مع تشديد إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ضغوطها الاقتصادية على إيران، تواجه واشنطن نقطة ضعف غير متوقعة في حملتها الرامية إلى عزل طهران عن النظام المالي العالمي، تتمثل في البنوك الأمريكية نفسها.
ووفقاً لصحيفة "وول ستريت جورنال"، نقلاً عن مسؤولين غربيين وباحثين، تمر مليارات الدولارات من الأموال الإيرانية سنوياً عبر حسابات المقاصة لدى بنوك أمريكية، على رغم العقوبات التي تحظر على الأشخاص والمؤسسات الخاضعين للقانون الأمريكي المشاركة في معظم الأنشطة المالية المرتبطة بطهران.
وتصل إيران إلى هذه الحسابات من خلال شركاء ومؤسسات مالية أجنبية تربطها علاقات بالبنوك الأمريكية، ضمن نظام مصرفي عمره أكثر من قرن يعرف بـ"المراسلة المصرفية أو البنوك المراسلة".
ويساعد هذا النظام في ربط المؤسسات المالية حول العالم، لكنه يوفر في الوقت نفسه قنوات يمكن لطهران استخدامها للتسلل إلى النظام المالي الدولي.
وفي الآونة الأخيرة، بدأت إدارة ترمب توجيه تحذيرات إلى البنوك الأجنبية التي تعالج معاملات بالدولار مرتبطة بإيران عبر حسابات مراسلة في الولايات المتحدة، كما دفعت المسؤولين في واشنطن البنوك الأمريكية إلى تشديد الرقابة على التحويلات المشبوهة ذات الصلة بإيران.
لكن اكتشاف هذه العمليات ليس سهلاً، إذ تستخدم طهران شبكة معقدة من شركات الواجهة وغيرها من الوسائل لإخفاء مصدر الأموال والجهات المستفيدة منها.
مليارات إيرانية مرت عبر البنوك الأمريكية
تحذر واشنطن الحكومات والمؤسسات المالية حول العالم من استمرار العلاقات الاقتصادية مع إيران، ملوحة بالعقوبات الثانوية، التي قد تؤدي إلى حرمان المؤسسات المستهدفة من الوصول إلى النظام المالي القائم على الدولار.
لكن خبراء في القطاع المالي يرون أن فاعلية هذه الحملة قد تكون محدودة ما لم تمارس واشنطن ضغوطاً أكبر على البنوك الأمريكية لتشديد الرقابة على علاقاتها مع المصارف المراسلة الأجنبية.
وقالت وزارة الخزانة الأمريكية إنها حددت خلال عام 2024 نحو 9 مليارات دولار من الأموال الإيرانية التي مرت عبر البنوك الأمريكية، وهو رقم يرى بعض الباحثين المتخصصين في الشؤون الإيرانية أنه يمكن خفضه إذا اتخذت المؤسسات المالية الأميركية إجراءات أكثر استباقية.
وقالت المسؤولة السابقة في وزارة الأمن الداخلي الأمريكية الباحثة حالياً في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات إيلين ديزينسكي، إن شبكات "المصارف السرية" أو "المصرفية الموازية" شديدة الصعوبة في الاكتشاف، لكنها ليست مستحيلة التتبع.
وأضافت أن البنوك الأمريكية والبنوك المراسلة تقع عليها مسؤولية مباشرة، وأن الضغوط عليها تتزايد باستمرار.
وتؤكد المؤسسات المالية الأمريكية أنها تعمل بصورة وثيقة مع وزارة الخزانة لتنفيذ العقوبات، بما في ذلك تقديم التقارير الإلزامية قانوناً عن أي نشاط مشبوه يمكن أن يكون مرتبطاً بإيران.
آثار جانبية
عادة لا تفرض السلطات الأمريكية عقوبات على البنوك، إلا عندما تكتشف إخفاقات كبيرة في برامج الامتثال للعقوبات أو في مراقبة التحويلات المالية.
غير أن تشديد الضغوط على البنوك الأمريكية، وحتى على عدد كبير من المؤسسات المالية الأجنبية، قد يحمل آثاراً جانبية، وفق خبراء في العقوبات.
ومن بين هذه الآثار احتمال إغلاق أحد أهم مصادر المعلومات، التي تتيح لواشنطن مراقبة الأنشطة المالية الإيرانية.
ومع ذلك، شجعت إدارة ترمب المؤسسات المالية الأمريكية خلال اجتماعات خاصة مع مسؤولي الامتثال المصرفي على مراقبة تدفقات الأموال الإيرانية بصورة أكثر دقة.
وقال المسؤول الكبير في وزارة الخزانة الأمريكية المشرف على مكتب مكافحة تمويل الإرهاب جين لانغ إن الوزارة أوضحت في عهد ترمب أن الالتزام بالعقوبات الأمريكية وغيرها من الالتزامات القانونية "ليس اختيارياً"، وأن عدم الامتثال ستكون له عواقب.
وأضاف أن المؤسسات المالية أصبحت على علم بأن السلطات الأمريكية تتعامل بجدية متزايدة مع المخالفات، وأكد أن وزارة الخزانة تتحرك بوتيرة أسرع وبأسلوب أكثر تشدداً لتحديد المؤسسات والوسطاء الذين يواصلون تسهيل الأعمال التجارية مع النظام الإيراني وتعطيل أنشطتهم ومعاقبتهم.
ونشرت الوزارة تحذيرات موجهة إلى البنوك حول العالم، تتضمن مؤشرات قد تكشف عن استخدام شركات وهمية للنظام المالي الذي تقوده الولايات المتحدة لصالح إيران.
ومن بين هذه المؤشرات، شركات ذات هياكل ملكية غامضة في المنطقة، أو شركات مسجلة في هونغ كونغ تستخدم حسابات مصرفية في الصين من دون وجود فعلي أو نشاط واضح على شبكة الإنترنت.
المشكلة المعقدة
تكمن جذور المشكلة في نظام المصارف المراسلة نفسه، فأية معاملة مالية مقومة بالدولار الأمريكي في أي مكان في العالم تحتاج في نهاية المطاف إلى المرور عبر مؤسسة مالية أمريكية من أجل تسويتها.
ويمنح هذا النظام واشنطن قدرة واسعة على مراقبة معظم المعاملات الدولية بالدولار، كما يسمح لها بقطع الوصول إلى العملة الأمريكية عن المؤسسات أو الدول المستهدفة بالعقوبات.
لكن هذا النظام نفسه يفتح ثغرات يمكن استغلالها، فعلى رغم أن إيران اتجهت بصورة متزايدة إلى استخدام اليوان الصيني والعملات المشفرة لتجنب الرقابة الأمريكية، فإنها لا تزال تحتاج إلى الدولار في بعض المعاملات.
وتحتاج طهران إلى العملة الأمريكية في بعض عمليات التجارة الدولية، وفي دعم حلفائها في الشرق الأوسط، وكذلك لشراء التكنولوجيا والمكونات التي تخضع للقيود وتستخدم في الصناعات العسكرية.
ولهذا السبب، يقول مسؤولون أمريكيون وباحثون إن إيران بنت شبكة مالية سرية واسعة تضم شركات واجهة ومكاتب صرافة ومؤسسات مالية موزعة في مناطق مختلفة من العالم.
وعادة تتجنب هذه الشركات فتح حسابات مباشرة لدى البنوك الأمريكية، إذ من المرجح أن ترفض المؤسسات الأمريكية التعامل معها إذا تبين ارتباطها بإيران.
وبدلاً من ذلك، تلجأ إلى شركاء في الصين والمنطقة ودول أخرى تمتلك علاقات مصرفية مراسلة مع البنوك الأمريكية.
وتقوم هذه المؤسسات الأجنبية بتحويل الأموال نيابة عن شركات الواجهة المرتبطة بإيران، من دون الإفصاح عن صلاتها بطهران، بينما يتولى البنك الأمريكي في نهاية السلسلة تسوية التحويل بالدولار.
ولم يستجب مسؤولون إيرانيون لطلبات التعليق من الصحيفة على هذه المعلومات.
من جانبها، أعلنت الصين مراراً معارضتها للعقوبات الأحادية التي تفرضها واشنطن، ووصفتها بأنها غير قانونية وغير معقولة، مؤكدة أنها ستتخذ الإجراءات اللازمة لحماية مصالحها.
وحذر متحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، عقب إطلاق "عملية المنبوذ الاقتصادي"، من أن استخدام الحرب الاقتصادية قد يؤدي إلى اضطراب الاقتصاد العالمي.
أما حكومة هونغ كونغ، فقالت إنها تطبق بقوة العقوبات التي تفرضها الأمم المتحدة، لكنها لا تعترف بالعقوبات الأحادية التي تفرضها دول منفردة، معتبرة أنها تخالف القانون الدولي.
أجهزة استشعار ولوحات إلكترونية
توضح إحدى الحالات الواقعية كيفية عمل هذه الشبكات، إذ قدمت شركة هندسية إيرانية طلباً إلى مورد صيني لشراء 150 ألف لوحة إلكترونية وأجهزة استشعار، وفق فاتورة اطلعت عليها صحيفة "وول ستريت جورنال".
وتستخدم هذه المكونات الإلكترونية في صناعة السيارات، لكنها مطلوبة أيضاً في إيران لاستخدامات مرتبطة بالأسلحة والطائرات المسيرة.
وتضمنت الفاتورة بيانات الحساب المصرفي الصيني للمورد، وأشارت إلى أن دفعة بقيمة 650 ألف دولار يجب أن تمر عبر شريك للمقاصة مقره نيويورك.
وأظهرت الوثائق أن الشركة الهندسية الإيرانية وافقت على إجراء الدفع عبر بنك "تجارت" الإيراني، وهو مؤسسة مالية تخضع لعقوبات أميركية.
ولم يستجب بنك "تجارت" لطلب التعليق.
لكن البنك الإيراني لا يستطيع ببساطة تحويل الدولارات مباشرة إلى حساب شركة صينية عبر النظام المصرفي الأمريكي.
وفي مثل هذا السيناريو، يرجح الباحثون أن تمر الأموال عبر شركة واجهة لديها إمكان الوصول إلى بنك أجنبي يرتبط بعلاقة مراسلة مع بنك أمريكي، وبذلك تتحرك الأموال في سلسلة من المؤسسات والشركات، قبل أن تصل في النهاية إلى حساب المورد.
ولا يزال من غير الواضح ما إذا كانت الدفعة المذكورة في الفواتير قد نفذت بالفعل.
نظام يعمل بكفاءة
يعد نظام المصارف المراسلة ضرورياً لعمل النظام المالي العالمي، لأنه يسمح للبنوك بتسوية المدفوعات عبر الحدود من دون الحاجة إلى نقل الأموال النقدية فعلياً.
وعندما تحول شركة أجنبية أموالاً بالدولار، يقوم بنك المقاصة الأميركي عملياً بخصم الدولارات من حساب جهة وإضافتها إلى حساب الطرف الآخر.
وتحقق البنوك الأميركية أرباحاً من هذه الخدمات من خلال الرسوم أو الودائع، كما تساعدها علاقات المصارف المراسلة في تقديم خدمات أوسع للعملاء والمؤسسات المالية خارج الولايات المتحدة.
لكن السؤال الأساس هو ما إذا كانت البنوك الأمريكية تفعل ما يكفي لضمان عدم استخدامها، ولو بصورة غير مباشرة، في تسوية معاملات مالية يستفيد منها النظام الإيراني.
وهذه معضلة تواجه واشنطن منذ أعوام، فإذا طبقت الولايات المتحدة القيود بصورة متساهلة، فإن مزيداً من المعاملات المرتبطة بإيران قد تمر عبر النظام المالي، أما إذا شددت القيود بصورة مفرطة، فقد تدفع الدول والشركات إلى البحث عن بدائل للدولار الأمريكي.
وقال المسؤول السابق في وزارة الخزانة الأمريكية ومؤسس شركة "كابيتول بيك ستراتيجيز" للاستشارات المالية وإدارة الأخطار أليكس زيردن للصحيفة، إن الإفراط في استخدام الأدوات المالية والعقوبات يخلق في النهاية حوافز للبحث عن بدائل للدولار.
وفي المقابل، فإن معاقبة البنوك الأمريكية قد يدفعها إلى تقليص علاقاتها بالمصارف المراسلة الأجنبية، وقد تكون لهذه الإجراءات آثار اقتصادية في الدول التي تعمل فيها البنوك المستهدفة، أو في النظام المالي العالمي بصورة أوسع.
وقال الشريك في مكتب المحاماة "أكين غامب" المسؤول السابق عن ملف العقوبات في وزارة الخزانة الأمريكية جيسون برينس، إن السلطات الأمريكية لا تستطيع اتباع سياسة شاملة وفورية ضد جميع المؤسسات.
وأضاف أن اتباع نهج "الكل دفعة واحدة" قد يؤدي إلى آثار متسلسلة، تتعارض مع الأهداف التي تسعى الحكومة الأمريكية إلى تحقيقها.
وهكذا تجد واشنطن نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد، فهي تريد حرمان إيران من الوصول إلى الدولار والنظام المالي العالمي، لكنها تعتمد في الوقت نفسه على انفتاح هذا النظام وقدرته على ربط البنوك والمؤسسات حول العالم.
وقد يؤدي تشديد العقوبات بصورة كبيرة إلى نتائج عكسية، من خلال تسريع استخدام العملات البديلة، وعلى رأسها اليوان الصيني.
وفي النهاية، لا تتعلق المعركة فقط بقدرة إيران على إخفاء أموالها، بل أيضاً بقدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على التوازن بين استخدام الدولار أداة للضغط السياسي، وحماية مكانته باعتباره العملة الأكثر أهمية في النظام المالي العالمي.