دخل الاتفاق النووي المدني بين الولايات المتحدة والسعودية مرحلة جديدة، لكن مصيره لم يعد محصورا في التعاون في مجال الطاقة أو في الإجراءات المرتبطة بالمؤسسات الأمريكية.
ومع إحالة الاتفاق إلى الكونغرس، ينتقل التركيز إلى شرط سياسي أعلنته إدارة الرئيس دونالد ترامب، وهو ربط المضي في الاتفاق بانضمام السعودية إلى اتفاقيات أبراهام.
وكانت وكالة رويترز قد نقلت عن مسؤول في الإدارة الأمريكية أن الاتفاق أُحيل إلى الكونغرس الاثنين، وأكد المسؤول أن موقف ترامب لم يتغير، وأن الاتفاق مشروط بانضمام السعودية إلى اتفاقيات أبراهام.
وتواصلت "الحرة" مع وزارة الطاقة الأمريكية، باعتبارها الجهة التي وقّعت الاتفاق مع الجانب السعودي، للاستفسار عما إذا كانت الوثيقة عند توقيعها في يوليو تتضمن بندا أو نصا يربط الاتفاق بالتطبيع بين السعودية وإسرائيل.
أحالت الوزارة "الحرة" إلى البيت الأبيض للرد على هذا الجانب.
وفي رد لمسؤول بالإدارة الأميركية على استفسار "الحرة"، أوضح أن "هذه الوثيقة، التي تقودها وزارة الطاقة، أُحيلت إلى الكونغرس بما يتوافق مع قانون الطاقة الذرية"، وأكد هو الآخر أن موقف الرئيس ترامب لم يتغير وأن "الاتفاق لن يمضي قدما إلا إذا انضمت السعودية إلى اتفاقيات أبراهام".
وسيُعرض الاتفاق على لجان في الكونغرس مختصة لبدء المراجعة. وبموجب الإجراءات الأمريكية الخاصة باتفاقيات التعاون النووي، سيكون أمام الكونغرس فترة تمتد 90 يوما للنظر في الاتفاق، ويمكن للمشرعين خلالها الاعتراض عليه وفق الآلية القانونية.
وقال توماس كانتريمان، رئيس مجلس إدارة جمعية الحد من التسلح، لـ"الحرة" إن مناقشات الكونغرس قد تؤدي إلى سن قانون يشترط اعتراف السعودية بإسرائيل قبل نقل أي تكنولوجيا نووية إليها، مشيرا إلى أن إدارة ترامب والحكومة السعودية لديهما مصلحة مالية في منع إدراج مثل هذا الشرط.
وكانت الولايات المتحدة والسعودية قد أعلنتا في يوليو التوصل إلى اتفاق للتعاون في الاستخدامات السلمية للطاقة النووية.
ويمتد الاتفاق 30 عاما، ويسمح للشركات الأميركية بتصدير التكنولوجيا النووية المدنية إلى السعودية، ويتضمن خططا لبناء مفاعلات من طراز AP1000.
وتُعد هذه المفاعلات من الجيل "الثالث بلس"، بقدرة نحو 1.110 ميغاوات، وتتميز بأنظمة سلامة سلبية تعزز الأمان وتقلل الحاجة إلى التدخل الخارجي.
وقالت وزارة الطاقة الأميركية عند الإعلان عن الاتفاق إنه يمثل تعاونا تاريخيا بين البلدين في مجال الطاقة النووية المدنية، فيما اعتبرت السعودية أن الاتفاق يعزز التعاون في الاستخدامات السلمية للطاقة النووية وتبادل الخبرات والتقنيات.
وتكشف تفاصيل الاتفاق المتاحة أنه يتضمن دراسة مشتركة لمدة عامين لبحث إمكانية إنشاء منشأة لتخصيب اليورانيوم في السعودية، وسط تقارير عن عدم اشتماله على "المعيار الذهبي".
ويشير هذا المعيار في الاتفاقيات النووية الأمريكية إلى التعهد بعدم تخصيب اليورانيوم محليا أو إعادة معالجة الوقود النووي المستنفد، وهو ما التزمت به الإمارات في اتفاق التعاون النووي مع الولايات المتحدة عام 2009.
وقال كانتريمان إن السماح للسعودية بالحصول على تكنولوجيا تخصيب اليورانيوم يمكن أن يدفع دولا أخرى في المنطقة إلى المطالبة بقدرات مماثلة، مضيفا أن عدم إلزام السعودية بالتفاوض بشأن بروتوكول إضافي مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية يثير مخاوف بشأن مستوى الشفافية والرقابة على البرنامج النووي.
وتثير الترتيبات المتعلقة بالتخصيب مخاوف في إسرائيل، وسط تقارير عن القلق من حصول السعودية على قدرة محلية على تخصيب اليورانيوم.
في المقابل، أكد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بعيد التوقيع على الاتفاق أن الولايات المتحدة لن تبرم اتفاقا مع أي دولة من شأنه أن يؤدي إلى خطر انتشار الأسلحة النووية. وجاءت تصريحات روبيو على هامش اجتماع رابطة دول جنوب آسيا (آسيان) في مانيلا في يوليو الماضي.
وتسعى الرياض إلى تطوير برنامج نووي مدني في إطار خططها لتنويع مصادر الطاقة وتلبية الطلب المتزايد على الكهرباء، بالتوازي مع مشاريعها الاقتصادية والصناعية.
وقال سالم اليامي، المستشار السابق في وزارة الخارجية السعودية، إن الرياض ترى في إحالة الاتفاق إلى الكونغرس إجراء داخليا أميركيا، وتأمل إقراره والمضي في التعاون النووي بين البلدين.
وأضاف أن السعودية تسعى إلى الفصل بين علاقاتها مع واشنطن وملف التطبيع مع إسرائيل، وترفض استخدام الأخير للضغط على العلاقات بين البلدين.
ويمنح الاتفاق الشركات الأميركية دورا في تطوير البرنامج النووي السعودي، لكن الرياض سبق أن أجرت اتصالات مع دول أخرى بشأن التعاون في المجال النووي.
ويرتبط البرنامج النووي السعودي بخطط الرياض لتنويع مصادر الطاقة وتطوير قدراتها التقنية، في وقت تتوسع فيه مشاريعها الاقتصادية والصناعية وتزداد احتياجاتها من الكهرباء.
وتتطلع السعودية إلى تلبية طلب ذروي على الكهرباء يُتوقع أن يصل إلى 125 غيغاواط بحلول عام 2030، مقارنة بنحو 94 غيغاواط سُجلت مؤخرا، في حين تسعى خططها للطاقة النووية إلى توليد ما يصل إلى 17.6 غيغاواط من الكهرباء بحلول عام 2040.
وقال أندرو ليبر، أستاذ العلوم السياسية ودراسات الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في جامعة تولين لـ"الحرة"، إن الاتفاقية مهمة للسعودية لتنويع مصادر الطاقة على المدى الطويل، لكنها ليست بالضرورة الهدف الأكثر إلحاحا للمملكة في ظل التهديدات الإقليمية والتوتر المتعلق بإيران.
وأضاف أن الرياض تمكنت إلى حد كبير من التعامل مع الملف النووي باعتباره مسارا منفصلا عن ملف التطبيع، فيما قد تكون للكونغرس مخاوفه الخاصة بشأن حصول السعودية على التكنولوجيا النووية، بصرف النظر عن طبيعة علاقاتها مع إسرائيل.
وتتمسك السعودية بموقفها وتربط إقامة علاقات رسمية مع إسرائيل بحل الدولتين وإقامة دولة فلسطينية.
وقال إف. غريغوري غاوس الثالث، الزميل المشارك في معهد الشرق الأوسط لـ"الحرة"، إن مستقبل الاتفاق يرتبط بمدى جدية إدارة ترامب في ربط تنفيذه بالاعتراف السعودي بإسرائيل، مرجحا أن يتراجع الرئيس عن هذا الشرط، باعتبار أنه "لم يكن جزءا من الاتفاق الرسمي الذي وقعته الولايات المتحدة والسعودية".
(سكينة المشيخص- مصطفى خطيب)