزة الحركة التي تمتعت بها في بداية الحرب، وأصبحت وحداتها أكثر تعرضاً للاستنزاف والضغط المتواصل. وأسهم ذلك في تآكل عنصر المفاجأة، والمباغتة، وأصبح الجيش أقدر على توقع محاور الهجوم واحتواء الاختراقات.

ثانياً، أزمة القيادة والسيطرة، تحولت "الدعم السريع"، بفعل التوسع السريع في التجنيد، من تشكيل شبه عسكري إلى شبكة واسعة من الوحدات والمجموعات التي تعتمد بدرجات متفاوتة على قادتها المحليين.

وهذا يخلق مشكلة جوهرية في القيادة والسيطرة، إذ قد يملك القائد الأعلى القدرة على إصدار الأوامر، من دون أن يمتلك دائماً القدرة على ضمان تنفيذها.

ويرتبط ذلك بالاستناد إلى القبيلة مما وفر قدرة عالية على التعبئة، لكنه لم ينتج بالضرورة ولاء مؤسسياً للمركز، فالمقاتل قد يكون ولاؤه الأول لزعيمه المحلي وشبكته الاجتماعية، وحين تتعارض مصالح هذه الشبكة مع القيادة المركزية يصبح الانسحاب أو الانشقاق خياراً ممكناً.

ثالثاً، تراجع اقتصاد الغنائم، فقد مثلت السيارات والأموال والممتلكات التي أمكن الاستيلاء عليها في المدن الكبرى حافزاً مهماً لبعض المقاتلين، لكن اتساع دائرة النهب واستنزاف الموارد في المدن التي خضعت للقتال جعل المكاسب السريعة أقل ضماناً، فيما أصبحت الجبهات الجديدة أكثر كلفة وأقل عائداً، وأدى تراكم التقارير الدولية والمحلية عن القتل والتهجير والنهب والانتهاكات إلى تضييق هامش المناورة السياسية للقوة وحلفائها.

رابعاً، الحافز الاستخباراتي والعملياتي للانشقاق، فحين ينتقل قائد ميداني مع مقاتليه ومركباته، فإنه لا ينقل قوة بشرية فحسب، بل ينقل معرفة بمواقع الانتشار، ومسارات الإمداد، وأنماط القيادة، وشبكات التجنيد والاتصال، وهذا يجعل بعض الانشقاقات ذات قيمة عسكرية واستخباراتية تتجاوز حجمها العددي.

خامساً، أثرت الهزيمة على معنويات الوحدات، فالهزيمة العسكرية لا تقاس بالخسائر وحدها، إذ تضرب الثقة في القيادة وفي إمكان تحقيق النصر. ومع تكرار الانسحابات وفقدان المواقع يصبح السؤال داخل الوحدات عن ضمان البقاء إذا تغير ميزان القوة، وعند هذه النقطة يمكن أن يتحول الانشقاق من فعل فردي إلى سلوك جماعي قابل للانتشار.

ضغوط متراكمة

تكشف الانشقاقات داخل "الدعم السريع" عن مشكلة تتجاوز خروج قيادات أو مجموعات مقاتلة من ساحة القتال، فهي تمس صميم البنية التي قامت عليها القوات وقدرتها على الحفاظ على وحدة القيادة في حرب طويلة تتحول بصورة متزايدة إلى صراع استنزاف، فالمؤشر العسكري الأهم ليس حجم القوة التي تنسحب، وإنما أثر ذلك في تماسك الوحدات، وانضباطها، واستجابتها لمركز القرار.

قامت بنية "الدعم السريع" على مزيج من التشكيلات المحلية، والولاءات الشخصية، والروابط القبلية، مع قدر متفاوت من الاستقلال الميداني. وقد وفرت هذه الصيغة مرونة كبيرة في الانتشار والحركة، لكنها تجعل التماسك أكثر هشاشة عندما تطول الحرب وتتبدل موازين القوة والموارد.

وتزداد المشكلة حين تتراجع قدرة القيادة على مكافأة المقاتلين، وتأمين الإمداد، وتعويض الخسائر، وضبط التنافس بين مراكز النفوذ.

وتتزامن هذه التصدعات مع ضغوط متراكمة على شبكة انتشار "الدعم السريع"، خصوصاً في كردفان، حيث أصبحت السيطرة على الطرق والممرات اللوجيستية عاملاً حاسماً في قدرة القوات على الربط بين مسارح العمليات.

واستعادة الجيش مواقع ومحاور مهمة في المنطقة ترفع كلفة الحركة والإمداد، وتفرض على القوات المنتشرة مسافات أوسع للدفاع والمناورة.

هنا تتحول الانشقاقات من خسارة بشرية إلى مشكلة قيادة وسيطرة، فكل خروج بارز يبعث إشارة إلى الوحدات الأخرى بأن الانتماء إلى المركز لم يعد بالضرورة الخيار الأكثر أمناً أو فائدة، ويضعف الثقة في قدرة القيادة على إدارة الحرب وتوزيع الموارد وحماية القوى التابعة لها.

وتزداد خطورة ذلك لأن الحرب أصبحت لا تعتمد على كثافة المقاتلين وحدها، بل القدرة على الحفاظ على سلسلة قيادة فاعلة، وإدامة الإمداد، وتوحيد القرار العملياتي. ومن هذه الزاوية، فإن التحدي الذي يواجه "الدعم السريع" أصبح مرتبطاً بقدرته على منع التصدعات الداخلية من التحول إلى ضعف في الأداء العسكري نفسه.

توقعات محتملة

إذا استمرت الانشقاقات داخل "الدعم السريع" بالوتيرة الحالية، فإن أثرها الأهم لن يكون في استنزاف القوة البشرية، وإنما في إعادة توزيع الولاءات داخل المنظومة التي تحملت الحرب طوال أكثر من ثلاثة أعوام، فالمؤشرات المتاحة لا تدل على انهيار وشيك، لكنها تكشف انتقال الأزمة من مستوى الخلافات الفردية إلى اختبار بنيوي للقيادة والسيطرة، خصوصاً مع تصاعد التنافس بين المكونات المحلية وتراجع الحوافز التي كانت تجمعها.

وتشير بيانات حديثة إلى ارتفاع الاقتتال داخل التحالفات المرتبطة بـ"الدعم السريع" مع تقلص عوائد الحرب وتغير السيطرة على الموارد.

الأرجح أن تتجه القوة إلى مزيد من اللامركزية الفعلية، فكلما ضعفت قدرة المركز على تمويل الوحدات وضمان إمدادها وحمايتها، ستزداد أهمية القادة المحليين وشبكاتهم الاجتماعية، وقد تصبح بعض التشكيلات أكثر استعداداً للتفاوض منفردة مع الجيش أو القوى المحلية، باعتبارها إعادة تموضع تحكمها حسابات البقاء.

في المقابل، يمثل استيعاب الجيش المنشقين أداة استخباراتية تتجاوز المكسب العددي، فهؤلاء يحملون معرفة بشبكات القيادة، ومسارات الإمداد، ومراكز التجنيد، وأنماط الانتشار، ويمكن أن يرفعوا جودة الاستهداف العسكري، لكن تحويل هذه المعرفة إلى تفوق ميداني يتطلب وقتاً، كذلك فإن إدماج عناصر نشأت داخل منظومة ولاءات مختلفة يفرض على الجيش تدقيقاً أمنياً واختباراً للموثوقية قبل تحويلهم إلى قيمة عملياتية كاملة.

يتوقع أن تصبح هذه الانشقاقات أكثر تأثيراً حين تتزامن مع الضغط على مسارات الحركة والإمداد في كردفان، عندها لا تعود المشكلة فقدان مقاتلين، بل اتساع المسافة بين القيادة والقوة المنتشرة، وارتفاع كلفة التنسيق، وتراجع القدرة على تنفيذ عمليات متزامنة.

المؤشر الحاسم خلال المرحلة المقبلة لن يكون عدد المنشقين، بل ما إذا كانت الانشقاقات ستظل خروجاً من القوة أم ستبدأ في سحب وحدات ومجتمعات وموارد كاملة معها، عند تلك النقطة فقط يتحول التصدع من ظاهرة إلى متغير عسكري ربما يغير ميزان الحرب.

(منى عبدالفتاح)

الفيس بوك
تويتر

جميع الحقوق محفوظة YemenFreedom ---- تصميم وبرمجة ALRAJIHI